اتخاذ موقف أكثر حزما تجاه إيران... لتحقيق سلام دائم في المنطقة

بناء شبكة أمنية إقليمية متكاملة للحماية من تهديدات طهران

EPA
EPA
وزير الدفاع الإيراني محمد رضا أشتياني يتحدث إلى مسؤول عسكري أثناء الإعلان عن دخول صواريخ إيرانية جديدة في 17 فبراير

اتخاذ موقف أكثر حزما تجاه إيران... لتحقيق سلام دائم في المنطقة

مضى أكثر من أربعة أشهر على اندلاع الصراع بين إسرائيل و"حماس"، ولا تزال الخسائر البشرية في تزايد مستمر، وتتضاءل فرصة تحقيق الاستقرار والرخاء الإقليمي على نطاق أوسع. وكانت إدارة بايدن في الأسابيع الأخيرة تركز بشكل أساسي على محاولة تحقيق وقف إطلاق نار طويل الأمد في غزة، مقابل إطلاق سراح المزيد من الرهائن، والعمل على منع تصعيد إقليمي أوسع من خلال الرد على هجمات الحوثيين في اليمن والميليشيات في العراق وسوريا. أما إيران وحلفاؤها الإقليميون، فلا زالوا يشكلون تهديدا استراتيجيا للمنطقة.

تتمحور استراتيجية الرئيس بايدن لمعالجة الصراع في غزة حول فكرة حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني والدفع بمبادرات مثل تطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل وتعزيز مبادرة الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المقترحة في اجتماع مجموعة العشرين في الهند في سبتمبر/أيلول الماضي. الفكرة الأساسية هي أن وقف إطلاق النار المطول الذي يسبق بداية شهر رمضان المبارك في أوائل شهر مارس/آذار قد يخلق فرصة لجهود دبلوماسية أوسع لفتح طريق نحو السلام.

AFP
الرئيس الأميركي جو بايدن مغادرا مطعما في ولاية ديلاوير في 17 فبراير

إلا أن هناك عدة تحديات تواجه هذه الخطة. أولا، قد لا يتمكن الطرفان الرئيسان في هذا الصراع، إسرائيل و"حماس"، من التوصل حتى إلى اتفاق قصير الأمد. إذ مر أكثر من شهرين منذ وقف إطلاق النار المؤقت الأخير وإطلاق سراح الرهائن، ولم تسفر المفاوضات المطولة التي توسطت فيها قطر ومصر بمشاركة أميركية عن نتائج بعد. ثانيا، يواجه الانتقال من وقف إطلاق النار المؤقت إلى المبادرات الدبلوماسية الأكثر طموحا عقبات كبيرة بسبب الانقسامات داخل السياسة الإسرائيلية والفلسطينية. ومن ثم هنالك تحديات عالمية أخرى تنهك الولايات المتحدة، منها الصراع في أوكرانيا والانتخابات الرئاسية المقبلة لعام 2024، وهي عوامل ستزيد من الضغط على الرئيس بايدن وفريقه المنهكين بالفعل.

العامل الإيراني

تكمن عقبة رئيسة رابعة أمام فكرة الاستفادة من وقف إطلاق النار طويل الأمد في الصراع بين إسرائيل و"حماس" كنقطة انطلاق لجهود السلام والتطبيع على نطاق أوسع في المنطقة في الدور المحتمل لإيران و"محور المقاومة" واستخدامهما العنف لتقويض أي محاولات للتقدم نحو حل الدولتين. فخلال ظهوره بمنتدى الدوحة في قطر شهر ديسمبر/كانون الأول، قال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إن إيران لا تؤمن بحل الدولتين، مشيرا إلى أن هذا الموقف هو الشيء الوحيد الذي تتفق عليه إيران وإسرائيل. تهدف تصريحات أمير عبد اللهيان هذه إلى تسليط الضوء على الجهود التي تبذلها إسرائيل لتقويض فرص حل الدولتين، كما كشفت عن السياسة التي اتبعتها طهران على مدى عقود، وهي اتخاذ إجراءات تهدد فرص التوصل إلى حل الدولتين يمكن أن يشمل الاعتراف بإسرائيل كدولة حالية وفلسطين كدولة محتملة في المستقبل.

