روسيا والسودان... "ثور طامح" في مستودع الخزف

منذ اندلاع الحرب والهجوم على الخرطوم في 15 أبريل/نيسان الماضي، ظل الحديث محتدما حول ارتباطات هذه التطورات في افريقيا بالمشهد الإقليمي والدولي

Sebastien Thibault
Sebastien Thibault

روسيا والسودان... "ثور طامح" في مستودع الخزف

منذ اندلاع الحرب في السودان بين قوات الجيش بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان و"قوات الدعم السريع" بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو (الملقب بحميدتي)، في 15 أبريل/نيسان الماضي، ظل الحديث محتدما حول ارتباطات هذه الحرب بالمشهد السياسي الإقليمي والدولي. وكان أكثر الملفات المتداولة وأكثرها غموضا، في هذا السياق، ملف الوجود الروسي في السودان ومدى ارتباطه بطرفي القتال هناك.

وكانت التكهنات والنقاشات بشأن هذا الملف قد ازدادت، عقب البيان الذي أصدره مؤسس مجموعة "فاغنر" العسكرية الروسية يفغيني بريغوجين، بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب في السودان، والذي طرح نفسه فيه وسيطا بين طرفي القتال، وعرض استغلال علاقاته الجيدة بكليهما لتحقيق السلام في الخرطوم. وتزامن البيان مع إعلان شبكة "سي إن إن" عن تورط "فاغنر" في تسليح "قوات الدعم السريع"، وإمدادها بصواريخ أرض– جو من ليبيا المجاورة. وهو ما أكدته الشبكة عبر صور الأقمار الاصطناعية. وقد التقى مؤسس "فاغنر" مبعوثين من حميدتي في أفريقيا قبل أيام من مقتله قرب موسكو.

نفوذ روسي قديم

من الضروري عند تناول ملف تلك الحرب تتبع مسار تزايد النفوذ الروسي على نحو رسمي وغير رسمي في السودان. وهو النفوذ الذي بدأ يتصاعد على نحو لافت منذ عام 2015 ثم وصل إلى ذروته عام 2017، وذلك خلال زيارة الرئيس المخلوع عمر البشير إلى روسيا ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي.

وخلال اللقاء طلب البشير على نحو مباشر الحماية الروسية مما وصفه بالتعامل العدائي الأميركي مع نظامه. كما عرض البشير على بوتين استخدام السودان كبوابة لروسيا إلى أفريقيا والبحر الأحمر؛ وبالفعل اتُفق على إنشاء قاعدة بحرية لوجستية للقوات الروسية على الساحل السوداني للبحر الأحمر.

ظل الدعم الروسي لنظام البشير يتزايد على نحو مطرد. وكان المتحدث باسم الخارجية الروسية قد اعترف في يناير/كانون الثاني 2019، أي قبل أسابيع قليلة من سقوط البشير، بوجود "فاغنر" في السودان ودعمها للنظام

وظل الدعم الروسي لنظام البشير يتزايد على نحو مطرد. وكان المتحدث باسم الخارجية الروسية قد اعترف في يناير/كانون الثاني 2019، أي قبل أسابيع قليلة من سقوط البشير، بوجود "فاغنر" في السودان ودعمها للنظام؛ إذ صرح بأن "شركات الأمن الخاصة الروسية، والتي لا علاقة لها بأجهزة الدولة الروسية تعمل بالفعل في السودان"، مضيفا أن مهامها محصورة في "تدريب الكوادر العسكرية ووكالات إنفاذ القانون في جمهورية السودان".

