مثقفون وكتاب غربيّون: غزّة عنوان نكبة جديدة

الانتقام لا يجب أن يصبح سياسة وطنية

AFP
AFP
صبي صغير يقف وسط أنقاض مبنى في أعقاب غارة إسرائيلية على مدينة غزة في 26 أكتوبر 2023.

مثقفون وكتاب غربيّون: غزّة عنوان نكبة جديدة

على الرغم من صمت بعض المثقفين في أوروبا والغرب إزاء الحرب الطاحنة التي تشنّها إسرائيل ضدّ المدنيين في غزة والضفة الغربية، ردّا على عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، فإن آخرين يرون في ما يجري جريمة كبرى لا يمكن السكوت حيالها، لا سيما مع الارتفاع المفزع في عدد الضحايا، وجلهم من النساء والأطفال وكبار السن. "المجلة" استطلعت آراء عدد من هؤلاء.

تقول الشاعرة والكاتبة الصحفية الهولندية كريستين أوتن: "شاركت في تظاهرة كبرى الأسبوع الماضي في أمستردام، حيث عبّر الآلاف بكرامة وقوة عن موقفهم". أمستردام شأنها شأن عواصم أوروبية أخرى، وفي حين لا تؤيّد ما فعلته "حماس"، فقد صدمت بطبيعة الردّ الإسرائيلي الذي غلبت عليه الرغبة الجامحة في الانتقام والقتل العشوائي، تحت ذريعة "القضاء على حماس".

يحتج على هذه الأوضاع المسلمون والمسيحيون واليهود وغير المتدينين. أعتقد أنها شرارة نور في هذه الأوقات المظلمة. قلبي يتألم مما يحدث في غزة

كريستين أوتن

الشباب... نظرة أخرى

تنظر أوتن بإعجاب إلى عشرات الآلاف من جيل الشباب الذي لم يعش بالضرورة ذاكرة القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولا يحمل تصوّرات أيديولوجية حول المسألة، لكنه ينظر بتشكيك كبير إلى الدعم الرسمي الغير مشروط للحكومة الإسرائيلية، وصدم بالعدد الهائل من الأطفال الذين يقتلون يوميا: "معظم المتظاهرين من الشباب. وليس من بينهم من تنطبق عليه تهمة معاداة السامية، لكنه يتضامن ببساطة مع الشعب الفلسطيني. كان المشهد مؤثرا جدا لأن هؤلاء الشباب أكثر وعيا بكثير من ساستنا، وأيضا من السياسيين المنتمين إلى الأحزاب اليسارية، الذين غيروا وجهات نظرهم بعد أسبوع، وباتت لديهم حساسية أكبر تجاه الفلسطينيين. لذلك أشعر أن هناك بعض التغيير. الشباب يمنحونني الأمل".

كريستين أوتن

تضيف: "هنا في هولندا أصبح لدينا وعي حول هذه الحرب ووضع الفلسطينيين أكبر مما كان عليه من قبل. هناك تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في جميع أنحاء البلاد ولا يعرف السياسيون كيف يردون علينا، لكننا نأمل بأن تدفع حكومتنا إلى النظر إلى الانتهاكات ضدّ حقوق الإنسان التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني. يحتج على هذه الأوضاع المسلمون والمسيحيون واليهود وغير المتدينين. أعتقد أنها شرارة نور في هذه الأوقات المظلمة. قلبي يتألم مما يحدث في غزة".

 الدمار الهائل الذي لحق بغزة في أعقاب ذلك، يعدّ كارثة إنسانية فظيعة، وعلى الرغم من ذلك لن يتم اعتبار ما يحدث جريمة حرب


نايف يحيى

نايف يحيى

يأس داخلي

يقول الكاتب والصحفي المكسيكي من أصول عربية، نايف يحيى، والمقيم في الولايات الأميركية المتحدة: "كان والدي مهاجرا درزيا سوريا في المكسيك، أما والدتي المولودة في المكسيك فهي ابنة مهاجر درزي لبناني. كان والدي اشتراكيا عروبيا، وأتابع منذ طفولتي حروب الشرق الأوسط. كل صراع في المنطقة هو بمثابة حدث مدمر لحياة أسرتنا في بلد كان في معظمه غافلا عن صراعات الشرق الأوسط. لذلك أكتب عن المسألة الفلسطينية منذ تسعينات القرن الماضي، لأعرّف القرّاء الناطقين بالإسبانية بها".

