"حرب باردة" جديدة في لبنان بين المسلمين والمسيحيين

الحالة "الغزاوية" مرشحة للانتقال إلى لبنان بقوة

AFP
AFP
متظاهرون يرفعون الأعلام الفلسطينية خلال مظاهرة دعت إليها الجماعة الإسلامية في لبنان وحركة "حماس" في بيروت في 29 أكتوبر 2023

"حرب باردة" جديدة في لبنان بين المسلمين والمسيحيين

تتوالى المواقف المسيحية اللبنانية المناهضة لربط لبنان بحرب غزة بشكل يمكن معه القول إن الأمر بات يشكل جبهة موحدة تجمع كافة القوى السياسية المسيحية الفاعلة. رئيس الجمهورية السابق ميشيل عون يطلق مواقف يؤكد فيها على عدم ارتباط لبنان مع غزة بمعاهدة دفاع، وينتقد الخيارات التي يأخذها قسم من الشعب اللبناني.

يلاقيه صهره ورئيس حزب "التيار الوطني الحر" جبران باسيل بحديث يرفض فيه تحميل البلاد مسؤولية تحرير فلسطين ووحدة الساحات، بينما يتحدث النائب آلان عون عضو كتلة التيار المذكور عن تغيير العلاقة مع "حزب الله" وانعدام وحدة المواقف.

رئيس حزب الكتائب، النائب سامي الجميل يعتبر بدوره أنه لا يجوز أن يسدد اللبنانيون فاتورة إسناد غزة، كما لا يكف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عن تكرار مواقفه التي تشدد على رفض الانجرار إلى الحرب، ويستعيد "حزب القوات اللبنانية" حزمة المواقف نفسها ويعبر عنها بلهجة أكثر راديكالية.

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي من جهته يحرص على ربط الموقف اللبناني الرسمي بموقف "حزب الله" الذي يصر على تلازم المسارات بين لبنان وغزة، وكان قد سبق له أن أبلغ كل الأطراف الدولية رفض أي اتفاق مع لبنان لا يرتبط بغزة. عطل هذا الموقف كل مسار الحلول على الجبهة اللبنانية والتي كان آخرها المبادرة الفرنسية.

صورت استطلاعات رأي أخيرة هجمات "حزب الله" على إسرائيل على أنها قضية إسلامية 

جريدة "الأخبار" المقربة من "حزب الله"، كانت قد نشرت يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول 2023 استطلاع رأي أجراه "المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق" (التابع بدوره لـلحزب ذاته) يؤكد أن 80 في المئة من اللبنانيين يؤيدون "عملية طوفان الأقصى" ويرفضون خيار الوقوف على الحياد بنسبة 75 في المئة.

هذا التأييد، قياسا على التوزيع الطائفي، جاء بنسبة 98 في المئة عند الشيعة، و86 في المئة عند السنة والدروز، بينما بلغ عند المسييحيين 60 في المئة.

وفيما يتعلق بخيار إشغال إسرائيل عند الحدود وفتح الجبهة الجنوبية فورا، فإن حصيلة التأييد بلغت 54 في المئة بتوزيع طائفي يعطي الشيعة نصف نسبة المؤيدين ويمنح السنة الثلث والدروز 40 في المئة، فيما يترك للمسيحيين نسبة لا تتجاوز 13 في المئة.

وقد تم إجراء استطلاع جديد في 15 فبراير/شباط 2024 طرح سؤالا حول ضعف إسرائيل وإمكانية هزيمتها فكانت النتيجة تأييدا شيعيا بنسبة 80 في المئة، وسنيا بنسبة 71 في المئة، ودرزيا بنسبة 57 في المئة. أما في الوسط المسيحي فلم تتجاوز النسبة 33 في المئة. أما نتائج الإجابة على سؤال إذا ما كان إظهار المقاومة لقوتها هو من يردع العدوان، فأظهرت موافقة شيعية بنسبة 90,7، وسنية بنسبة 66,1، ودرزية بنسبة 53,6، ومسيحية بنسة 40,4 في المئة.

يصعب تصور الكيفية التي تم فيها الاستطلاع لأنه ليس سرا أن "حزب الله" يغلق مناطقه بشكل محكم ويمنع إجراء أي استطلاعات، ولكن المنطق الذي يروّج له يهدف إلى تقديم العنوان الفلسطيني في لبنان والموقف الإيجابي من المشاركة الحربية فيه بوصفه قضية إسلامية .