لاحقا لم تخفِ روسيا عدم ارتياحها لتوجهات الثورة السودانية التي أطاحت بنظام البشير في أبريل/نيسان 2019، وظلت تعمل بصبر لاستعادة نفوذها في المؤسسات الأمنية والعسكرية في السودان، حتى تحقق لها ذلك من خلال الانقلاب العسكري، الذي نفذته قوات كل من البرهان وحميدتي المتحاربة الآن، على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

إحباط بريغوجين

وعلى سبيل المثال، وصف أندريه كليشاس، رئيس لجنة "مجلس الاتحاد الروسي للتشريع الدستوري"، الإطاحة بعمر البشير في أبريل/نيسان 2019 بأنها "تغيير عنيف وغير دستوري للسلطة". علما أن مجموعة "فاغنر" كانت قدمت المعونة لنظام البشير خلال الثورة. وأفادت تقارير سرية سربت لاحقا أن بريغوجين عبر عن إحباطه من "موقف البشير شديد الحذر" تجاه المتظاهرين، وأعاد ذلك إلى عدم إصغاء الأخير للنصيحة الروسية بضرورة القبول بـ"خسائر قليلة ولكنها مقبولة في الأرواح" للسيطرة على الاحتجاجات الجماهيرية.

رحبت روسيا باتفاق الشراكة بين المدنيين والعسكريين على المرحلة الانتقالية في أغسطس/آب 2019. وعلى الرغم من ذلك، فإن الدعم الروسي للجيش لم يتوقف

وتضمنت وثيقة مسربة أعدتها "فاغنر" لنظام البشير، اقتراحات للتصدي لـ"ثورة ديسمبر"، مثل توسيع المفهوم القانوني للدعوة إلى إسقاط النظام، وتشديد العقوبة على تنظيم التجمعات والاجتماعات غير المصرح بها والمشاركة فيها، ونشر الاتهامات بالعمالة للخارج ضد المعارضين، والتضييق على وسائل الإعلام المستقلة، وملء مساحات الإعلام بالمصادر المطلعة الوهمية لنشر الخطاب المؤيد للنظام، وشغل مواقع الاحتجاجات والمظاهرات بإقامة احتفالات حكومية رسمية في المكان نفسه، واعتقال المنسقين الرئيسين وقيادات الاحتجاج في اليوم السابق لأي مظاهرات معلنة.

وعلى الرغم من فشل هذه النصائح في إنقاذ البشير إلا أن سلطة "انقلاب 25 أكتوبر" اعتمدتها ونفذتها حرفيا، وهو ما دل عليه استمرار أو استعادة التعاون الأمني مع "فاغنر" على نحو وثيق بعد أكتوبر/تشرين الأول 2021.

العسكريون أولا

خلال المفاوضات التي استمرت نحو أربعة أشهر بين المدنيين والعسكريين بعد سقوط البشير وقبل بدء الفترة الانتقالية، واصلت روسيا دعمها اتجاهات تأسيس حكم استبدادي عسكري في السودان؛ فعلى سبيل المثال، منعت روسيا مجلس الأمن الدولي من إدانة "مجزرة 3 يونيو/حزيران 2019"، والتي قُتل فيها عشرات المتظاهرين على أيدي القوات النظامية، وذلك خلال فض الاعتصام السلمي الذي كان مستمرا أمام مقر قيادة الجيش للدعوة لتسليم السلطة إلى المدنيين. ووصف نائب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة ديمتري بوليانسكي، مشروع القرار الأممي المقترح بأنه "غير متوازن".

AFP
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) يصافح الرئيس السوداني السابق عمر البشير خلال اجتماع في سوتشي في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

ثم بعد يومين ندد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بما وصفه بالتدخلات الخارجية في السودان. وفي وقت لاحق، رحبت روسيا باتفاق الشراكة بين المدنيين والعسكريين على المرحلة الانتقالية في أغسطس/آب 2019. وعلى الرغم من ذلك، فإن الدعم الروسي للجيش لم يتوقف؛ فخلال المشاورات في مجلس الأمن الدولي لإنشاء بعثة الأمم المتحدة السياسية الخاصة بدعم انتقال الحكم في السودان (UNITAMS) والتي كان رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك قد طالب بها، رفضت روسيا تضمين قرار إنشاء تلك البعثة، أي إشارة إلى الكتاب الذي أرسله حمدوك إلى الأمين العام للأمم المتحدة لطلب إنشائها في 27 يناير/كانون الثاني 2020؛ إذ تبنت موسكو موقف المكون العسكري المعترض على ذاك الكتاب، والذي كان يعطي مجلس الأمن مساحة سياسية أوسع للنظر في ولاية أقوى للبعثة المطلوبة. ونتيجة لتصلب العسكريين ودعم كل من روسيا والصين لموقفهم في مجلس الأمن، تم سحب الرسالة الأولى المصنفة بوسم (Document S/2020/77) في سجلات مجلس الأمن بتاريخ 27 مايو/أيار 2020، تمهيدا لصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2524 (2020) بإنشاء بعثة "يونيتامس" في 3 يونيو/حزيران 2020.

