تغير في "المزاج" الايراني: غزة ليست قضيتي

بعد الهجوم الإسرائيلي على القطاع

EPA
EPA
إيرانية تسير بالقرب من حملة لجمع التبرعات لغزة، في ساحة فلسطين بطهران في 29 نوفمبر

تغير في "المزاج" الايراني: غزة ليست قضيتي

كشف الهجوم الاسرائيلي على غزة، أن القضية الفلسطينية شبه غائبة عن الوجدان الشعبي الإيراني، وأنها تكاد لا تحظى بأي نوع من التعاطف، لدى الرأي العام المعارض، وينسحب هذا الأمر على جزء غير قليل من الموالين؛ فقد حظيت إسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول بمزيد من التأييد والتعاطف لدى الغالبية العظمى من المعارضين في الداخل والخارج، فأعلن معارضون في الخارج أفرادا ومجموعات، عن تعاطفهم غير المشروط مع إسرائيل، وأطلقوا حملات افتراضية لدعم الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة.

وعلى صعيد الداخل، تكشف صور منشورة على الشبكة العنكبوتية، طلابا إيرانيين يتجنبون الدوس على العلم الإسرائيلي، أثناء دخولهم إلى جامعاتهم، وأخرى لشبان يهتفون ضد فلسطين خلال مباراة في كرة القدم، وإعادة إحياء شعار "لا غزة لا لبنان... روحي فدا لإيران" حقيقة ما وصل إليه المزاج الشعبي الإيراني.

ويرى المعارض الإيراني آراز تبريزي أن "ردود الفعل هذه، لا ترتبط بشكل مباشر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل إن غايتها مناكفة النظام الإسلامي، فالشعب الإيراني لم يعد يرغب في تقديم نفسه كجزء من النظام، ويسعى إلى خلق مسافة بعيدة عنه، على حساب أي حق".

وعلى صعيد السلطة، منذ اللحظات الأولى للعملية، نفت أي تورط في عملية "طوفان الأقصى"، والمستغرب أن طهران لم تشهد مظاهرة دعم واحدة لغزة، رغم مرور أكثر من سبعين يوما على العدوان، علما أن موالين أقاموا احتفالا عفويا بعد ساعات على العملية، كما شهد عدد من المدن المركزية، وقفات خجولة بعد صلاة الجمعة، وبطلب من قادة النظام، لكن ذلك، للمفارقة، لاقى سيلا من الانتقادات والاعتراضات من شخصيات داخل النظام نفسه، دعت إلى الاستجابة لمتطلبات الشعب الإيراني، وعدم إقحام البلاد في شأن خارجي معقد، يؤدي إلى تفاقم أزمتها الاقتصادية وعزلتها الدبلوماسية وربما يستجلب الاعتداء.

العنصرية الإيرانية (الفارسية) تجاه الأقليات، متجذرة وراسخة في بنية النظام والغالبية الساحقة من مؤيديه ومعارضيه على حد سواء

إن عدم تعاطف القسم الأكبر من الشعب الإيراني مع الغزيين والقضية الفلسطينية بشكل عام، ليس وليد الفراغ. ثمة أسباب كثيرة تجمعت لتشكله، منها الوجيه ومنها المتحامل، والدافع إليها في أغلب الأحوال، هو السلطة الدينية الدكتاتورية، التي خطفت إيران منذ أربعة عقود.
من أسبابه الوجيهة، المعايير المزدوجة التي يعتمدها النظام، في قضايا الحريات العامة والشخصية وحقوق الإنسان، في حين تشكل العنصرية الإيرانية (الفارسية) ضد الأقليات وشعوب المنطقة (العربية) أحد أهم أسبابه المتحاملة.

بخصوص الحريات، يشير تبريزي إلى أن "نظامنا يطالب بتحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال، وهم لا يتجاوز عددهم 6 آلاف معتقل، بينما يعتقل؛ بحسب آخر إحصائية، أكثر من 300 ألف إيراني، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، وتتراوح محكومياتهم من سنة إلى مؤبد، إضافة إلى أحكام الإعدام التي تصدر فجأة، وهناك 650 ألف إيراني، يجربون حياة السجن ولو ليوم واحد فقط".
وعن تحرير الأرض يقول: "يدعو إلى تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، لكنه في الوقت نفسه، يحتل أراضي كردستان، ويخطف جزءا من آذربيجان، ويحكم سيستان وبلوشستان بالحديد والنار، ويمحق هوية خوزستان العربية".

