حرب غزة في الصحافة الإيرانية

إضعاف القوى والتيارات التقدمية واليسارية الفلسطينية وصعود جماعات إسلامية أدى إلى إضعاف النضال السلمي للفلسطينيين

Reuters
Reuters

حرب غزة في الصحافة الإيرانية

تستمر التغطية الإعلامية الإيرانية للحرب في غزة من خلال سيل من التحليلات والتصريحات الرسمية وغير الرسمية للنشطاء والمسؤولين والكتاب. كما أن وسائل الإعلام المعارضة للنظام في المهجر مستمرة في مواكبة أحداث غزة.

ونشرت صحيفة "شرق" في عددها الصادر يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول، رسالة الكاتب والناشط الحقوقي الإيراني البارز عماد الدين باقي إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، والمقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز، قال فيها: "إذا استمر النهج العالمي على هذا النحو فإن حقوق الإنسان تفقد قيمتها وتتحول إلى مجرد تعاليم جيدة على الورق تعودت عليها آذان منتهكي حقوق الإنسان الذين يعتبرونها طنين بعوض مزعجا لا يردعهم".

يذكر أن عماد الدين باقي حصل على جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان عام 2005 بفضل حملته لإلغاء عقوبة الإعدام في إيران، ونال عام 2009 جائزة "مارتين إينالز" في مجال حقوق الإنسان، كما أنه تم سجنه مرارا بسبب نشاطه.

وطالب باقي في رسالته "بضرورة الاهتمام العالمي بالإبادة الجماعية الجارية في غزة". وتابع: "أشعر كشخص كرس نفسه لسنوات عديدة من أجل الترويج لحقوق الإنسان ودعمها العملي، بالإحباط اليوم أكثر من أي وقت مضى من إمكانية تحسين حالة حقوق الإنسان... لأن ازدواجية معايير الدول حول قضية الإرهاب وحقوق الإنسان واستبدال الظالم بالمظلوم أصبحت منتشرة من قبل الدول... والأسوأ هو سياسة ازدواجية المعايير في الولايات المتحدة وأوروبا حول منع التجمعات السلمية التي تحتج على الإبادة الجماعية الجارية على يد إسرائيل وطرد مراسلين في "الغارديان"، و"بي بي سي"... إن الدولة التي تحتفظ في سجلها بمجازر دير ياسين، وصبرا وشاتيلا، و... منذ ظهورها حتى الآن، تجاهلت واستهزأت بمئات البيانات والقرارات الدولية والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان حول إيقاف بناء المستوطنات وتوسيع رقعة الاحتلال والعنف ضد الفلسطينيين (أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة وحدها 140 قرارا منذ 2015 ضد التدابير الإسرائيلية التي دفعت الفلسطينيين إلى ردود فعل غاضبة اتخذت منها إسرائيل ذريعة للقصف)... لقد حولت إسرائيل غزة إلى سجن كبير واستباحتها أمام مرأى العالم وهجرت مئات الآلاف من الغزيين مما يمكن وصفه بالتطهير العرقي حسب المعايير الدولية... الحكومة الإسرائيلية تهدد شعوب منطقة الشرق الأوسط ولا شيء يردعها ولا تقبل بالسلام، وهي التي تتهم من يرد عليها بتوسيع رقعة الحرب".

لقد حولت إسرائيل غزة إلى سجن كبير واستباحتها أمام مرأى العالم 

وتابع باقي: "لا أستطيع القيام بواجبي بشكل كامل للتواصل واللقاء مع نشطاء المجتمع المدني في الدول الأخرى لإيجاد سبل لمواجهة هذه الإبادة الجماعية بسبب حظر السفر المفروض علي وقيود أخرى، غير أنكم في المؤسسات الدولية لا تواجهون قيودا للقيام بواجبكم".