ذكرت تقارير صحافية أن شركتين، هما "الصولاج"، و"مروي غولد"، كانتا تتبادلان ملكية الأصول والممتلكات مع الروابط المحتملة لـ"قوات الدعم السريع"، لتجنب العقوبات ضد "فاغنر"

كانت ولاية البعثة كافية على نحو معقول، لكنها لم ترقَ إلى مستوى الطموحات التي تضمنتها الرسالة الأولى. بعد ذلك، ماطلت روسيا في الموافقة على اختيار رئيس للبعثة الجديدة طوال عدة أشهر، بحجة ضرورة تمتع المرشح لتولي هذا المنصب بدعم الجيش السوداني. وهو ما أدى إلى فجوة زمنية مدتها سبعة أشهر بعد إنشاء "يونيتامس"، وثلاثة أشهر بعد بدء الانتشار الفعلي للبعثة في السودان، والذي بدأ قبل تعيين رئيسها.

ذهب وعَلم "سوفياتي"

منذ ذلك الحين وحتى انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، دأبت روسيا على استعادة نفوذها وتحالفاتها العسكرية في السودان. واتخذ هذا الجهد أشكالا متعددة كان أبرزها التعاون الاقتصادي مع "قوات الدعم السريع" في مجال التنقيب عن الذهب. وساهمت شراكات التنقيب عن الذهب بين هذه القوات و"فاغنر"، على مدار السنوات الماضية، في بناء احتياطيات كبيرة من الذهب في البنك المركزي الروسي. وهو أمر شكل أهمية قصوى لموسكو في سياق مواجهتها تداعيات الحرب في أوكرانيا؛ إذ نُظمت، خلال العام 2021، نحو 16 رحلة جوية روسية لتهريب الذهب من السودان إلى روسيا عبر مطار اللاذقية في سوريا، ثم إلى قاعدة "تشكالوفسكي" الجوية في الاتحاد الروسي. وتمت هذه الرحلات على متن طائرات مسجلة بأرقام تعريفية تخص القوات المسلحة الروسية. ويرفرف علم قديم للاتحاد السوفياتي السابق فوق مواقع التعدين المشتركة في السودان والتي تحيط بها حراسة مشددة. كما ذكرت تقارير صحافية أن شركتين، هما "الصولاج"، و"مروي غولد"، كانتا تتبادلان ملكية الأصول والممتلكات مع الروابط المحتملة لـ"قوات الدعم السريع"، لتجنب العقوبات ضد "فاغنر".

إلى ذلك تتحكم الذراع الاستثمارية لمجموعة "فاغنر" والمعروفة باسم "إم إنفيست" (M-Invest) بـ"مروي غولد". وتشير شهادة تسجيل الشركة الصادرة من مسجل عام الشركات في السودان عام 2017، إلى أن "إم إنفيست" تمتلك 99 في المئة من أسهم الشركة، ويرأس مجلس إدارتها المكون من ثلاثة أعضاء المواطن الروسي ميخائيل بوتيوبكين (المدير الإقليمي لـ"إم إنفيست")، بينما سجلت الأسهم المتبقية، أي 1 في المئة، باسم مواطن سوداني وآخر روسي يدعى مايكل ليتفينوف، وهما العضوان الآخران في مجلس إدارة الشركة.