 

يضيف يحيى: "يستمر اليأس داخلي في النمو، لأن ظروف الشعب الفلسطيني أصبحت لا تطاق. وفي كل مرة يجرّبون فيها شكلا من أشكال المقاومة السلمية يقمعون ويتهمون بالإرهاب. لقد خلق اليأس المطلق أسوأ الظروف الممكنة، وأصبحت الدعاية الإسرائيلية مهيمنة على الخطاب العام لدرجة أنه من المستحيل إجراء نقاش نزيه. أعيش في الولايات الأميركية المتحدة منذ 30 عاما، وأرى مدى تحيّز وسائل الإعلام هنا، بل إنها أسوأ مما كانت عليه في المكسيك. وصارت وصمة معاداة السامية تشكل تهديدا لكل من يحاول مناقشة القضية الفلسطينية. كان الهجوم المرعب الذي شنته حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول غير متوقع، لذلك جاء بنتائج عكسية. لكنّ هذه الفظائع ولدت من رحم اليأس. والدمار الهائل الذي لحق بغزة في أعقاب ذلك، يعدّ كارثة إنسانية فظيعة، وعلى الرغم من ذلك لن يتم اعتبار ما يحدث جريمة حرب. لا ينبغي أبدا السماح للانتقام بأن يكون سياسة وطنية في أي مكان. نحن نشهد إبادة جماعية، وربما نكبة جديدة".

لقد أصبح واضحا بالنسبة إليّ أن العالم يديره أشخاص، إذا تحدّثوا بصراحة، فسيقولون إنهم يفضلون أن يتوقف الفلسطينيون عن الوجود تماما

عمر العقاد

أكثر من سؤال

بدوره، يعتبر الكاتب الكندي من أصول عربية عمر العقاد، أن "التاريخ الذي تشكّله السردية الإنسانية الكبرى، ليس مجرد سؤال واحد، يُطرح مرارا: متى كان الأمر مهما، ومن وقف إلى جانب العدالة؟ ومن وقف إلى جانب السلطة؟".

يضيف: "إن مشاهدة الرعب المستمر في غزة والإبادة الجماعية النشطة للشعب الفلسطيني على يدّ دولة الفصل العنصري التي يدخل احتلالها للأراضي الفلسطينية عامه الخامس والسبعين – تجعلنا ندرك وجه اليقين أن النظام العالمي والليبرالية الجديدة، عندما يكون الأمر مهما، سوف يقفان دائما إلى جانب السلطة".

يقيم العقاد حاليا في الولايات المتحدة الأميركية ويعبّر عن سخطه "لأن أموال الضرائب التي أدفعها تساهم في شراء القنابل التي تمزّق الأطفال الفلسطينيين، وتمحو عائلات بأكملها من السجلّ المدني".

ويضيف العقاد المولود في القاهرة: "أنا ابن العالم العربي، حيث يعلن الجميع دعمهم للقضية الفلسطينية، حتى لو لم يفعلوا شيئا لترجمة تلك التصريحات على أرض الواقع. لقد أصبح واضحا بالنسبة إليّ أن العالم يديره أشخاص، إذا تحدّثوا بصراحة، فسيقولون إنهم يفضلون أن يتوقف الفلسطينيون عن الوجود تماما، فهذا سيجعل الأمور أسهل بكثير بالنسبة إليهم، إذ سيمحو الصداع المركزي المؤلم للاستعمار والمستعمر".