EPA
رجال دين إيرانيون أعضاء في "الباسيج" خلال مسيرة تضامنية مع غزة في طهران في 24 نوفمبر

سبب آخر، هو تخصيص ميزانية مالية ضخمة، لحساب حركة "حماس"، تتضمن تصنيع الصواريخ ونقلها وتدريب العناصر، بينما تغرق البلاد في أسوأ أزماتها الاقتصادية.

وتعليقا على هذا، يقول تبريزي: "إن تشكيل ميليشيات موالية له، له هدف واحد، هو نشر عقيدته وبسط نفوذه، أما ضياع ثروات الشعب الإيراني، فليس ذنب الشعوب بل ذنب نظامه. وعليه، يحق للبنانيين والعراقيين والسوريين واليمنيين وغيرهم، أن ينفروا من الإيرانيين، وليس العكس، فبسبب نظامهم استُبيحت أوطانهم ونُهبت ثرواتهم وقُتلوا وشُردوا في بقاع الأرض".
وعلى رأس الأسباب المتحاملة، تأتي العنصرية الإيرانية (الفارسية) تجاه الأقليات، وهي متجذرة وراسخة في بنية النظام والغالبية الساحقة من مؤيديه ومعارضيه على حد سواء، فلا يكاد يوجد إيراني؛ ولو بمستويات متفاوتة، لا يعتد بانتمائه للعرق الآري وبتفوق الحضارة الفارسية تاريخيا، وفي الوقت نفسه، يحلم باستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية الضائعة، التي أسقطتها الفتوحات الإسلامية وأضاعت عقيدتها وثقافتها وقيمها.

إن إسرائيل التي تقتل الشعب الفلسطيني، نسخة عن نظام طهران الذي يقتل السوريين والعراقيين والعرب والكرد والبلوش والبهائيين والدراويش ويقتل شعبه أيضا

وفي هذا السياق، يصف تبريزي ذلك الإيراني (الفارسي) بـ"الانفصام، فهو يعيش حاضرا بائسا، لكنه لا يكف عن التفاخر بماضيه المجيد، ويعوض خسارته بالتعامل بفوقية مع من لا يشبهه، ويرمي عليه مسؤولية إخفاقاته، وإن كان إيرانيا بالهوية، وهو يريد التغيير لكنه غير مستعد للتضحية، فلا يتحرك ضد النظام من تلقاء نفسه، بل يركب على أكتاف حراك الأقليات، كما حصل بعد مقتل الشابة الكردية مهسا أميني". 
ويؤكد تبريزي: "لو أن الإيراني (الفارسي) يرى صورته الحقيقية في المرآة، لوجد فيها انعكاسا لكل شعوب المنطقة، في أحوالها الإنسانية والمادية، لكنه صورة عن نظامه، برغم خلافه معه، عنصري واستعلائي واستغلالي".

EPA
المرشد الإيراني علي خامنئي خلال اجتماع معأفراد من "الباسيج" بطهران في 29 نوفمبر

أبعد من ذلك، يتعامل الإيراني العنصري، سواء كان مؤيدا للنظام أم معارضا له، بشيء من الاحتقار مع محيطه العربي ككل، والفلسطيني بالأخص، ويأخذه الشعور بأن بلاده قطعة من الغرب المتقدم، مزروعة في الشرق المتخلف، رغم أنها دولة عالمثالثية كدول هذه المنطقة، كما يعتبر إسرائيل الدولة المتحضرة الوحيدة في الشرق الأوسط المظلم، وجاءت حرب غزة لإظهار هذا الاحتقار بشكل أوضح، وتبريره وربطه بأسباب الاضطهاد والقمع والأزمات الوجودية والاقتصادية، التي يعاني منها.  
ويلفت تبريزي إلى أن "هذه الشريحة من الناس، قدمت خدمة مجانية للنظام، الذي أحسن استغلال المعطيات، فاستخدمها كنوع من التقية أمام الشعوب العربية والإسلامية، لتبرير تقاعس فيلق القدس، الذي أعده لقتال إسرائيل، عن تلبية نداء وحدة الساحات الذي أطلقته حماس".
هناك رهان مفاده، "ياليت من تصادر عقولهم العنصرية، من أبناء هذا الشعب، ان يرتقي بوعيه الإنساني، ويدرك أن إسرائيل التي تقتل الشعب الفلسطيني، هي نسخة عن نظامه الذي يقتل سوريين وعراقيين وعربا وكردا ومن البلوش والبهائيين والدراويش ويقتله"، حسب اعتقاد معارضين.

font change

مقالات ذات صلة