واللافت أن "مروي غولد" تغلبت بسرعة استثنائية على البيروقراطية السودانية المعقدة في مجال تسجيل الشركات الاستثمارية الأجنبية وعملها، وذلك من خلال التسهيلات المتواصلة التي قدمتها لها الجهات العليا في نظام البشير المخلوع. فبتاريخ 12 أغسطس/آب 2018، أبلغ وزير شؤون الرئاسة السودانية فضل عبد الله فضل، وزير المعادن محمد أحمد علي تعليمات البشير بمنح ترخيص لشركة "مروي غولد" لمعالجة مخلفات الذهب (الكرتة). وذلك على الرغم من الحظر المفروض على الشركات الأجنبية للعمل في هذا القطاع. كما اشتملت تلك التعليمات على التنازل عن حصة الحكومة السودانية البالغة 30 في المئة في مربع الامتياز (A3)  بمنطقة جبيت شرقي السودان. وإلى ذلك مُنحت "مروي غولد" تصريحا لمعالجة مخلفات الذهب في ولايات جنوب كردفان ونهر النيل والبحر الأحمر، بالإضافة إلى منحها حقوق التنقيب عن الذهب في مربع (R570)  في البحر الأحمر، ومربع (28) في أبو حمد بولاية نهر النيل.

ناهيك بأن البشير أمر في آخر عهده بالتنازل عن أسهم الحكومة السودانية في قطاع تعدين الذهب بولاية البحر الأحمر لصالح الشركة إياها. علما أن "مروي غولد" وسعت أنشطتها من خلال تسجيل شركات عدة تابعة لها للعمل في مجالات أخرى منها: "مروي للإنتاج الزراعي والحيواني" (12 أغسطس/آب 2018)، و"مروي لتصنيع الزيوت النباتية" (2 ديسمبر/كانون الأول 2018)، و"مروي لمعالجة نفايات التعدين" (19 فبراير/شباط 2019).

أدوار حميدتي

والجدير ذكره أن الشركات الروسية دخلت في مشاريع مشتركة مع الحكومة السودانية في مجال التنقيب عن الذهب، قبل إنشاء "مروي غولد"، إذ وضعت روسيا نصب أعينها موارد الذهب السودانية منذ فترة طويلة؛ ففي أواخر يوليو/تموز 2015 منحت شركة "سيبيريا" لتعدين الذهب عقد امتياز في ولايتي البحر الأحمر ونهر النيل في حفل حضره البشير. وأعلن وزير المعادن السوداني أحمد صادق الكروري أن الشركة اكتشفت 46 ألف طن من احتياطي الذهب في هذين الموقعين بقيمة سوقية تبلغ 1.70 تريليون دولار. كما نص العقد الممنوح لتلك الشركة على أن تحتفظ هي بنسبة 25 في المئة من هذه القيمة، وتترك الباقي للحكومة السودانية. وكانت هذه الأرقام، التي كانت تستخدم للاستهلاك السياسي، محط تشكيك واسع من قبل الخبراء والجمهور، مما اضطر حكومة البشير إلى التراجع عنها لاحقا.

وقبل ذلك، وفي العام 2013، سجلت الشركة الروسية "كوش"، للاستكشاف والتنقيب في السودان، ومُنحت حقوق التنقيب عن الذهب في المربع (30) في البحر الأحمر. وفي العام 2014، وفي إطار مشروع مشترك مع الحكومة أسست "كوش" مصنع الاتحاد لمعالجة الذهب بغية معالجة نحو 200 ألف طن متري من مخلفات الذهب سنويا بحلول عام 2016.

بعد إسقاط البشير، استخدم حميدتي نفوذه المتزايد في إقليم دارفور لتقوية تحالفه الاقتصادي والسياسي مع مجموعة "فاغنر"، والتي كانت تهدف لتعزيز الوجود الروسي في منطقة الساحل والسيطرة عليها

وتعمل "كوش" كشريك رئيس لشركة "الجنيد" المملوكة لأسرة قائد الدعم السريع حميدتي والتي يرأسها نائبه وشقيقه عبدالرحيم. وكانت تلك الشركة الروسية قد أعلنت في يوليو/تموز 2017 عن شراكتها مع شركة "الجنيد" للتنقيب عن الذهب في 14 مربعا جديدا بالإضافة إلى الترخيص الممنوح لها في المربع (30) بالبحر الأحمر.