يرى البعض أن 7 أكتوبر كان يهدف جزئيا إلى تعطيل اتفاق تطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية

في كثير من الأحيان، يجري التعامل مع المناقشات حول جهود السلام والتطبيع العربية الإسرائيلية بمعزل عن دور إيران في المنطقة وما فعلته إيران وشبكة شركائها الإقليميين لتبديد الآمال في السلام الإقليمي وزيادة التكامل والتعاون. لكن محاولة فصل قضية إيران عن القضية العربية الإسرائيلية تتجاهل الحقيقة المعقدة المتمثلة في أن الكثير من الجهات الفاعلة في المنطقة والمدعومة من قبل إيران اتخذت تدابير فعالة لعرقلة جهود السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فضلا عن جهود التطبيع الأخيرة بين إسرائيل وبعض دول الخليج. ويرى البعض أن الهجوم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان يهدف جزئيا إلى تعطيل جهود التقدم نحو اتفاق تطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية.
وتدعم إيران بشكل نشط الجماعات الفلسطينية مثل "حماس"، و"الجهاد الإسلامي" الفلسطيني، الرافضة لحق إسرائيل في الوجود. كما قامت ببناء شبكة إقليمية من الجماعات (مثل "حزب الله" في لبنان، والحوثيين في اليمن، ومجموعات مسلحة مختلفة في سوريا والعراق)، والتي هاجمت إسرائيل مباشرة أو استغلت حلقات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بما في ذلك الحرب الحالية في غزة، لتعزيز مصالحها السياسية الداخلية ولزيادة نفوذها في المنطقة من خلال تعزيز السرديات المؤيدة للفلسطينيين والمعادية لإسرائيل، وكل ذلك يتناقض مع الاتجاه نحو السلام والتطبيع مع إسرائيل.
بالإضافة إلى ذلك المزيج، فإن البرنامج النووي الإيراني المستمر يهدد بحدوث سباق تسلح نووي في المنطقة، ودعم نظام إيران للهجمات الإرهابية وتهريب الأسلحة عبر الشرق الأوسط يعرقل بشكل أكبر الأمن العام لنظام الدولة في الشرق الأوسط. من هذا المنظور الأوسع، يصبح من الواضح أن نظام إيران يشكل تهديدا للسلام طويل الأمد في الشرق الأوسط ولأي جهود مكثفة للتوصل إلى حل الدولتين. ومن الحكمة أن يركز أولئك الذين يدعمون الحقوق الفلسطينية، وخاصة الحق في إنشاء دولة فلسطين، على كل القوى التي تعارض حل الدولتين، بما في ذلك القوى الموجودة في طهران وتل أبيب.

AFP
فلسطينيون يخرجون طفلا من تحت الأنقاض في دير البلح في 18 فبراير

ومن المؤكد أن رفض إيران لحل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين ليس العقبة الرئيسة في هذه الأيام، خاصة في ظل الحرب الدائرة في غزة. إذ تمتلك إسرائيل الحكومة الأكثر يمينية في تاريخها الحديث، وهي حكومة تشمل وزراء يرفضون باستمرار فكرة إنشاء دولة فلسطينية. وقبل الحرب، ولأكثر من عقد ونصف من الزمن، كانت غزة تخضع لسيطرة جماعة ترفض حق إسرائيل في الوجود. لذا، حل تشابك هذه المشكلة في جوهرها والتحرك نحو حل الدولتين هو مهمة صعبة بحد ذاتها. ومع ذلك، فإن النظام الحالي في إيران وشركاءه الإقليميين لديهم القدرة على منع أي محاولة كبرى من قبل الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي لإحياء جهود السلام، وبالتالي يجب اتخاذ خطوات للحماية من هذا التهديد الذي تفرضه إيران.

البرنامج النووي الإيراني المستمر يهدد بحدوث سباق تسلح نووي في المنطقة

استراتيجيات مواجهة التحديات الإيرانية المحتملة على المدى الطويل لتحقيق السلام الشامل في الشرق الأوسط

