جورج بازيليتز والإقامة في إيقاع الطبيعة

معرض جديد لأعماله في لندن

جورج بازيليتز والإقامة في إيقاع الطبيعة

لم أحبه رساما له العديد من الرسوم المنتشرة بين المتاحف العالمية. الألماني الذي يضعه البعض في مستوى زميليه الألمانيين أنسلم كيفر وغيرهارد ريشتر. الثلاثة يعتبرهم الكثير من نقاد الفن في العالم من أهم ذخائر الحداثة الفنية في العالم اليوم. لم تعجبني اللوحة التي كان يصر على عرضها مقلوبة. وقد عُرف جورج بازيليتز (1938 سكسونيا) بذلك الأسلوب في العرض. لكنني أعجبت بمنحوتة له كنتُ رأيتها في قاعة "وايت كيوب" بلندن قبل سنوات. لا تُذكّر تلك المنحوتة برسومه. بازيليتز نحاتا هو غيره رساما إذا. فهو تشخيصي في رسومه أما في النحت فيميل إلى التجريد مع إبقاء شيء من التشخيصية في بعض منحوتاته.

هذا ما كان بارزا في المعرض الذي تقيمه حاليا قاعة "سربنتين" بلندن للنماذج الخشبية لأعماله النحتية التي صُبّت في ما بعد بالبرونز وقد عُرض أحد تلك الأعمال البرونزية في الحديقة، خارج القاعة. كان ذلك العرض فرصة عظيمة للتعرف اليه نحاتا كما أحب. لكنها كانت أيضا فرصة لإعادة تعرفي اليه رساما. ذلك لأن المعرض احتوى على تخطيطات أوّلية للمنحوتات، كما تخيلها وكما رغب في أن ينفذها في مراحل مختلفة من تخيله لها ومن قيامه بتنفيذها.

بازيليتز نحاتا أصعب من كونه رساما. ذلك لأنه، وهو يتأمل منحوتاته، يضطر إلى التفكير في مصير الإنسان وهو يواجه حلقات متلاحقة ومتداخلة من سيرة وجوده وسط الطبيعة. الإنسان، ماضيه ومستقبله، من غير المرور بحاضره، هو الموضوع المفضل لهذا الفنان الذي يصر على استعراض قدرته على تنفيذ أعماله الضخمة بيديه من غير الاستعانة بالآخرين إلا في عمليات صب البرونز.

الإنسان، ماضيه ومستقبله، من غير المرور بحاضره، هو الموضوع المفضل لهذا الفنان الذي يصر على استعراض قدرته على تنفيذ أعماله الضخمة بيديه من غير الاستعانة بالآخرين

العصيان الصلب

عام 1979 تحول بازيليتز إلى النحت. أما أعماله النحتية المعروضة في هذا المعرض فتغطي مرحلة تمتد من 2011 إلى 2015. يقول منسق المعرض إن تلك الأعمال لم تكن مخصصة للعرض العام. إنها نماذج لأعمال نُفّذت بالبرونز. ما رأيته يستحق العرض. لأن الأعمال نُفّذت بالخشب وهو مادة استعملها النحاتون عبر العصور، ثانيا لأن كل قطعة تضعنا أمام ضربات الفنان المباشرة سواء بالإزميل أو المنشار الكهربائي. يشعر المرء أن الفنان رفع يده لتوه عن العمل الفني معلنا انتهاءه.

كعادته، لا يشفي بازيليتز مسحة نهائية على العمل ليوحي بأنه لم ينته بعد منه، وهو ما دأب على فعل ذلك في رسومه. وهذا ما يستخرج من أعماق العمل حيوية هي انعكاس لطاقة المواد المستعارة من الأشجار. ولم يكن الفنان في موضوعه بعيدا من ذلك الإيحاء. فالمقاربة التي سعى إلى تقديمها تقوم على ثنائية الإنسان ــ الشجرة. علاقة ملتبسة تمزج بين التكامل والتقاطع في وحدة لا تنقلب على التشبيه إلا من أجل أن يثبت أن الطبيعة، وهي مصدر الإلهام البصري الرئيس، تضع الإنسان والشجرة على قدم المساواة. غير أن الرسوم المرافقة تكشف عن مراحل تطور الفكرة داخل المحترف فيما الطبيعة تقع في الخارج. لذلك يمكنني أن أتخيل كيف انتقلت تلك العلاقة من الإلهام اللين إلى العصيان الصلب. فعلى الرغم من أن بازالتيس يعيد عرض أعماله في الطبيعة، غير أنه يحرص على أن يُعلن انشقاقها عنها.