لاحقا، وخلال زيارة الرئيس المخلوع عمر البشير إلى روسيا عام 2017، وقع اتفاق لمنح عدد غير محدد من المربعات الإضافية لشركة "كوش" الروسية للتنقيب عن الذهب في السودان. وهو ما أشير إليه في بيان مشترك مع رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، على نحو يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه الشركة بالنسبة إلى روسيا في السودان. وهو البيان نفسه الذي أعلن فيه عن منح حقوق تنقيب مماثلة لمجموعة "إم إنفيست" التابعة لـ"فاغنر". وأشار بيان صادر عن المتحدث باسم "كوش" إلى أن شراكتها مع "الجنيد" تتضمن قيام الأخيرة بـ"التعامل مع السلطات المحلية والبوليس وأيضا العمل مع وحدات عسكرية متخصصة لإزالة الألغام من مناطق التنقيب". وهو ما شكل غطاء لإرسال وحدات من "قوات الدعم السريع"، مرات عدة، للتعامل مع احتجاجات السكان المحليين ضد الآثار البيئية والاقتصادية لعمليات التنقيب في مناطقهم.

أبعد من السودان

بعد إسقاط البشير، استخدم حميدتي نفوذه المتزايد في إقليم دارفور لتقوية تحالفه الاقتصادي والسياسي مع مجموعة "فاغنر"، والتي كانت تهدف لتعزيز الوجود الروسي في منطقة الساحل والسيطرة عليها. شملت العمليات المشتركة للمجموعتين (كوش والجنيد) النيجر ومالي وتشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا، فضلا عن السودان. وفي أبريل/نيسان 2019، أي بعد أيام من إسقاط البشير، زار الرجل الثاني في "قوات الدعم السريع"، عبدالرحيم حمدان دقلو يرافقه أمين عام وزارة الدفاع جمال عمر، موسكو، حيث التقى نائب وزير الدفاع الروسي ألكسندر فومين بهدف طمأنته إلى التزام المكون العسكري بشقيه، بالاتفاقات السابقة مع روسيا. ومذاك عملت موسكو بصبر على استعادة نفوذها في السودان وتقوية المكون العسكري وتغذية ميوله الانقلابية للاستيلاء على السلطة والإطاحة بالمدنيين، وهو ما تم في انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021.

علاوة على ذلك، عملت روسيا على تضليل الرأي العام السوداني بهدف دعم المكون العسكري. وكشفت "فيسبوك"، قبل أيام من "انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول"، أنها أغلقت شبكتين من الصفحات المزيفة التي تستهدف السودان (حوالي 1100 صفحة تضم أكثر من 2.8 مليون متابع) تعمل على تضليل الرأي العام السوداني ودعم العسكريين وتشويه صورة المدنيين والدعوة إلى استيلاء الجيش على السلطة. وعُلم أن هذه الشبكات مرتبطة بروسيا، ولا سيما بـ"وكالة أبحاث الإنترنت الروسية"(IRA)

كذلك، بذلت "فاغنر" جهودا كبيرة لتحسين صورة روسيا لدى السودانيين؛ ففي منتصف أبريل/نيسان 2021، نظمت المجموعة حملات لتوزيع مواد غذائية على الأسر المحتاجة في ضواحي العاصمة، بالتوازي مع توزيع العلم الروسي وقد طبعت عليه عبارات "من روسيا مع الحب"، و"هدية من يفغيني بريغوجين". كما نشرت صور هذه الحملة على نطاق واسع وعلى نحو ممنهج في منصات التواصل الاجتماعي.

في مارس/آذار 2022، امتنع السودان، مع عدد من الدول الأفريقية، عن التصويت لصالح قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة والذي يدين الغزو الروسي لأوكرانيا ويطالب القوات الروسية بالانسحاب منها

ولم يكن مستغربا، بعد نجاح الانقلاب في أكتوبر/تشرين الأول 2021، أن يكون الظهور الإعلامي الأول لقائده عبدالفتاح البرهان على شبكة "سبوتنيك" الروسية. وهي المقابلة التي أكد فيها الأخير التزامه المضي قدما في اتفاق إنشاء القاعدة البحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، بعد أن كانت حكومة رئيس الوزراء المدني عبدالله حمدوك جمدته.

