إرادة دولية تنقذ اقتصاد مصر من الانهيار

القاهرة قاب قوسين من تنفس الصعداء في انتظار توقيع اتفاق جديد مع صندوق النقد

EPA
EPA
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، أثناء حضورها جلسة القمة العالمية للحكومات بدبي في 12 فبراير

إرادة دولية تنقذ اقتصاد مصر من الانهيار

يتلهف الشارع المصري لإعلان نتيجة اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي الذي دخل مراحله الأخيرة، ومن المتوقع الانتهاء منه "خلال أسابيع قليلة"، وفق تصريحات المديرة العامة لصندوق النقد كريستالينا غورغييفا على هامش القمة العالمية للحكومات في دبي.

يأتي ذلك في وقت برزت وعود من الاتحاد الأوروبي لزيادة الدعم المقدم إلى مصر، وأبلغ الاتحاد وزير الخارجية المصري سامح شكري بقراره تخصيص دعم مالي إضافي إلى البلاد من ضمن المراجعة النصفية للموازنة الأوروبية للفترة 2021-2027، من دون ذكر حجم المخصصات الأوروبية الإضافية.

لكن الاتفاقات مع صندوق النقد تعكر دائماً وأبداً المزاج العام للمصريين، الذين يرددون المثل القائل: "لا يأتي من الغرب ما يسر القلب". هم يبحثون عن أمل في ظل تذبذب سعر "الأخضر" (الدولار) وارتفاعه في السوق الموازية إلى 63 جنيهاً علماً بأن الدولار سجل قبل أيام 73 جنيهاً، ولا يزال سعر الدولار في المصارف يساوي 30.90 جنيها في ظل توقف السوق الموازية عن بيع العملات وشرائها.

للمزيد إقرأ: أردوغان في القاهرة... فجر جديد بين مصر وتركيا؟

إعلان الحكومة "مشروع رأس الحكمة" وهو عبارة عن استثمار أجنبي مباشر، يقدر بنحو 22 مليار دولار، يؤمل أن يحول المنطقة إلى وجهة سياحية عالمية توفر موردا للعملات الأجنبية 

وربما ساهم في تهدئة جنون الدولار قليلا، إعلان الحكومة "مشروع رأس الحكمة" وهو عبارة عن استثمار أجنبي مباشر، يؤمل أن يحول المنطقة إلى وجهة سياحية عالمية توفر موردا للعملات الأجنبية، من خلال تحالف إماراتي يعتزم الاستثمار في تلك المنطقة الواقعة على ساحل البحر المتوسط، ما بين مدينتي العلمين ومرسى مطروح بقيمة تردد أنها تتراوح ما بين 22 و40 مليار دولار.

وفي وقت يتوقع تعويم الجنيه مع ابرام الاتفاق مع صندوق النقد، سارعت الحكومة إلى إعلان حزمة حمائية أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أيام، تمثلت بزيادة رواتب العاملين في القطاع الحكومي وقطاع الأعمال العام، وزيادة الحد الأدنى للأجور إلى ستة آلاف جنيه.

AFP
امرأة تسير وسط سوق شعبية بالقرب من المعبد اليوناني سيرابيوم في الإسكندرية الذي يعود تاريخ بنائه إلى سنة 246 قبل الميلاد، ويظهر في الخلف عمود النصر، 24 نوفمبر 2023

زيادة أجور واجراءات استباقية للتعويم

ودائماً ما تستبق الحكومة تعويم الجنيه المصري بإعلان حزمة من الإجراءات الاجتماعية العاجلة تشمل زيادة أجور العاملين في الجهاز الإداري بحسب الدرجات الوظيفية للدولة. وأعلنت الحكومة زيادة المعاشات التقاعدية بنسبة 15 في المئة اعتباراً من الشهر المقبل. واعتبر أصحاب الرواتب أن تلك الزيادة غير محققة للآمال مقارنة بالارتفاعات غير المسبوقة في الأسعار، فهي لا تغني ولا تشبع من جوع.