 

ما بعد الصورة

يجرد بازيليتز الشكل البشري من تفاصيله. يكتفي بما يدل عليه. قوامه الشبحي الذي يحوله إلى مادة أولية. طريقة بدائية في إكساب المرئيات البشرية طابع الكائنات القادمة من مكان آخر. مكان لا تحتاج فيه إلى حواسها لكي تمارس حياتها على سبيل المثل. ولأنه يُكتفى في أحيان كثيرة بالرأس، فإن ما يظهر من ذلك الرأس لا يتخذ هيئة تعبيرية، بل يكون جزءا من بنية تجريدية، ذات إيقاع موسيقي يحتفي المشاهد بتأثيراته البصرية من غير أن يلتفت إلى الموضوع.

من حظي برؤية رسوم بازليتس في أوقات سابقة لا بد أن يكون متفهما لتجربته في النحت. فهو يوم كان يرسم صورة شخصية، يلجأ إلى أن ينسينا أنه في صدد رسم صورة شخصية. ما كان يهمه أن تقع رسومه خارج التصنيف الجاهز على الرغم من أن البعض كان يصر على تصنيفه تعبيريا. كانت تلك فكرة مدرسية جاهزة عمل الفنان على دحضها. وكأي فنان حقيقي، اعتبر الموضوع مجرد عتبة للدخول إلى الممارسة الفنية التي من شأنها في ما بعد أن تكون القوة التي تدفع في اتجاه المحطة الأخيرة.

لذلك لا يخدعنا بازيليتز في ما نراه بقدر ما يدلنا إلى الطريق التي ننعم فيها بصريا برؤية عالم، لم يكن في إمكاننا رؤيته في الواقع. فهو عالم مجاور للواقع الذي نعتبره عالمنا. وهو عالم يُزجّ بالإنسان فيه بكل نفائسه في محيطه ليبدو أنه يتخذ هيئة تُذكّر بمادته الخام، جزءا من الطبيعة.

يمكننا أن نفهم شيئا من إشارات الفنان إلى الأصوات الغامضة حين يتحدث عن الإيقاع المتداخل القائم بين حركة الإنسان وسكون الطبيعة

إيقاع الحركة والسكون

في كل ما يفعله جورج بازيليتز، رسما ونحتا، هناك شعور بضيق المعنى، على الرغم من أن هناك ما يمكن تأويله. وفي كل ما يمكن أن نقرأه من نصوص الفنان نفسه لا يمكن أن نخرج بنتائج واضحة خارج القيمة التي تشكلها طريقة نظر الفنان إلى المادة الخام التي يحاول أن يستخرج منها أشكالا هي ليست من بيئتها، بمعنى إضفاء طابع إنساني على جذع شجرة محاط بحلقات خشبية متينة، يشعر المرء أنها قابلة للحركة، مع أنه لا يمكن فصلها عن الجذع.

قد تكون العودة إلى الأشكال البدائية الطوطمية نوعا من تكريس الطابع الما ورائي الذي ميز علاقة الإنسان بقوى الطبيعة السحرية. على أساس ذلك التفسير يمكننا أن نفهم شيئا من إشارات الفنان إلى الأصوات الغامضة حين يتحدث عن الإيقاع المتداخل القائم بين حركة الإنسان وسكون الطبيعة. لا يرغب بازيليتز في استخراج معان من ذلك الإيقاع بقدر ما يسعى إلى أن ينشئ كيانات تستلهم طاقته غير القابلة للنفاد.               

font change

مقالات ذات صلة