لاحقا، وفي 23 فبراير/شباط 2022، أي قبل يوم واحد من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، زار نائب قائد الانقلاب حميدتي موسكو، حيث أعلن دعمه لتدخل روسيا في أوكرانيا، وصرح بأنه "يجب على العالم كله أن يدرك أن روسيا لها الحق في الدفاع عن شعبها". وفور عودته من زيارته تلك التي استمرت ثمانية أيام، أعلن حميدتي تأييده خطط إنشاء القاعدة البحرية الروسية على الساحل السوداني للبحر الأحمر.

وهو ما بدا أنه تنافس بين البرهان وحميدتي على خطب ود موسكو، خصوصا بعد امتناع البرهان عن المجاهرة بهذا التأييد في سياق سعيه للتقارب مع الغرب واستعادة الدعم الدولي لحكمه، الأمر الذي سمح لحميدتي بتوطيد علاقته مع روسيا، من خلال دعمه إنشاء تلك القاعدة البحرية الروسية.

قاعدة استراتيجية

الجدير ذكره أن القاعدة المذكورة آنفا وتلك التي أنشأتها موسكو في ميناء طرطوس بسوريا، هما القاعدتان البحريتان الروسيتان الوحيدتان خارج الحدود الإقليمية الروسية. علما أن قرب القاعدة تلك من كل من مضيق باب المندب وقناة السويس يمنح روسيا ميزة حاسمة فيما يخص مراقبة صادرات النفط العالمية، وإمكانية اعتراضها إذا اندلع نزاع دولي واسع النطاق. ناهيك بأن هذه القاعدة تؤسس لوجود روسيا في البحر الأحمر، وتعزز وجودها في شرق البحر المتوسط.

وكان الرئيس الروسي قد أصدر تعليماته ببدء بناء هذه القاعدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، على أن تستوعب أربع سفن حربية تعمل بالطاقة النووية بالإضافة إلى طاقم أرضي للمهمات اللوجستية. لكن حكومة عبد الله حمدوك الانتقالية جمدت الاتفاق لإنشاء القاعدة في أبريل/نيسان 2021، وذلك في إطار سعيها لتحسين علاقاتها مع الغرب. بعد ذلك تم إحياء المحادثات بشأن القاعدة عقب "انقلاب 25 أكتوبر"، فكان ذلك إحدى دلالات الدعم الروسي لذلك الانقلاب. علاوة على ذلك، وفي مارس/آذار 2022، امتنع السودان، مع عدد من الدول الأفريقية، عن التصويت لصالح قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة والذي يدين الغزو الروسي لأوكرانيا ويطالب القوات الروسية بالانسحاب منها.

إسلاميون محبون لروسيا

والحال هذه، واصل المكون العسكري توطيد علاقاته مع روسيا بعد الانقلاب؛ ففي 3 أغسطس/آب 2022، زار وكيل وزارة الخارجية دفع الله الحاج علي  روسيا لحضور الجلسة العاشرة للجنة التشاور السياسي بين وزارتي خارجية جمهورية السودان وروسيا الاتحادية، والتي كانت قد شُكلت في عهد البشير. ثم زار وفد رسمي سوداني موسكو يوم 15 أغسطس/آب لإحياء اللجنة الحكومية الروسية- السودانية التي شُكلت أيضا في عهد البشير. وخلُصت تلك الاجتماعات المشتركة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين في قطاعات عدة، من بينها التعدين والتنقيب عن النفط والطاقة. وبدا واضحا أن الحكومة الانقلابية قررت التوجه نحو موسكو لتعويض الخسائر الاقتصادية التي بلغت 4.4 مليار دولار جراء توقف المساعدات الخارجية منذ انقلاب البرهان وحميدتي على الحكومة المدنية. وتزامن هذا الاتجاه للتقارب مع موسكو، مع العودة التراكمية للكادر الإسلامي إلى الخدمة المدنية، وخصوصا في وزارة الخارجية؛ فمنذ يناير/كانون الثاني 2022، أعيد تعيين 102 من الكوادر الإسلامية في السلك الدبلوماسي. وكان هؤلاء الدبلوماسيون قد دُربوا على تأييد روسيا والصين ضد الغرب.

