في مهب الحرب على غزة... الجنوب اللبناني والتصعيد المرتقب

مخاوف من توسع رقعة المواجهات

AFP
AFP
جنود إسرائيليون في الجليل الأعلى قرب الحدود مع لبنان في 11 فبراير

في مهب الحرب على غزة... الجنوب اللبناني والتصعيد المرتقب

تسارعت مؤشرات التصعيد على الحدود اللبنانية بين "حزب الله" وإسرائيل وسط مخاوف لبنانية وغربية من توسع رقعة المواجهات بعد سلسلة هجمات لمسيرات إسرائيلية نحو العمق اللبناني. هذه الهجمات التي بدأت في الثامن من الشهر الجاري مع محاولة اغتيال مسؤول عسكري في "حزب الله" بمدينة النبطية الواقعة على بعد 40 كيلومترا من الحدود واستتبعت في اليوم التالي بمهاجمة موقع عسكري لوحدة الدفاع الجوي للحزب بين بلدتي أرنون ويحمر، وبعدها باستهداف طائرة درونز لسيارة تقل قياديا في حركة "حماس" في قرية جدرا على مسافة 60 كيلومترا من الحدود.

وتؤكد هذه الهجمات سقوط ما اصطلح خطأ على تسميته لسنوات بقواعد الاشتباك بين "حزب الله" وإسرائيل ـــ وهذه استعارة لمصطلح عسكري يتم اعتماده بين وحدات عسكرية صديقة. وقد استخدم سابقا لتغطية مناوشات عابرة للحدود استفاد منها الطرفان لا سيما في مزارع شبعا المتنازع عليها بين لبنان وسوريا والتي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967.

هذا وكان لافتا استهداف "حزب الله" ثكنة "كيلع" في الجولان السورية المحتلة بقصف صاروخي للمرة الأولى منذ اندلاع المواجهات في غزة.

يتزامن هذا التصعيد مع السلبية التي أبدتها حكومة بنيامين نتنياهو حيال الردود التي سلمتها "حماس" على "مقترح اجتماع باريس" والتي وصفتها كل من قطر ومصر بالإيجابية. لقد بدا أن ردود قطر التي قاربت كل عناصر الأزمة من تبادل الأسرى بين الطرفين، وإنهاء الحصار على غزة، وعودة السكان والنازحين إلى بيوتهم، وتوفير متطلبات الإيواء والإغاثة وإعادة الإعمار، قد أحرجت رئيس الحكومة الإسرائيلية المقيد بمواقف حلفائه من التيار الديني القومي والصهيونية الدينية بزعامة الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. هذه المواقف الرافضة لوقف إطلاق النار والمتمسكة بدور إسرائيلي في ما سمي "اليوم التالي للحرب" ومستقبل السلطة في غزة والحسم على الجبهة الشمالية وعودة المستوطنين من الشمال والجنوب إلى منازلهم، دفعت نتنياهو إلى تكرار مواقفه السابقة بضرورة تدمير "حماس" قبل أي تفاوض، رغم الاستحالات الميدانية التي يدركها.

فما هي الأولويات الإسرائيلية في ظل عدم القدرة على خوض حرب على الجبهتين الشمالية والجنوبية في آنٍ واحد؟ وهل يؤدي التراجع الإسرائيلي عن دخول رفح واستئناف المفاوضات للتوصل إلى اتفاق لوقف النار في غزة إلى إطلاق شرارة الحرب على الجبهة الشمالية؟

شدد المجتمعون في الرياض على أهمية اتخاذ خطوات لا رجعة فيها لتنفيذ حل الدولتين، والاعتراف بدولة فلسطين

