إيران تضغط على أربيل لطرد "التحالف الدولي" من العراق

تحاول طهران تفتيف البارزاني سياسيا

Majalla
Majalla

إيران تضغط على أربيل لطرد "التحالف الدولي" من العراق

ظهر الزعيم الكردي مسعود البارزاني خلال تشييع رجل الأعمال بيشرو دزيي، قلقا حول مستقبل إقليم كردستان، بعد استيعابه الرسائل الإيرانية التي وصلته عبر الصواريخ التي أطلقها "الحرس الثوري الإيراني" على أربيل، مع استمرار محاولات طهران إضعاف الإقليم وإبعاده عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

إعلان "الحرس الثوري الإيراني" مسؤوليته عن الهجوم الذي نفذ بأحد عشر صاروخا أطلقت من إيران، على منزل رجل الأعمال المقرب من "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، بزعامة البارزاني، هو انتقال مفاجئ بالمواجهة مع البارزاني، الذي قرر قبل سنوات، الحد من النفوذ الإيراني داخل العراق.

الإيرانيون من اللاعبين الرئيسين في السياسة العراقية والسياسة الداخلية لإقليم كردستان، ويدعمون "الاتحاد الوطني الكردستاني"، الخصم القوي لبارزاني، الذي يسيطر على مدينة السليمانية.

انقسام سياسي داخلي

تحاول القوى السياسية الرئيسة أن تُضعف إقليم كردستان الرافض لقرارات الحكومة المركزية، والقذف به إلى المواجهة مع إيران. والدليل هو أن القوى السياسية في "الإطار التنسيقي" التي تتمتع بعلاقات متينة مع طهران، لم تدن القصف الإيراني. كذلك لم يدعُ البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمناقشة انتهاك السيادة العراقية، بينما تقوم وسائل الإعلام القريبة من "الإطار التنسيقي"، بالدفاع عن هجمات "الحرس الثوري" على أربيل وتأييدها، وتبرر ذلك بحماية أمن إيران الداخلي.

Reuters
صورة تلفزيونية للقصف الإيراني على أربيل في 16 يناير

حتى الآن، موقف حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لم يحظ بتأييد سياسي، مما يصعّب تحويله إلى قرارات باتجاه إيران، بالرغم من أن الحكومة أعلنت عبر مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية خالد اليعقوبي، أن العلاقات بين البلدين ستتضرر لأن المسؤولين الأمنيين الإيرانيين يحاولون تغطية فشلهم الأمني من خلال التضليل بشأن منفذي التفجيرات الأخيرة في إيران.

حتى الآن، موقف حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لم يحظ بتأييد سياسي، مما يصعّب تحويله إلى قرارات باتجاه إيران

ودعا خالد اليعقوبي الإيرانيين إلى تقديم معلومات للحكومة العراقية، حول وجود الموساد الإسرائيلي داخل الإقليم، وأن ما نفذ لم يجر بالتنسيق مع حكومة بغداد.

الأسباب الخفية لاستهداف أربيل

كانت العلاقات الإيرانية مع القوى الكردية وثيقة للغاية؛ فقد دعمتهم إيران خلال حقبة معارضة نظام صدام حسين. وتحالفوا مع الأحزاب الشيعية لإدارة النظام الجديد الذي أنشأته أميركا عام 2003. لكن العلاقات سرعان ما توترت بين الأحزاب المذكورة و"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، بزعامة البارزاني؛ إذ أبدت إيران معارضة واضحة لاستقلال كردستان عن العراق، قبل الاستفتاء الذي جرى عام 2017، خوفا من تحول كردستان إلى دولة تحظى بدعم أميركي وإسرائيلي وأوروبي، والتمدد نحو ضم مناطق الأكراد في إيران المتاخمة لكردستان العراق. 
واستغلت إيران إعلان إسرائيل تأييدها لانفصال كردستان، وقادت في تلك الفترة، تحت إشراف قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري"، قاسم سليماني، حملة لكسر شوكة البارزاني، عندما جعلت الحليف الاستراتيجي لها ("حزب الاتحاد الوطني")، ينسحب من كركوك والمناطق المتنازع عليها وتسليمها إلى بغداد، الأمر الذي اعتبره البارزاني خيانة داخلية.
وتنظر إيران، إلى صعود منطقة كردستان العراق، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، بقلق كبير جدا، خصوصا أن البارزاني أدار ظهره لطهران واتجه نحو أميركا والدول الأوروبية، وجعل أربيل مركزا رئيسا للتحالف الدولي الذي تقوده أميركا لمحاربة "داعش"، لتظهر أمام المجتمع الدولي، أنها الحليف الأقوى للغرب داخل العراق، من خلال إنشاء عدد من القواعد الأميركية في أربيل. وواجهت إيران ذلك عبر استهداف تلك القواعد بالطائرات دون طيار والصواريخ، عبر أذرعها.
وتضغط إيران عبر شركائها في العراق لطرد القوات الأميركية والمستشارين في التحالف الدولي الذين يزيد عددهم على 2500 جندي. وصوّت البرلمان العراقي في 2020، على إلغاء طلب المساعدة من قبل التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، بسبب تطور قدرات القوات الأمنية، وأخذ زمام المبادرة في القضاء على العناصر المسلحة، وهو الأمر الذي ترفضه أربيل، باعتبار أن الوجود الأميركي، يضفي بعض التوازن على تدخلات القوى الخارجية.