كذلك، وخلال المفاوضات لتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة إلى السودان، في وقت مبكر من العام المنصرم، دعمت روسيا والصين موقف حكومة الانقلاب، بأن يكون هناك تمديد تقني لولاية البعثة من دون أي تغيير جوهري في مضمون تفويضها. وكان الاقتراح الأولي لتجديد تفويض البعثة، بعد "انقلاب 25 أكتوبر"، أدان الانقلاب العسكري والعنف الذي تمارسه قوات الأمن ضد المتظاهرين السلميين، كما أشار إلى تجدد أعمال العنف في دارفور، ودعا لعملية سياسية تنهي الأزمة التي تسبب فيها الانقلاب.

وبالفعل، أدى الدعم الروسي للحكم العسكري، مرة جديدة، إلى تعطيل القرار في نسخته الأولى، مما أسفر، في يونيو/حزيران 2022، عن صدور قرار مجلس الأمن رقم 2636 لسنة 2022، والذي خلا من أي تغيير جوهري في تفويض البعثة على نحو يُمكنها من أن تكون أكثر فعالية في الاستجابة للمتغيرات على أرض الواقع في السودان.

Sebastien Thibault

علاوة على ذلك، تبنى مجلس الأمن، في 15 فبراير/شباط من العام نفسه، وبالإجماع، القرار 2620، والذي يمدد ولاية فريق الخبراء المعاون للجنة عقوبات السودان المنشأة بنص القرار 1591 لعام 2005، حتى 12 مارس/آذار 2023. وكان القرار 1591 (2005)، قد جاء تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح للأمم المتحدة استخدام كل التدابير، غير المسلحة (المادة 41) والمسلحة (المادة 42)، لتنفيذ قراراتها. وفُرضت عقوبات ذات صلة بنزاع دارفور على الجهات الفاعلة فيه، شملت حظر الأسلحة وحظر السفر وتجميد الأصول، بالإضافة إلى تشكيل لجنة من الخبراء تقدم تقاريرها بانتظام إلى مجلس الأمن، وتقرر تحديد الأفراد والجهات التي تُنفذ العقوبات بحقها. وتضم هذه القائمة حتى الآن ضباطا في الجيش مثل اللواء جعفر محمد الحسن، القائد السابق للقوات المسلحة السودانية للمنطقة العسكرية الغربية، (وهو المنصب الذي تولاه لاحقا القائد العام للجيش حاليا عبدالفتاح البرهان)، وزعيم الجنجويد الشيخ موسى هلال.

كما تُدعم لجنة مجلس الأمن تلك من قبل فريق من الخبراء لمواصلة فرض الإجراءات ضد الأفراد والكيانات المعرقلة للسلام والاستقرار في إقليم دارفور.

تقود روسيا حملة شرسة داخل أروقة مجلس الأمن لتخفيف العقوبات المنصوص عليها في القرار 2620، وقصرها على حظر الأسلحة. كما منعت جميع المحاولات لتضمين هذا القرار أي إشارة إلى الحاجة لاستعادة الحكومة المدنية

لكن روسيا أصرت، خلال المداولات لتجديد ولاية لجنة الخبراء هذه في فبراير/شباط 2022، على أن يتبنى مجلس الأمن معايير زمنية لرفع هذه العقوبات. كما رفضت موسكو أي إشارة، في متن قرار التجديد، إلى انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، أو إلى البعثة السياسية الأممية إلى السودان. وبالفعل، نجحت روسيا مرة أخرى في تحقيق أهدافها، والتي ترجمت في القرار 2620 لسنة 2022، بتمديد ولاية اللجنة لمدة عام واحد، من دون ذكر الانقلاب أو البعثة، وتحديد موعد 31 أغسطس/آب 2022 موعدا نهائيا لتحديد معايير العقوبات.