تاريخ الانقسام حول القضية الفلسطينية يعود إلى النكبة عام 1948

دولة داخل الدولة

تاريخ الانقسام حول القضية الفلسطينية يعود إلى النكبة عام 1948 والتي أطلقت موجة نزوح فلسطيني إلى لبنان تلقاها المسيحيون على أنه عنوان تغيير ديموغرافي لصالح المسلمين في وقت كان البلد يشهد أكثرية مسيحية. بقيت الأمور تحت سقف الانضباط في ظل موجة القومية والعروبة التي كان المسيحيون اللبنانيون من روادها.

ومع انطلاق الثورة الفلسطينية عام 1965 بدأت الخلافات تتسع بين مؤيديها الذين كانوا في معظمهم من المسلمين، ومعارضيها المسيحيين، ومع وصول الأمور إلى درجة الاشتباك المسلح لجأ لبنان إلى وساطة عربية مصرية أنتجت اتفاق القاهرة عام 1969 الذي شرعن العمل الفلسطيني المسلح انطلاقا من لبنان، وخلق المناخ المضطرب الذي مهد لنشوء ظاهرة الدولة داخل الدولة تحت عنوان المقاومة من أجل فلسطين.

منذ تلك اللحظة تم تكريس الحضور الفلسطيني في البلد بوصفه ثورة تحظى بتأييد إسلامي في مقابل موقف مضاد يتبنى الحياد والدفاع عن الدولة ويحظى بتأييد مسيحي.

AFP
الكاردينال اللبناني مار بشارة بطرس الراعي يحيي أنصاره قبل خطاب يلقيه في البطريركية المارونية شمال شرق بيروت

ارتدى الانقسام الأهلي اللبناني طابع الانقسام حول العنوان الفلسطيني والموقف منه ومن استجلابه الصراع العربي الإسرائيلي إلى الميدان اللبناني واعتبر عاملا مؤسسا للحرب الأهلية.

كان للشراكة الفلسطينية المباشرة في الحرب أثر كبير في تكريس عناوين الصراع الإسلامي المسيحي التي تضافرت عوامل ميدانية تصعيدية كثيرة لتكريسها قبل أن تجد بيانها الرسمي المؤسس في لحظة "بوسطة عين الرمانة" الشهيرة عام 1975 التي أقدمت خلالها ميليشيا مسيحية على تصفية فلسطينيين كانوا قادمين من احتفال ويستقلون "بوسطة" (حافلة) مرت من منطقة عين الرمانة.

جبهة مسيحية موحدة تجمع كل الخصوم في مواجهة مشروع ربط البلد بالعنوان الفلسطيني

لا زالت تلك الحادثة تتجدد بأشكال مختلفة، فبعد مجازر صبرا وشاتيلا وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982 تعمق الانقسام ولم يختف مع تحول المخيمات الفلسطينية إلى بؤر مسلحة ينظر إليها المسيحيون على الدوام على أنها جيوش إسلامية مصغرة.

وتنامى الانقسام مع ظهور "حزب الله" العقائدي الأيديولوجي الإسلامي أواخر الثمانينات الذي مثل حالة تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى لبنان والذي رفع عنوان إنشاء الدولة الإسلامية وتحويل إلبلد إلى ساحة حرب ضد إسرائيل ربطا مع القضية الفلسطينية.

عمل الحزب على الاستفادة من التناغم السوري الإيراني في البلد لإحكام سيطرته على القرار الإسلامي وفرض وصاية على نظام الحكم الذي حافظ على بنى شكلية مسيحية فيه. وهكذا لم يتم القضاء على مشروع الحياد وأولوية الدولة عند المسيحيين وحسب، بل صار اعتناق مواقف الحزب الممانعة والتي تعمل على ربط مصير البلاد بالمسألة الفلسطينية عنوانا لسياسة الدولة ومصدرا لشرعيتها.

تناغمت القيادات المسيحية وهذا الإطار مع بقاء جبهات رفض ومع تفاهم مار مخايل عام 2006 مع التيار الوطني الحر الذي يمثل حضورا بارزا في الوسط المسيحي بدا أن الحزب قد نجح في إقفال حالة الاعتراض على مشاريعه الرامية إلى وضع البلد في دائرة النفوذ الإيراني تحت عنوان القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من الخلافات الطائفية بين الحزب الذي يمثل أغلبية شيعية والسنة فإن العنوان المقاوم كان كفيلا بخلق نوع من الخطاب الأعلى الجامع الذي يستجيب لميول سنية تاريخية.