للمزيد إقرأ: مستقبل واعد لمصر في صناعة الهيدروجين الأخضر

لكن ما يدعو إلى التفاؤل إعلان الحكومة استثمارات خارجية، ساهمت في تعويم السوق الموازية للعملات وانخفاض أسعار العملات الأجنبية كلها. وعلى الرغم من ذلك لم تنخفض الأسعار، على الرغم من ملاحقة الحكومة للعابثين بمقدرات البلاد والعباد والمتلاعبين بأسعار البضائع والدولار. ويتجه المصرف المركزي المصري الى رفع معدلات الفائدة بنسبة اثنين في المئة على الإيداع والإقراض إلى 21.25 و22.25 في المئة على التوالي.

يتطلع الخبراء إلى طمأنة الأسواق التي دخلت الدائرة الجهنمية بسبب تراجع دخل قناة السويس بنسبة 46 % خلال يناير الماضي، ليصل إلى 428 مليون دولار فقط

ويتطلع الخبراء والمجتمع الاقتصادي إلى طمأنة الأسواق المضطربة التي دخلت الدائرة الجهنمية للأسعار بسبب تراجع دخل قناة السويس خلال يناير/كانون الثاني 2024 بنسبة 46 في المئة، ليصل إلى 428 مليون دولار، مقارنة بإيرادات قدرها 804 ملايين دولار خلال الشهر المماثل من العام الماضي، نتيجة انخفاض أعداد السفن العابرة بنسبة 36 في المئة لتصل إلى ألف و362 سفينة بفعل المخاوف من هجمات جماعة الحوثيين عند باب المندب في البحر الأحمر بحسب تصريحات رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، مما عمق أزمة شح النقد الأجنبي في مصر. وتُعتبَر القناة إحدى مصادر النقد الأجنبي للبلاد.  

يُذكَر أن مديرة صندوق النقد أعلنت أن "الحاجات التمويلية لمصر باتت أكبر، ونعمل مع أطراف أخرى لتوفيرها، لتأثير هجمات الحوثيين في البحر الأحمر في حركة المرور عبر قناة السويس، والآن أصبح دخل القناة يقارب نصف ما كان عليه قبل الهجمات التي لها تأثير مادي في مصر، لأن قناة السويس يمكن أن توفر دخلاً قدره 700 مليون دولار شهرياً، والآن هذا الدخل أصغر".

للمزيد إقرأ: ديون مصر تسددها السياسة الدولية في 2024

وأكدت غورغيفا أن هناك تفكيراً في كيفية تعديل البرنامج في سياق تطورات اليوم، وزيادة القرض، لأن من الواضح أن الظروف تتطلب تكثيف الجهود مع مصر، مشيرة إلى أن الصدمات الخارجية دفعت مصر إلى اتخاذ إجراءات قوية لإعادة بناء الاقتصاد، إذ أن الصندوق يجري مناقشات مكثفة للمراجعتين الأولى والثانية مع مصر.

من الواضح أن الحرب على غزة وتداعياتها في البحر الأحمر دفعت صندوق النقد إلى زيادة قيمة قرضه، وكذلك رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى عرض خدماتها على مصر

وشددت على "أن المطلوب من مصر التزام بعض الأمور، من ضمنها جدولة المشاريع الكبرى قيد الإنجاز، ولا سيما أن الأوضاع في غزة ضغطت على مصر، وهذا الأثر طاول برنامج الطروح الحكومية، ونحن نريد أن تبيع مصر ما تطرحه في الوقت المناسب، ولا نرغب في أن تتسرع الحكومة في بيع حصص بشركات حكومية في ظل الظروف الحالية". وأضافت أن "الصندوق ينظر إلى قدرة مصر على خفض معدل التضخم وهذا يأخذ أولوية في برنامجنا، ونحن نتطلع إلى كيف يمكن لمصر أن تكون أكثر مرونة".