حماية بأي ثمن

مذاك، تقود روسيا حملة شرسة داخل أروقة مجلس الأمن لتخفيف العقوبات المنصوص عليها في القرار 2620، وقصرها على حظر الأسلحة. كما منعت جميع المحاولات لتضمين هذا القرار أي إشارة إلى الحاجة لاستعادة الحكومة المدنية.

ويبدو هذا الاتجاه غريبا جدا في ضوء موجة العنف المتزايدة في دارفور منذ انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021. لكنه يكشف نوايا روسيا لحماية حلفائها العسكريين والحفاظ على حكمهم بأي ثمن، خصوصا "قوات الدعم السريع"، والتي ارتكبت تجاوزات وجرائم وانتهاكات خلال الحرب الحالية في مناطق مختلفة من دارفور ولا سيما في ولاية غرب دارفور، وهو الأمر الذي دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى إطلاق تحقيق دولي جديد بشأنها.

السفارة الروسية في الخرطوم- والتي تقع في قلب حي العمارات القريب من مطار الخرطوم الدولي، الذي يُعد أحد مواقع القتال الرئيسة- لا تزال السفارة الوحيدة التي تواصل عملها في العاصمة السودانية

كان هذا التقارب المشترك بين روسيا والسودان قد تُوج، قبل الحرب الحالية، بزيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى الخرطوم في فبراير/شباط 2023. وكانت الخرطوم محطة في جولة أفريقية للافروف، شملت أيضا مالي وموريتانيا مطلع العام الجاري. حاول لافروف، خلال الزيارة، الحفاظ على تحالف الانقلاب بين حميدتي والبرهان، والذي كان قد بدأ في التزعزع قبل أن ينفجر في الاشتباك بين "قوات الدعم السريع" وقوات الجيش مطلع العام الجاري. عمليا، بدأ التوتر بين الجانبين يؤثر على وجود روسيا ومصالحها في المنطقة، وهي التي كانت قد اعتمدت فيها على التحالف بين "فاغنر" و"الدعم السريع". ودافع لافروف صراحة، في الخرطوم، عن أنشطة "فاغنر" ووجودها في أفريقيا، مشيدا بدورها في "المساعدة على استقرار الوضع في المنطقة" في مواجهة ما سماه "التهديد الإرهابي".

كما أشار الوزير الروسي أيضا إلى أن قوات "فاغنر" تنتشر بناء على طلب الحكومات ذات السيادة، وهذا ليس لتبرير وجودها في جمهورية أفريقيا الوسطى وحسب، بل أيضا لدعم مطالبة حميدتي بأن تكون قواته رسمية. ولم ينسَ لافروف أيضا، أن يعرب عن تقدير موسكو للظروف المريحة التي أتيحت لشركات التعدين الروسية العاملة في السودان. كما أكد لافروف سريان اتفاق إنشاء القاعدة البحرية العسكرية الروسية على ساحل البحر الأحمر السوداني.

لكن أسابيع قليلة فصلت بين زيارة لافروف واندلاع الحرب في السودان بين الحليفين الانقلابيين، معلنة فشل الاستراتيجية الروسية في السودان. بيد أن النفوذ الروسي على الطرفين لا يزال فاعلا؛ فالسفارة الروسية في الخرطوم- والتي تقع في قلب حي العمارات القريب من مطار الخرطوم الدولي، الذي يُعد أحد مواقع القتال الرئيسة- لا تزال السفارة الوحيدة التي تواصل عملها في العاصمة السودانية. وبينما عقّد تمرد "فاغنر" الأخير حسابات روسيا بشأن استراتيجيتها الأفريقية، والتي اعتمدت إلى حد كبير على صناعة حزام من عدم الاستقرار ودعم فاعلين عسكريين وشبه عسكريين في مواجهة مطالب التحول المدني الديمقراطي، تُبقي روسيا خطوطها مفتوحة مع كل الأطراف المتحاربة في السودان.

font change

مقالات ذات صلة