أولا: في احتمالات اتخاذ القرار بالهجوم على رفح
ما بين الإصرار الذي يبديه نتنياهو بدخول مدينة رفح وتصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي بأن الجيش قد وضع الخطط اللازمة لإطلاق العملية العسكرية ولكنه لا يزال ينتظر القرار السياسي تظهر لعبة تبادل الأدوار بين المستويين السياسي والعسكري، ما يؤكد إلى حد كبير أن التهديد بدخول المدينة قد يتحول إلى عامل مرجح لدعم الموقف الإسرائيلي في المفاوضات دون أن يعني ذلك التوقف عن قصف المدينة بشكل متقطع. لكن شروط ومستلزمات المضي في المغامرة العسكرية لا تبدو متوفرة لأسباب عديدة:
أ‌-    لا تستطيع القيادة الإسرائيلية تجاوز الغطاء الأميركي، وقد كان الرئيس بايدن أكثر من واضح في انتقاده للحكومة الإسرائيلية، معتبرا أن الرد العسكري الإسرائيلي قد تجاوز الحد. وقد تكرر الموقف المعارض للعملية العسكرية والمحذر من نتائجها الكارثية على الصعيد الإنساني من قبل حلفاء إسرائيل الغربيين قبل سواهم. موقف الإدارة الأميركية أكده وزير الخارجية أنتوني بلينكن في اتصال مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إذ ذكرت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها أن "الجانبين بحثا الجهود الرامية لوضع نهاية للأزمة في غزة تحقق سلاما وأمنا مستداما للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، وتفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مع توفير ضمانات أمنية لإسرائيل".
ب‌-     تأكيد المشاركين في الاجتماع التشاوري بشأن غزة الذي عقد في الثامن من الشهر الحالي في الرياض بحضور وزراء خارجية المملكة العربية السعودية ودولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على ضرورة إنهاء الحرب على قطاع غزة، والتوصل إلى وقف فوري وتام لإطلاق النار، وضمان حماية المدنيين وفقا للقانون الإنساني الدولي، ورفع كافة القيود التي تعرقل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع. كما شدد المجتمعون على أهمية اتخاذ خطوات لا رجعة فيها لتنفيذ حل الدولتين، والاعتراف بدولة فلسطين على خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقا للقرارات الدولية ذات الصلة، مؤكدين أن قطاع غزة هو جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، وعن رفضهم القاطع لكافة عمليات التهجير القسري.
ج‌-    التحذير المصري بتعليق معاهدة السلام المعقودة عام 1979، وقد كررت مصر هذا التحذير خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الأخيرة إلى المنطقة. وقد نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن دبلوماسي غربي كبير في القاهرة قوله إن المسؤولين المصريين حثوا نظراءهم الغربيين على إبلاغ إسرائيل بأنهم يعتبرون أي تحرك لإجبار سكان غزة على العبور إلى سيناء بمثابة انتهاك من شأنه أن يعلق فعليا معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة عام 1979. من جهة أخرى تحدثت مصادر مطلعة أن القاهرة أرسلت نحو 40 دبابة وناقلة جند مدرعة إلى شمال شرقي سيناء في الأسبوعين الماضيين في إطار سلسلة تدابير لتعزيز الأمن على حدودها مع قطاع غزة، كما أقامت حواجز رملية وعززت المراقبة عند مواقع التمركز الحدودية. 

AFP
السيارة التي استهدفتها مسيرة إسرائيلية في بلدة جدرا وسقط مدنيان نتيجة القصف في 10 فبراير

وفي هذا السياق حذر مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل من أن تداعيات أي هجوم إسرائيلي على رفح لن يقتصر على وقوع كارثة إنسانية بحكم التمركز الديموغرافي الكثيف في المدينة التي أضحت ملجأ لأكثر من مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني فحسب، بل سيتعدى ذلك إلى تهديد السلام مع مصر، مشددا على ضرورة استئناف المفاوضات لتحرير الرهائن ووقف الأعمال العدائية. 