توحّد الأطياف الإسلامية ينطوي على محاولة لبناء تقسيم واضح للبلد يستعيد ثنائية المقاومين والعملاء

الخلافات كانت تتأجل وتلغى، حتى إن اللحظات الانفجارية الكبرى مثل اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وخروج القوات السورية من لبنان وقيام حلف "14 آذار" الذي يضم مكونات سنية ومسيحية ترفع عنوان الانحياز للدولة، الذي كان عنوانا تاريخيا مسيحيا، ذابت في عنوان الحرب ضد إسرائيل كانت تستجلب وتستعاد إثر كل مفصل كبير وتتكفل بإسكات كل الاعتراضات، خصوصا مع نجاح "الحزب" في السيطرة على مواقع السلطة المسيحية وجعلها تردد خطابه الممانع مع رؤساء جمهورية مثل إميل لحود وميشال عون.

ما الذي جرى الآن لكي تنشأ جبهة مسيحية موحدة تجمع كل الخصوم في مواجهة مشروع ربط البلد بالعنوان الفلسطيني، وما الذي جعل السنة يتناسون عناوين خلافهم مع "حزب الله" ويبدون الاحتفاء بالمشهد الحربي القائم على الحدود والمرشح للتمادي؟

يعي المسيحيون بالقياس على المشهد الفلسطيني في غزة وكذلك في الضفة أن هذه الحرب تختلف عن كل ما سبقها وأن امتدادها يعني تدمير البلد بكل ما فيه من دون أي اعتبارات.

التهديد الذي يلوح في الأفق المنظور لا يتعلق بالخلاف حول طبيعة الحكم وتقاسم السلطة بل بات يهدد بنسف الوجود المسيحي في البلد ككل خصوصا مع انكفاء الاهتمام الغربي بالمسيحيين في لبنان ودخول الغرب في تفاوض مع الإيرانيين على صفقة لا يبدو أنها تأخذ بعين الاعتبار مصير المسيحيين وحضورهم.

تغيير بنية النظام اللبناني

خريطة الحرب المتوقعة وإن كانت ستستثني الاستهداف المباشر للمناطق المسيحية نظرا لعدم وجود مواقع لـ"الحزب" فيها، ولكنها من ناحية أخرى ستدمر بنى الاقتصاد والاستثمارات والهيكلية التي يقوم عليها النظام المصرفي والمالي اللبناني الذي يشكل العنوان الأبرز للحضور المسيحي في بنية الدولة.

يضاف إلى ذلك أن استهداف المناطق الإسلامية واقتصار ضحايا الاستهداف الإسرائيلي على المسلمين من شأنه أن يخلق نظام استثمار سياسي واسع في الدم قد يقود إلى تغيير بنية النظام اللبناني بشكل عام، بحيث ينسف الحق المسيحي في رئاسة الجمهورية وتقاسم المناصب انطلاقا من أن من يدفع ضريبة الدم والخراب هو من يحق له أن يحكم البلد.

AFP
مشيعون يشاركون في جنازة قائد كتائب القسام خليل الخراز الذي قُتل في جنوب لبنان في 21 تشرين الثاني/نوفمبر

يتخوف المسيحيون من أن تقود الحرب إلى توطين الفلسطينيين والسوريين بشكل نهائي في البلد، ما سيخلق أكثرية ديموغرافية حاسمة لصالح المسلمين.

كل ذلك يجعل من التعامل المسيحي مع الحرب التي تحمل عنوانا فلسطينيا مشحونا بكل رعب التاريخ وتحولات الحاضر التي ترى في السطوة الإسلامية المفتوحة على البلد تأسيسا على الحرب ونتائجها نوعا من الاحتلال الكامل يعيد بشكل أكثر راديكالية مناخ تحرير فلسطين عبر إقصاء المسيحيين وتفكيك موقعهم في السلطة وفي القرار اللبناني.