تضغط إيران عبر شركائها في العراق لطرد القوات الأميركية والمستشارين في "التحالف الدولي" الذين يزيد عددهم على 2500 جندي

ومع التطورات في غزة، وزيادة وتيرة الصراع بين أميركا وإيران، فإن الأخيرة تضغط على حكومة بغداد لإنهاء الوجود الغربي الذي يحتاج إلى موافقة جميع الكتل السياسية. وهذا الاستهداف هو جزء من الضغط على الحزب "الديمقراطي الكردستاني" لتغيير رؤيته إلى هذا الملف. 
كما اتهمت طهران، في عام 2022، أربيل بأنها المحرك الرئيس لنشاط الاحتجاجات الإيرانية بعد مقتل المواطنة الكردية الإيرانية مهسا أميني على أيدي "شرطة الأخلاق" لمخالفتها قواعد الزي الإسلامي الإلزامية في إيران، وذلك لوجود المعارضة الكردية الإيرانية داخل أربيل التي تعمل بشكل وثيق مع أميركا وإسرائيل للإطاحة بالنظام السياسي الإيراني حسب قول المسؤولين الإيرانيين، علما أن معظم الأكراد يرتبطون بعلاقات وثيقة ومصاهرة مع أكراد إيران، ولا ينظرون إلى المعارضة الإيرانية كإرهابيين، مع توفير حكومة الإقليم الحماية لهم. 
وفيما يتعلق بالملف الاقتصادي، ترفض إيران الصعود القوي للنشاط النفطي في كردستان، لأسباب عدة أبرزها أن كردستان غنية بالغاز، ويوجد فيها احتياطي يقدر بنحو 5.6 تريليون قدم مكعب، ويهيمن عليه حزب البارزاني، بعيدا عن "الاتحاد الوطني الكردستاني" القريب من إيران، وهو ما يحد من قدرات إيران الغازية، إذ سيجعل العراق يكتفي من استهلاك الغاز الإيراني الذي يستورده بقيمة تتراوح بين 4-6 مليارات دولار سنويا، وتصدير الزائد منه إلى تركيا، وبسبب ذلك قامت إيران بقصف منزل رئيس شركة "كار" الكردية التي تسيطر على قطاع الطاقة، في عام 2022، عندما اتهمته بأنه قاعدة إسرائيلية يستخدمها "الموساد" لشن هجمات ضد إيران.

Reuters
مظاهرة في أربيل منددة بالقصف الإيراني في 16 يناير

وتحاول إيران أيضا، تفتيت البارزاني سياسيا واستغلال الصراع بين رئيس إقليم كردستان نيجرفان البارزاني ورئيس حكومة الإقليم مسرور البارزاني لأنه واجه النفوذ الإيراني داخل العراق، أكثر من مرة، أبرزها عام 2011، عندما تحالفت القوى السياسية الكبيرة في حينها، وهي كتلة "العراقية" بزعامة إياد علاوي، ومقتدى الصدر، ومسعود البارزاني، وأسامة النجيفي، لإقالة نوري المالكي من رئاسة الوزراء والتي أفشلتها إيران في حينها بعد أن وصلت إلى المراحل النهائية عقب تراجع الرئيس العراقي جلال طالباني. والثانية عندما تحالف البارزاني مع مقتدى الصدر، ومحمد الحلبوسي، وخميس الخنجر، لتشكيل الحكومة بعيدا عن الأحزاب القريبة من إيران عام 2022 والتي قامت طهران بضرب أربيل وتنفيذ عمليات اغتيال بحق عدد من المعارضين لإحباطها.
وكذلك شق الداخل السياسي الكردي، إذ وصل الصراع بين الحزبين الحاكمين لكردستان إلى المواجهة المسلحة، بسبب الخلافات العميقة بينهما.

تصاعد التوترات في الصراع الإيراني- الإسرائيلي والأميركي، سينعكس سلبا على أربيل خلال الفترة المقبلة

ويبدو أن هناك رسائل أخرى لـ"الحرس الثوري"، تتمثل في تخفيف الضغط الأميركي على الحوثيين، وجرهم إلى المواجهة في الساحة العراقية والسورية، خصوصا بعد إنشاء تحالف يضم مجموعة من الدول التي تأثرت بارتفاع كلف الشحن، ويضعف جهدها في محاربة التضخم، بالإضافة إلى إجبار الأكراد للموافقة على طلب القوى السياسية الشيعية، الذي أعلنته حكومة بغداد، بضرورة انسحاب القوات الأميركية من العراق وإغلاق القواعد، وهو ما رفضته أربيل. 
يشار إلى أن تصاعد التوترات في الصراع الإيراني- الإسرائيلي والأميركي، سينعكس سلبا على أربيل، خلال الفترة المقبلة، وقد يزيد من العمليات التي ينفذها "الحرس الثوري الإيراني" بشكل مباشر أو عبر أذرعه داخل العراق، مما سيضطر أربيل إلى تغيير سياساتها تجاه إيران لتجنب مزيد من التصعيد، مثل الموافقة على طرد قوات "التحالف الدولي" من العراق، والتعامل بحذر مع المعارضة الإيرانية، والملفات الاقتصادية التي تضررت منها إيران.

font change

مقالات ذات صلة