لويس ماتيو دييث يفوز بجائزة ثربانتس 2023

صاحب ثلاثية "مملكة سيلاما"

لويس ماتيو دييث يفوز بجائزة ثربانتس 2023

يوم الثلاثاء الماضي، فاز الكاتب الإسباني لويس ماتيو دييث بجائزة ثربانتس لعام 2023، وهي أعلى وسام أدبي في العالم الناطق بالإسبانية، تسلم في 23 أبريل/نيسان من العام الذي يلي الإعلان عن الفائز، تزامنا مع ذكرى وفاة ميغيل دي ثربانتس، مؤلف رواية دون كيشوت، في حفل يحضره العاهل الإسباني، ويعتبرها البعض بمثابة "نوبل" الآداب الإسبانية.وقد استندت لجنة التحكيم في منحها الجائزة لهذا الكاتب، الذي تجاوز عمره 81 سنة، "لكونه أحد رواة القصص العظماء في اللغة القشتالية، وريث روح ثربانتس، وكاتبا في مواجهة كل الشدائد، ومبدع العوالم والأقاليم الخيالية".في ما يلي، نظرة على عوالم ومسار هذا الكاتب الاستثنائي.

يعدّ لويس ماتيو دييث واحدا من أكثر الرواة الإسبان إنتاجا على الساحة الأدبية الإسبانية، فقد تُرجمت أعماله الأدبية إلى لغات مختلفة. وبالإضافة إلى كتابين شعريين، لديه أعمال روائية وسيرة ذاتية، وهو كاتب مقالات أيضا، نال عددا كبيرا من الجوائز المهمة خلال مساره الأدبي الطويل. وبشكل عام، تتميز أعمال دييث بنثرها الفريد وحكمتها وأسلوبها الأدبي عالي الجودة الذي يتحدّى القارئ باستمرار، ويتجاوز عالم الخيال ليسحر كل من ينغمس في عالمه الإبداعي، دون إنكار مهارة اللغة وإتقانها في إبداعاته، حيث يمزج ببراعة بين العناصر الثقافية والشعبية. كما يتميز أسلوبه الخاص، المتطلّب والأصلي للغاية، بالفكاهة التعبيرية والمحاكاة الساخرة، مما يسمح بتقديم منظور واضح وغامض في آن حول تعقيد الحالة الإنسانية.وكل ذلك يُروى بلغة شفافة، بسيطة ظاهريا، وشعرية أحيانا، ترتبط بالأدب الشفهي التقليدي. وللتقليل من غلوّ السوداوية والمرارة في الكثير من نصوصه، يقحم بمهارة مغامرات وشخصيات مفاجئة ومجنونة، إضافة إلى روح الدعابة الفريدة.

إن فترة ما بعد الحرب التي أرويها تشبهنا جميعا.  إنه زمن الخراب ما بعد الحرب، زمن الانحطاط الأخلاقي، زمن الشعور بالخسارة والإفلاس والهزيمة والتكتّم والعار

لويس ماتيو دييث

تجارب شخصية

يعتمد عالم دييث السردي، من حيث المبدأ، على تجاربه الشخصية التي عاشها خاصة خلال سنوات طفولته في منطقة ليون، وكذلك السياق الذي نشأ فيه: العالم الريفي في فترة ما بعد الحرب الإسبانية، وهو الإطار المعتاد للعديد من أعماله. كتب يوما: "إن فترة ما بعد الحرب التي أرويها تشبهنا جميعا.  إنه زمن الخراب ما بعد الحرب، زمن الانحطاط الأخلاقي، زمن الشعور بالخسارة والإفلاس والهزيمة والتكتّم والعار. فالأشياء التي حدثت تبقى سرية، وكلمة السر هي الصمت". هكذا، يضع الكاتب رواياته في منطقة لا يمكن التعرف عليها، حيث يقدم في كثير من الأحيان عالما خياليا ذا أصداء رمزية جميلة. وفي هذا المزيج الغريب من عوالم الواقع والأحلام، تتحرّك الشخصيات التي يفترض لها أقل المصائر احتمالا، لأن العديد منها كائنات مشوشة، محكومة بالهلاك، تحاول تجنب الخراب دون نجاح. 