عمر العقاد

 يتنقد العقاد موقف الساسة الغربيين: "من الشائع أن نسمع من يصفون أنفسهم بالتقدميين يصفون المذبحة المستمرة، بلا مبالاة، باعتبارها وضعا معقدا للغاية. وهذه بالطبع وسيلة للتنصل من أي مسؤولية عما يُعَد، من الناحية الأخلاقية، أحد أقل المواقف تعقيدا على وجه الأرض. طوال هذه المسرحية، يذهب الغربيون في كل مكان للقيام بالتمثيل - الاعتراف بحق  السكان الأصليين ولافتات 'حياة السود مهمة' في الأحياء التي لم يُسمح فيها تاريخيا لأي سود بالعيش - يرتجف المنتمون إلى التيار التقدمي السائد وينهارون تماما في مواجهة أي فظائع قد يكون الوقوف في وجهها مكلفا. يقولون بالطبع أقف في وجه الظلم، طالما أن الأمر لا يكلفني شيئا، طالما أنني لا أتعرض للانتقادات، طالما أن الأمر ليس صعبا للغاية".وكما هو الحال مع الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أو الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد السكان الأصليين في أميركا الشمالية، سيأتي يوم، بعد عدة سنوات، سيكون من الآمن للجميع أن يعلنوا أنهم كانوا دائما ضد قتل الشعب الفلسطيني".

يرصد العقاد، في المقابل، تحوّلا في هذه النظرة "فالأجيال الشابة في الغرب هي الأكثر معارضة للاحتلال الإسرائيلي، وفي يوم من الأيام سوف تصبح هذه التركيبة السكانية ساحقة إلى درجة أن الساسة الغربيين ستتغيير تصريحاتهم المبتذلة، وسيقبلون على مضض أن الفلسطينيين قد يكونون في الواقع بشرا، ويستحقون الحقوق الإنسانية الأساسية. والسؤال الوحيد هو، متى يصبح ما هو واضح أخلاقيا قابلا للقول؟ إلى أي مدى يجب أن تتراكم الجثث قبل أن تتغلب العدالة على المصلحة الذاتية؟عندما كنت أصغر سنا، كلما قرأت عن الفظائع التاريخية، أسوأ الأشياء التي فعلها البشر بعضهم ضد بعض، كنت أتساءل كيف يمكن للكثير من الناس أن يظلوا صامتين في مواجهة مثل هذا الرعب الواضح. اليوم، لم أعد أتساءل. أنظر حولي، وأرى".

الحروب لا يمكن أن تكون حلا لأي صراع. لقد شنّ البشر حروبا بعضهم ضد بعض منذ قديم الأزل. وكل ما تغير هو أن لدينا الآن طرقا أكثر كفاءة لارتكاب جرائم القتل الجماعي

أدريانا ليسبوا

في حين يعبّر مثقفون وفنانون عن موقفهم من الجرائم الإسرائيلية في غزة، انطلاقا من معرفتهم الوثيقة، وفي بعض الأحيان، من معايشتهم لتاريخ الصراع، معتبرين حرب غزة، حلقة أخرى من حلقات مأساة بدأت باحتلال شعب أرض شعب آخر، فإن هناك من ينظر إلى المسألة من زاوية محض إنسانية. فترى الروائية والشاعرة البرازيلية أدريانا ليسبوا أن "الحروب لا يمكن أن تكون حلا لأي صراع. لقد شنّ البشر حروبا بعضهم ضد بعض منذ قديم الأزل. وكل ما تغير هو أن لدينا الآن طرقا أكثر كفاءة لارتكاب جرائم القتل الجماعي".

AFP
آثار الدمار الذي خلفته غارة اسرائيلية على مدينة غزة

وتعتبر ليسبوا أن المستفيد الأكبر من هذه الحروب هو شركات صناعة الأسلحة الكبرى: "إن صناعة السلاح تستفيد بشكل كبير من العنف الذي نمارسه بعضنا ضد بعض. ولعل هذه الصناعة هي واحدة من القوى العظمى وراء الحروب الحالية في جميع أنحاء العالم. أنا لا أؤيد أي عنف باسم أي قضية كانت. إن ما تشهده غزة الآن، وبموافقة المجتمع الدولي، هو جريمة فظيعة لا توصف. لا أؤيد تصرفات 'حماس' وأعلم أنها لا تمثل الشعب الفلسطيني، بقدر ما لا يمثل النظام الإسرائيلي وقمعه المتكرّر للفلسطينيين رغبة المجتمع الإسرائيلي. وقف إطلاق النار أمر ملحّ للغاية".

font change

مقالات ذات صلة