حرب غزة... وتخوف الاتحاد الأوروبي 

من الواضح أن الحرب على غزة وتداعياتها في البحر الأحمر دفعت صندوق النقد الى زيادة قيمة قرضه، وكذلك عرض رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خدماتها على مصر، من خلال وعود بقروض تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار إضافية. أما بالنسبة إلى التمويل من الدول الخليجية فإن جزءاً كبيراً منها موجود بالفعل على شكل ودائع لدى المصرف المركزي المصري وينتظر أن يُستثمَر في بعض الأصول المصرية.

Shutterstock
القيمة الشرائية للجنيه المصري في مهب الريح

وفسر الخبير الاقتصادي وليد جاب الله في حديث إلى "المجلة" أن الاتحاد الأوروبي لديه التزام حيال مصر متعلق باستضافتها ملايين اللاجئين بما يزيد على تسعة ملايين شخص، وإنفاق مصر بصورة كبيرة على مشاريع الحد من الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي، وتاليا هناك التزام أخلاقي للاتحاد الأوروبي بدعم مصر إذ أن هؤلاء اللاجئين يشكلون عبئاً كبيراً على الاقتصاد المصري. ورصد جاب الله أن الدولة المصرية تقدم مرونة قوية في تفاوضها مع صندوق النقد ويظهر ذلك "من خلال التصريحات التي تصدر عن انفتاحه على زيادة حجم التمويل لمصر، مما يعبر أيضاً عن مرونة من الصندوق إذ أن الحكومة قامت بالفعل بإجراءات تعبر عن حسن نية لإنجاح مفاوضاتها مع الصندوق، ومنها إلغاء الضرائب المقررة على النشاطات التجارية الحكومية بصورة تعزز تنافسية القطاع الخاص، فلا تجعل للاستثمارات الحكومية ميزة عن مشاريع القطاع الخاص، كما قررت خفض الإنفاق الاستثماري خلال خطة العام المالي الجاري بنسبة 15 في المئة وعدم البدء في مشاريع جديدة".

يعلم الإتحاد الأوروبي حجم المشاكل والآثار السلبية التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية على غزة في الاقتصاد المصري

أما عن المستقبل فقال جاب الله "إن الاقتصاد المصري كبير وقادر ومتنوع ويواجه أزمة توفير سيولة من العملات الأجنبية في المدى القصير، لكن أحداً لا يشك في أن الاقتصاد المصري كبير وهو الأكثر تنوعاً في المنطقة، وقد ضخت الحكومة استثمارات بتريليونات الجنيهات من أجل تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري وإنشاء بنية تحتية تكون قادرة على صناعة المستقبل في مصر، والتكتلات الاقتصادية الدولية كلها تعي ذلك".

Shutterstock
أوراق نقديه للجنيه المصري والدولار الأميركي

وذكر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور خالد الشافعي لـ"المجلة": أن الإتحاد الأوروبي "يعلم حجم المشاكل والآثار السلبية التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية على غزة في الاقتصاد المصري". وأضاف: "يُقَال إن حزمة الدعم من الاتحاد الأوروبي لدعم الاقتصاد تقارب 10 مليار دولار".

وعن أثر اتفاق الصندوق مع الحكومة الذي قارب التوقيع، قال "إن اتجاه صندوق النقد لمناشدة دول الخليج ومصارف الإقراض للوقوف إلى جانب مصر بسبب معاناتها في ضوء أزمة غزة يُعتبَر أمراً جيداً"، لكنه أمل حدوث توقيع اتفاق مصر مع صندوق النقد من دون تحرير لسعر الصرف، "وبذلك تكون مصر استطاعت أن تحقق مكاسب كبيرة إلى جانب قدرة الصندوق على دعم مصر في هذا الاتجاه ولا سيما الوقوف بجانب اقتصادها المتأزم، في هذه المرحلة المهمة والحساسة".

font change

مقالات ذات صلة