وكتب محمد رضا يوسفي شيخ رباط، في مقال منشور بصحيفة "شرق"، يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول، بعنوان "الجهود الدبلوماسية الجماعية السبيل لخفض التوتر في فلسطين": "يمكن قراءة الأحداث الجارية في فلسطين من زوايا عديدة، حيث إن هذا الصراع عمره أكثر من سبعة عقود وسياسة إسرائيل خلال كل هذه الفترة تركزت على الإقصاء والتوسع وتجاهل القوانين الدولية مما أدى إلى حروب عديدة وتشريد الملايين والممارسات التمييزية بحق عرب إسرائيل... وتأتي هذه التصرفات غير الإنسانية من قبل إسرائيل بسبب دعم القوى العالمية لها... يوجه بعض الدول أصابع الاتهام إلى إيران (بشأن وقوفها وراء عملية طوفان الأقصى) غير أن قادة النظام اتخذوا موقفا مناسبا وهو نفي أية مشاركة إيرانية في تلك العمليات... وبالتالي لا ينبغي السماح في هذه الظروف الحرجة لأشخاص أو جماعات متشددة بالقيام بأي تصرفات سخيفة ومغامرة، مثل: التعبير عن فرحتهم لمقتل من فقد حياته خلال تلك العمليات، لأن ذلك قد يسبب أزمة لإيران... ولقد شاهدنا حجم الضرر الذي لحق بمصالحنا الوطنية من خلال الهجوم على السفارة السعودية أو السفارة البريطانية... إن مثل هذه التصرفات لن تؤدي إلى إزالة إسرائيل من الوجود بل ستسفر عن فرض عقوبات أكثر قسوة ومشاكل كبيرة للشعب الإيراني... من وجهة نظري فإن الأسلوب الفاعل الوحيد الواجب اتباعه من قبل دول المنطقة هو الدبلوماسية، وذلك نظرا إلى الحرب غير المتكافئة الجارية، والدعم الدولي لإسرائيل... هناك أمل بعدم التصعيد وتطور الأمور إلى حرب مفتوحة إذا تبلور اتفاق جماعي بين إيران ودول الخليج ومنظمة المؤتمر الإسلامي والقوى الكبرى الإقليمية بضرورة استخدام الأدوات المتاحة لها من أجل الضغط على إسرائيل... منها الاستثمارات الواسعة لعدد من الدول العربية في الدول الغربية المتأزمة اقتصاديا، فقد تكون أداة فاعلة... ويبدو أن إيران يمكنها المساهمة في حل الأزمة في فلسطين من خلال تبني هذا النهج".

AFP
اجتماع وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان (يسار) مع رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية في الدوحة.

ونشرت إذاعة "زمانه" المعارضة للنظام الإيراني، يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حوارا مع السکرتیر الأول لحزب كومله (الفرع الكردي للحزب الشيوعي الإيراني) إبراهيم علي زاده، حول القضية الفلسطينية والحرب الدائرة. ورأى علي زاده أن "إضعاف القوى والتيارات التقدمية واليسارية الفلسطينية وصعود جماعات إسلامية أدى إلى إضعاف النضال السلمي للفلسطينيين وتقليص دعم التيارات التقدمية الإسرائيلية لنضال الشعب الفلسطيني... يجب على الفلسطينيين عدم إرسال هذه الرسالة لعدوهم بأنهم ألقوا السلاح جانبا وسيسمحون لإسرائيل بإبادتهم ولكننا في ظروف سياسية خطيرة إقليميا وعالميا، والفلسطينيون في غزة محاصرون، وإسرائيل لديها قدرات عسكرية هائلة، وهي مدعومة من الولايات المتحدة.

ويحتاج الفلسطينيون في ظل الظروف الراهنة إلى تبني أساليب نضالية كانت موجودة قديما من أجل كسب دعم الجماهير الفلسطينية ودول العالم وحثهم على النزول إلى الشوارع والتمكن من التأثير على الضمائر الحية في إسرائيل... كما أن الفلسطينيين اعتمدوا خلال الانتفاضة الأولى التي بدأت في 1987 خطوات تكتيكية تمثلت في التعبئة الجماهيرية التي أجبرت إسرائيل على الجلوس على طاولة المفاوضات".

لا ينبغي السماح في هذه الظروف الحرجة لأشخاص أو جماعات متشددة بالقيام بأي تصرفات سخيفة ومغامرة، مثل: التعبير عن فرحتهم لمقتل من فقد حياته خلال تلك العمليات