قد يكون من الصعب جدا إدخال هذا العامل الآخر في وقت يوجد فيه الكثير من الأزمات والقضايا القصيرة غير المحلولة. ولكن وضع استراتيجية في الشرق الأوسط الكبير للحماية من التهديدات الطويلة الأمد التي تشكلها إيران بات ضروريا وينطوي على أربع خطوات رئيسة.
1.    بناء شبكة أمنية إقليمية متكاملة ومتماسكة للعزل عن التهديدات التي تشكلها إيران. فلسنوات عديدة، ناقشت الولايات المتحدة وبعض الشركاء الأمنيين الرئيسين أفكارا حول إنشاء إطار أمني إقليمي متكامل في مجالات مثل الدفاع الصاروخي والبحري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني. والآن بعد دمج إسرائيل في منطقة عمل القيادة المركزية الأميركية، فإن الجهود المبذولة لتعزيز التعاون الأمني الإقليمي مع التركيز على الدفاع ضد إيران ومحور المقاومة هي الأساس.
والوقوف بقوة في مواجهة إيران وشبكة الجماعات التي بنتها في جميع أنحاء المنطقة على مر السنين بات أمرا ضروريا لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط الأوسع. ولن يؤدي انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، كما يقترح البعض في أماكن مثل سوريا والعراق، إلى زعزعة استقرار المنطقة فحسب، بل سيقلل أيضا من احتمالات إنشاء دولة فلسطين.
2.    تقييم الفوائد والتكاليف للمشاركة الدبلوماسية بين إيران ومجلس التعاون الخليجي بانتظام، وإنشاء مسارات للمزيد من الحوارات التي تسعى لتعزيز الأمن الإقليمي. في مرحلة ما، من المرجح أن تضطر دول الخليج مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى مواجهة حقيقة أن الاتفاقات القصيرة المدى التي أبرموها مع إيران، مثل الاتفاق الذي أعلنته الصين بين إيران والسعودية في مارس الماضي، قد لا توفر الأمن الدائم والمستدام للمنطقة الأوسع طالما واصلت إيران الاستثمار في جهود تُهدد الأمن الإقليمي والعالمي، كما نرى في تصرفات الحوثيين في اليمن من استهداف للشحن التجاري الدولي في البحر الأحمر. على أية حال، من المحتمل أن تواجه هذه التسويات الدبلوماسية القصيرة المدى مشاكل عندما يحدث الانتقال الحتمي للقيادة داخل إيران.

طالما ظلت القضية الفلسطينية دون حل، فإن إيران وشركاءها في المنطقة سيستمرون في استغلالها

3.    زيادة المشاركة الثابتة وطويلة الأمد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في الشرق الأوسط. فلقرابة عقد من الزمان أو نحو ذلك، حاولت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية إعادة توجيه تركيزها ومواردها بعيدا عن الشرق الأوسط الكبير نحو آسيا، في الاستجابة للتحديات المتصاعدة التي تفرضها الصين التي تزداد حزما. لكن هذا التحول أو إعادة التوازن نحو آسيا تجاهل الأهمية الدائمة للشرق الأوسط كنقطة محورية حاسمة في الجغرافيا السياسية. علاوة على ذلك، أدى الغزو الروسي الثاني لأوكرانيا في عام 2022، بعد توغلها الأولي في عام 2014، إلى ازدياد تحول الاهتمام بعيدا عن المنطقة. تشير الهجمات في السابع من أكتوبر/تشرين الأول والحرب التي تلتها، جنبا إلى جنب مع الاضطرابات الإقليمية الواسعة في الشرق الأوسط، إلى حاجة الولايات المتحدة وأوروبا لاعتماد نهج طويل المدى في المنطقة، يعزز الشراكات مع الشركاء الإقليميين الرئيسين، من الخليج إلى الأردن ومصر، وهي جميعها تمتلك مصلحة قوية في قيام دولة فلسطينية وفي الدفاع ضد التهديدات التي تشكلها جمهورية إيران الإسلامية.
4.    وضع خطة ملموسة بالتعاون مع الشركاء في الشرق الأوسط لإقامة دولة فلسطين. إذ طالما ظلت القضية الفلسطينية دون حل، فإن إيران وشركاءها في جميع أنحاء المنطقة سيستمرون في استغلال هذه القضية في جهودهم لحشد الجماهير في جميع أنحاء الشرق الأوسط لصالحهم. ففي المعركة من أجل كسب الرأي العام بشأن الحرب في غزة، نجحت إيران والمتعاطفون معها في الاستحواذ على السرد السائد، الأمر الذي أدى إلى تحولات كبيرة في وجهات النظر بشأن الولايات المتحدة وإسرائيل. إن وضع خطة جادة لدفع حل الدولتين بدعم موحد من الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين من شأنه أن يساعد في تحويل دفة الأمور ضد إيران وأولئك الذين يدعمونها.
ولتجنب الأخطاء التي ارتكبت في الماضي، يجب أن تولي جهود إحياء حل الدولتين لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني اهتماما بالدور الذي لعبته إيران و"محور المقاومة" في زعزعة استقرار المنطقة، ومنع التقدم على الجبهة العربية الإسرائيلية.

font change

مقالات ذات صلة