إن العوالم الخيالية لهذا الكاتب والأكاديمي "اللاواقعي" -هكذا يحب أن يوصف من طرف النقاد- هي وريثة الثقافة الشفهية التي جلبها إلى أدبه في شكل استعارات ريفية. وقد استمر أدبه في التطور على درب "اللاواقعية" واستغلال ذلك الجانب الحلمي الذي أشار في مناسبات عدة إلى أنه لا يخلو من الفكاهة. يقول في هذا الصدد: "إن قصصي ذات عناصر غامضة، وذات نظرة فكاهية، لأنها أيضا نظرة وضوح"، رغم أنه يعتقد أيضا أن "الحلم أكثر من اللازم ليس جيدا"، خاصة في أيامنا هذه التي "فسد فيها هذا العالم تماما". وهو ما يظهر في أدبه، حيث لا تتعارض لغته الشعرية الغنية مع اهتمامه الدائم بالبعد الأخلاقي للإنسان.

تقاليد سردية

يرتبط لويس ماتيو دييث بتقليد رواية القصص لمنطقة كاستيا وليون، وهو كاتب ذو تجربة طويلة، بل يمكن القول إنه أحد الكتاب العظام الذين أبدعوا أجمل الروايات الشخصية باللغة الإسبانية في العقود الأخيرة. لقد انبهر منذ بداياته بفن رواية القصص: "وُلدت كاتبا، بعتُ حياتي للشيطان في الثانية عشرة من عمري. كنت أعلم أن سحر الحكاية والرواية هما وسيلة لتجربة كلّ شيء لم أستطع أن أعيشه". ومنذ كتابه القصصي الأول "ذكرى الأعشاب"، الذي نُشر عام 1973، أدرك أنه سيهرب لا محالة من المفهوم النخبوي للأدب، فقد كان يشعر دائما أن "الفن والأدب مرتبطان جدا بالحياة". يقول: "بما أنني كاتب وراوي قصص، كنت واضحا جدا منذ البداية بشأن اهتمامي بغرور الشعراء وعدم اهتمامي المطلق بغرور الرواة.أنا لست روائيا يكتب عن نفسه، لقد كنت مهتما فقط باستلهام حكايات الآخرين". ولهذا، يوجد في عمله دوما التزام أخلاقي تجاه تلك الثقافة الريفية التي تشرّبها جيدا منذ الطفولة، وباعتباره من غير المتحمسين كثيرا للرواية الحضرية، فقد كان يميل إلى المحلية أكثر من العالمية.

تعد رواية "ينبوع العمر" (1986) أكثر أعمال دييث شهرة، فقد فازت بجائزة النقاد المرموقة وجائزة الأدب الوطني لأفضل رواية في عام واحد، وبسرعة صارت ظاهرة أدبية منذ نشرها، وطبعت مرات عدة حتى الآن. لم يكن دييث حينها كاتبا مجهولا، لكن روايته هذه والجوائز التي حصلت عليها كانت بمثابة تكريس نهائي لتجربته. فقد شكل هذا العمل علامة فارقة في السرد الإسباني في ذلك الوقت. ذلك أنه طرح وجهة نظر غريبة الأطوار، أي بعيدة كل البعد عن مركزية مدريد أو برشلونة المتكرّرة في الأدب الإسباني. كانت رواية "إقليمية" وليست حضرية، وهو أمر فاجأ المشهد الأدبي في مدريد واعتبر بمثابة رِدّة تقريبا. ومع ذلك، فإن الرواية السابقة عليها كانت إرهاصا ذا دلالة، إذ صدرت بعنوان "المحطات الإقليمية"، وهذا الإصرار على الخوض في عالم المقاطعة التي ينتمي إليها الكاتب (كاستيا وليون) سيقوده بعد سنوات قليلة إلى كتابة أجمل رواياته وأكثرها طموحا، وهي ثلاثية "مملكة سيلاما"، التي تدور أحداثها في منطقة أسطورية متخيلة.