وأضاف إبراهيم علي زاده: "إذا لم يتم الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية والقضية الكردية فإن منطقة الشرق الأوسط لن تشهد الاستقرار... إن أي تحول تقدمي في المنطقة يجب أن يمر عبر بوابة الحل الديمقراطي والعادل لهاتين القضيتين... كما أن الكوارث التي حلت بالمناطق الكردية والشعب الكردي خلال الأعوام المئة الماضية لا تقل خطورة ودموية عما جرى ويجري للشعب الفلسطيني... الإبادات الجماعية في تركيا والأنفال، والهجوم الكيماوي في العراق، وغيرهما... إن مصير الشعب الفلسطيني والكردي مشترك وتاريخهما النضالي لمواجهة التمييز القومي بحقهما مليء بالدم.. نرى في فلسطين كما حدث للشعب الكردي أن هناك شعبا حرم من حق تقرير مصيره وتم تشريد الملايين ومحاصرة البقية منهم وقوبلت مقاومتهم العادلة بأقصى مستويات القمع والتنكيل". وتابع: "كان قيام الثورة الإسلامية في 1979 انطلاقة لصعود التيارات الإسلامية في الشرق الأوسط وتراجع القوى التقدمية... لقد وجهت التيارات التي استلهمت سياساتها من الجمهورية الإسلامية أكبر ضربة للقضية الفلسطينية العادلة سياسيا وأخلاقيا ومعنويا... وأدى ذلك إلى تراجع لافت في دعم الرأي العام العالمي للقضية الفلسطينية... أعتقد أن ثورة "المرأة، الحياة، الحرية" قادرة على تحرير الشعب الإيراني من النظام الإسلامي وأيضا على قلب هذه الموازين والسياسة في الشرق الأوسط، والمساهمة في إعادة بناء القوى المعارضة في المنطقة والمطالبة بالحرية والعدالة والمساواة".

AFP
المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي مع أنصاره في طهران في 1 نوفمبر 2023

وأشار تقرير أعده شهرام موصلجي في "إذاعة زمانه" إلى أن النظام الإيراني الذي اعتمد سياسة الإقصاء وانتهاك الحقوق الإنسانية للمواطنين الإيرانيين وخاصة الشعوب غير الفارسية والأقليات المذهبية بأشكال مختلفة خلال أكثر من أربعة عقود، لا يمكنه أن يكون الداعم الحقيقي للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

ونشر موقع "إيران واير" المعارض تقريرا في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بقلم فرامرز داور، بعنوان "هل تنفذ إيران تهديداتها غير المسبوقة ضد إسرائيل؟". وجاء في جزء من التقرير: "لقد أعلن علي خامنئي (المرشد) بعيد اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، في يناير/كانون الثاني 2020، بغارة أميركية قرب مطار بغداد أن إيران سترد بالمثل وتنتقم. وعندما أدركت أن الرأي العام يشكك في قدرتها على تنفيذ تهديداتها أقدمت على إطلاق صواريخ على أجزاء فارغة في قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق".

إضعاف القوى والتيارات التقدمية واليسارية الفلسطينية وصعود جماعات إسلامية أدى إلى إضعاف النضال السلمي للفلسطينيين 

وأضاف: "قام الحرس الثوري الإيراني بعد إطلاق الصواريخ على القاعدة الأميركية باستهداف طائرة الركاب الأوكرانية وعلى متنها 176 شخصا مما أدى إلى سقوطها ومقتل كل ركابها على مقربة من طهران، وأعلنوا أن استهداف الطائرة المدنية كان بالخطأ، ظنا منهم أنها صاروخ أميركي أطلق ردا على صاروخ الحرس الثوري باتجاه قاعدة عين الأسد".

وأضاف التقرير: "وجدت إيران خلال فترة زعامة علي خامنئي دوما طرقا للتخلص من المواجهة العسكرية ومنع وقوعها غير أن التهديد العسكري الحالي والأزمة الراهنة في غزة يمكن وصفها بأنها أخطر تهديد تواجهه إيران خلال العقود الثلاثة الأخيرة... إذا واصلت إسرائيل عملياتها في غزة فذلك يضع إيران في موقف الانتقال من التهديد الكلامي إلى التهديد العملي. وفي مثل هذه الظروف سيكون التكهن برد فعل إسرائيل وحلفائها صعبا للغاية... وإذا استمرت إسرائيل في هجومها وتنصلت إيران من تنفيذ تهديداتها فإنها ستفقد مكانتها كدولة تدعي أنها قوة إقليمية.. إن هجوم حماس على إسرائيل والمواجهات بين الطرفين جعلا إيران عند مفترق طرق، وذلك بسبب التهديدات التي أطلقها مسؤولو النظام الإيراني ضد إسرائيل... إن النظام الإيراني لا بد له أن يختار بين الرد والامتناع عن الرد... لكن الظروف السياسية للسلطة الحاكمة في  إيران لن تعود إلى ما كانت عليه قبل هجوم حماس على إسرائيل".

font change


مقالات ذات صلة