الفصل بين ما يجري على الحدود اللبنانية وما ترومه طهران يجانب أبسط حدود المنطق

ثانيا: في احتمالات التصعيد على الجبهة الشمالية
أ – في التقاطعات الإيرانية- الأميركية
لم يأتِ انطلاق المناوشات على الجبهة الشمالية مع لبنان بعد يوم واحد من عملية "طوفان الأقصى" سوى من قبيل التطبيع  بين الحرب الدائرة في غزة والنفوذ الإيراني الذي يمثله "حزب الله"، تحت عنوان مساندة المقاومة في غزة. وبصرف النظر عن الاختلافات حيال قناعة "حزب الله" بضرورة الملاءمة بين تلك المناوشات والمصلحة اللبنانية التي تقتضي عدم توسيع رقعة الحرب، فإن ما يجري على الحدود لم يحدث أي تأثير في ضراوة القتال في غزة، ولم يثن الجيش الإسرائيلي عن مخططاته في الذهاب إلى آخر حدود التدمير والقتل واستباحة كل المحرمات. 
إن الفصل بين ما يجري على الحدود اللبنانية وما ترومه طهران يجانب أبسط حدود المنطق. صحيح أن طهران نأت بنفسها عن أي علاقة بما يجري في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأعلنت معارضتها توسيع الحرب، وكررت الموقف عينه بعد الهجوم على القاعدة الأميركية شمال شرقي الأردن (البرج-22) وألقت على لسان مرشدها ووزير خارجيتها أمير حسين عبد اللهيان أكثر من مرة وبشكل علني، مسؤولية اتخاذ القرار المناسب في مناطق عملها على عاتق "حزب الله" وسائر "فصائل المقاومة". لكن مجريات الميدان تثبت كل يوم من البحر الأحمر إلى لبنان مرورا بالعراق وسوريا أن إيران تسجل حضورا أمنيا في كل الساحات عبر أذرعها، بما يوجه رسالة واضحة للولايات المتحدة بأن طهران هي شريكة في كل التسويات المتعلقة بإسرائيل والمنطقة ودائما وفق الشروط التي تريح واشنطن. ما يمكن قراءته في العلاقة الواضحة بين طهران وواشنطن تؤكده المصادقة الأميركية الدائمة على تبريرات طهران وعدم توجيه أي ضربة عسكرية مباشرة لـ"الحرس الثوري" واقتصار الاستهداف على الأذرع المرتبطة بـ"فيلق القدس".
أما على المقلب الأميركي فلا بد من قراءة المواقف التي ابتدأت بإعلان الدعم الكامل للحرب على غزة والمصادقة على الوحشية الإسرائيلية بكل أشكالها، إلى التحولات في المواقف التي فرضها الميدان بعد الإخفاق الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المعلنة والإمعان في القتل والتدمير. 
أولى التحولات كان في سقوط مسلّمة التفوق العسكري الإسرائيلي واستشعار الحاجة إلى الدول الإقليمية لاستدراك الخطر الوجودي الذي تعيشه إسرائيل. 
وثانيها في السعي الأميركي للوصول إلى تسوية دائمة للصراع ليس فقط مع غزة بل على كامل الجبهات المحيطة بإسرائيل ولا سيما الجبهة الشمالية. هذا ما تؤكده إعادة الحياة لمشروع حل الدولتين من قبل واشنطن ولندن والاتحاد الأوروبي.
وثالثها عدم رغبة الولايات المتحدة في تعريض مصالحها العربية لمزيد من التراجع لا سيما مع المملكة العربية السعودية ومصر.

لم يكن لبنان بعيدا عن التدخلات الدولية الداعية للاستقرار في الجنوب لا سيما مع الانتهاكات الواسعة للقرار 1701 من إسرائيل ومن "حزب الله"

ب – في التدخل الدولي لتجنب الحرب
تزامنت الدعوات الدولية والإقليمية لتجنب توسيع الصراع مع انطلاق عملية "طوفان الأقصى"، وقد مثل الحضور العسكري الأميركي غير المسبوق إلى المنطقة لاسيما في المحيط الهندي والبحر المتوسط تحت عنوان منع التدخل في حرب غزة، مثل رغبة أميركية في العودة إلى المنطقة بشكل مباشر والاستعاضة عن الوكلاء الإقليميين ومنهم طهران، في إدارة وترشيق بؤر التوتر وصراعات الحدود التي رغبت واشنطن دائما في المحافظة عليها لإقامة توازنات قابلة للانفجار تحت تسميات مكافحة الإرهاب أو مواجهة التطرف. هذا ما اعتمدته الولايات المتحدة منذ عام 2003 في العراق ولاحقا في سوريا ولبنان واليمن.