لا شك أن "مملكة سيلاما" عند لويس ماتيو دييث هي بمثابة "يوكناباتوفا" عند ويليام فوكنر، أو "ماكوندو" عند غابرييل غارسيا ماركيز

مملكة سيلاما

لا شك أن "مملكة سيلاما" عند لويس ماتيو دييث هي بمثابة "يوكناباتوفا" عند ويليام فوكنر، أو "ماكوندو" عند غابرييل غارسيا ماركيز. إنها منطقة لا وجود لها في الواقع، وقد تسمى أحيانا " بارامو"، "السهل" أو "الإقليم"، وهي كلها أسماء غير واضحة لمملكة متخيلة. وباختصار، تتشكل ملامح هذه المملكة عبر ثلاث روايات هي: "روح بارامو: قصة " (1996)، "خراب السماء: نعي" (1999)، و"التعتيم: لقاء" (2002) . حين انتهى دييث من كتابة الجزء الأول، أدرك مدى اتساع فكرته عن هذه الأرض البكر وتشعّبها، ورأى الحاجة إلى ضمان الاستمرارية لهذا العالم الخيالي الجديد. لقد كان ذلك "اكتشافا"، على حد تعبيره، وصل إليه بعد رحلة طويلة "من التطهير عبر الكتابة".

أما الرواية الثانية، وهي الرواية االأشهر ضمن الثلاثية، فهي بلا شك تحفة في تاريخ الأدب الإسباني. فالحبكة والبنية واستثمار الموارد التقنية وكمال اللغة تجعلها فريدة من نوعها.  وقد حصل بفضلها مرة أخرى على جائزة الرواية الوطنية وجائزة النقاد معا، وهو أمر نادر الحدوث في حياة أي كاتب إسباني. وفي العام التالي لنشرها، أي عام 2000، انتخب عضوا في الأكاديمية الملكية الإسبانية، وهي علامة على التقدير الكبير. كما تشهد على ذلك الطبعات العديدة للثلاثية، بالإضافة إلى النسخة المسرحية المستوحاة من أحداثها، بالتعاون مع فرناندو أوردياليس (2008)، وعرضها من قبل مجموعة "تياترو كورساريو"، بالإضافة إلى طبعة نقدية ظهرت عام 2015. تشير اللوحة الثلاثية لسيلاما تشير في مجملها إلى معضلة وجود الإنسان: نكتشف طفولة البطل في العمل الأول، وأيضا حياة الراوي البالغ. ثم المؤلف المفترض في الرواية الثانية، لنصل أخيرا إلى عرض شيخوخة الشخصية في الرواية الأخيرة، دون أن ننسى، في الوقت نفسه، أنها حكاية من حكايات نهاية القرن العشرين، تسلّط الضوء على مرحلة أفول الثقافات الريفية.

 EPA
الكاتب الإسباني لويس ماتيو دييث

ولد لويس ماتيو دييث في 21 سبتمبر/ أيلول 1942 في فيلابلينو، حيث كان والده مسؤولا بالبلدية، وانتقل مع عائلته إلى ليون في عام 1954. شكّل الاتصال بالتراث الغني للمناطق الريفية العامل الحاسم في ميله المبكر نحو الخيال، سواء كان شفهيا أو مكتوبا. درس القانون في أوفييدو ومدريد في عام 1969، والتحق بهيئة فنيي الإدارة العامة في مجلس مدينة مدريد، وتوزعت حياته بالتناوب بين الخدمة المدنية والإبداع الأدبي "في توازن مثالي" حتى تقاعده.  تعاون بين عامي 1963 و1968 مع المجلة الشعرية " كلارابويا"، وفي ذلك الوقت ظهرت قصائده الأولى والتي جُمعت عام 1972. ومع ذلك، فإن إبداعه الشعري لم يستمر طويلا وأفسح المجال بشكل نهائي للخيال السردي، حيث  صدر كتابه الأول من القصص القصيرة" ذكرى الأعشاب" في عام 1973، وروايته الأولى  "الفصول الإقليمية" بعد حوالي 10 سنوات، في عام 1982. وتبع ذلك العديد من الروايات والأعمال الأخرى، تجاوز مجموعها 40 إصدارا.

font change

مقالات ذات صلة