AFP
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مجتمعا بعضو مجلس الحرب الإسرائيلي بيني غانتس في تل أبيب في 8 فبراير

لم يكن لبنان بعيدا عن التدخلات الدولية الداعية للاستقرار في الجنوب لا سيما مع الانتهاكات الواسعة للقرار 1701 الذي تعرض لاختراقات يومية من إسرائيل ومن "حزب الله" بفعل الهيمنة التي يمارسها الحزب على القرار السياسي اللبناني. هذا وقد نشطت حركة الموفدين الدوليين مع اندلاع المناوشات التي تلت "طوفان الأقصى" في محاولة لوقف التصعيد وطرح المقاربات لوقف إطلاق النار تحت سقف القرار الدولي 1701. لكن الموقف الذي أعلنه لبنان الرسمي كان في ربط الأمن والاستقرار على الحدود بوقف إطلاق النار في غزة وتغييب أي رغبة بتطبيق القرار الدولي أو بمنح الجيش أي دور في الدفاع عن الحدود. وبمعنى آخر أعلنت الدولة قرارها بالانضمام إلى الإقليم وبالتالي إلى التسوية التي يتم العمل عليها في غزة والرضوخ للشروط التي يحددها الميدان، ومن ضمنها ما سيؤول إليه الوضع في الجنوب المرتبط بطهران عبر "حزب الله". 
وفي هذا السياق لا بد من العودة إلى زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في الأمس القريب والى ما أضافته من ضبابية وتعقيد في الموقف من خلال إعلان أن أمن لبنان جزء من أمن إيران والتأكيد على أن "المقاومة قامت بدورها الرادع بشجاعة وحكمة، وأن الحرب ليست هي الحل"، مما ألقى المزيد من التساؤلات حول خيارات "حزب الله" خلال الفترة المقبلة. فهل يعني موقف عبد اللهيان الاستمرار في المواجهة رغم التحذيرات الدولية وتجنب خروج الوضع عن السيطرة؟ أم إن  الحزب أضحى عالقا بين عدم القدرة على الخروج من المواجهة بسبب الخسائر الكبيرة والعجز عن تحقيق أية مكتسبات عسكرية مما أملى هذا الموقف الضبابي للوزير الايراني؟ وهل تراهن طهران على الربط بين اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ووقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، بما يفضي إلى استخدام الجنوب اللبناني كمدخل لتسوية مع الولايات المتحدة تحافظ طهران من خلالها على مكاسبها في لبنان؟

النجاح الجزئي في غزة سيرفع من احتمال محاولة تعميم هذا النجاح على الحدود الشمالية

ثالثا: في الفرضيات
قد يكون في محاولة الربط بين الاستقرار في الجنوب ووقف إطلاق النار في غزة الكثير من المغامرة غير المحسوبة وربما الكثير من الرهان على عقلانية غير معهودة أميركية أو إسرائيلية. إن سعي الولايات المتحدة لتحقيق الأمن والاستقرار لإسرائيل لن يستند إلى قوة الردع الإسرائيلي بعد ثبوت العجز الميداني في غزة، بل بالسعي لتحقيق الحد الأقصى من وحدة الإجراءات على الحدود الإسرائيلية كافة، بمعنى آخر تجنب تكرار عملية "طوفان الاقصى" أو العودة إلى الصيغة الهشة لتطبيق القرار 1701 وإلى ما كان سائدا قبل 7 أكتوبر، وهذا ما يرفع من احتمال شن عملية عسكرية مفتوحة الأبعاد والأهداف على الجبهة الشمالية.
من جهة أخرى، فإن نجاح الضغط الدولي في وقف الهجوم الإسرائيلي على رفح أو إخفاقه والذهاب نحو وقف لإطلاق النار لا يحقق الطموحات الإسرائيلية سيجعل من نقل الجهد الميداني إلى الاتجاه اللبناني خيارا  مرجحا بشكل كبير، كما أن النجاح الجزئي في غزة سيرفع من احتمال محاولة تعميم هذا النجاح على الحدود الشمالية. هذا دون أن ننسى أن إسرائيل ستحاول استخدام ورقة إعادة النازحين على حدودها الشمالية والجنوبية كذريعة لعملية عسكرية تلاقي صداها في الداخل الإسرائيلي.

font change

مقالات ذات صلة