الذاكرة المسيحية تستعيد في خطابها العام حاليا خطاب القائد الفلسطيني أبو أياد الذي أطلق مقولة تحرير فلسطين من جونية، وتصريح الزعيم الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات الذي كان قد أعلن أنه كان يحكم لبنان من حي الفاكهاني.

لا فرق تطرحه اللحظة سوى في درجة الشمولية التي تعد بها والتي تصب كافة مندرجاتها في تكريس طابع إقصاء المسيحيين عن المشهد.

في المقلب الآخر تخترق صورة الملثم أبو عبيدة الناطق باسم "كتائب القسام" المناطق الإسلامية وتنجح في ترميم كل ما أثارته الصراعات الطائفية الشيعية السنية من عداوات.

ثنائية المقاومين والعملاء

العنوان الفلسطيني في لحظته المتفجرة بدا قادرا على صب كل كتل الأوهام الإسلامية المقرونة باستعادات غنائية وعاطفية للمزاج النضالي اليساري والقومي في قالب موحد من التطرف الذي يقضي على آمال الاعتدال ويقصيها.

ما نما على ضفاف الحدث الفلسطيني في الساحة الإسلامية تجاوز استعادة تاريخ التعاطي مع القضية الفلسطينية وصبها في قالب إسلامي يرفض الدولة ويعتبرها عدوة له ليطمح إلى إعادة تأسيس عقائدية وأيديولوجية وسياسية وجغرافية للبنان على أساس شرعية الانتماء إلى المعركة الفلسطينية والنطق باسمها عبر الاحتكام إلى منطق السلاح.

توحّد الأطياف الإسلامية في النظر إلى المشهد الفلسطيني ينطوي على محاولة لبناء موقع جديد في السلطة يقوم على خلق تقسيم واضح للبلد يستعيد ثنائية المقاومين والعملاء.

جبهة مسيحية موحدة تجمع كل الخصوم في مواجهة مشروع ربط البلد بالعنوان الفلسطيني

ما صدر عن رئيس جهاز الإعلام والتواصل في القوات اللبنانية بعد خروج مظاهرات مسلمة اجتاحت مناطق مسيحية تحت عنوان الانتصار لفلسطين كان واضحا في دلالته على سطوة مزاج الانقسام والتقسيم، حيث قال إن المسيحيين لا يريدون العيش مع هؤلاء الذين لا يشبهونهم ولا توجد معهم أي قواسم مشتركة على الإطلاق. المسافات بين مسلمي لبنان ومسيحييه باتت أبعد من أن تردم بالسياسة وخصوصا مع تراجع الاهتمام العربي بلبنان عموما والمسلمين خصوصا.

واذا كانت المسألة الفلسطينية تشكل عنوان الصراع القديم المستجد فلا بد من الإشارة إلى أن الجديد الذي تراكمه هذه المسألة يكمن في أنها مبنية بالكامل على التوظيف في سياقات الصراع على السلطة في لبنان.

لا يرتبط النزاع المحتدم فعليا بالشأن الفلسطيني بل يتخذ منه خلفية لإيجاد موقع في تقاسم تركة الدولة المتهالكة، خلافا للتمركز الأيديولوجي الجدي والفعلي الذي كان قائما بالفعل في خلفية الانتماء الإسلامي السابق للقضية الفلسطينية وفكرة الحياد والدفاع عن الدولة التي كانت تشكل أساسا للمشروع المسيحي.

 كان الصراع يرتدي طابع هوية تمتلك مقومات وانتماءات واضحة المعالم ولكنه انحل الآن إلى مجرد تنازع على السلطة. مسلمو لبنان منفصلون عن الموقف الإسلامي والعربي ومسيحيوه فقدوا صلاتهم بالغرب.

توحّد الأطياف الإسلامية ينطوي على محاولة لبناء تقسيم واضح للبلد يستعيد ثنائية المقاومين والعملاء

يتراكم النفي في الحالتين، ويبدو الشأن الفلسطيني- على الرغم من رفعه إلى مرتبة العنوان الصراعي الأبرز- غائبا بالكامل. وما يصدر من طرفي الصراع في لبنان لا يشي بالاهتمام الفعلي بمصير الفلسطينيين أو الدفاع عن قضيتهم بقدر ما يؤكد على السعي إلى الاستثمار فيها بوصفها فرصة للانقضاض على الآخر وسلبه موقعه وحضوره.

وبناء على ذلك فإن الحالة الغزاوية مرشحة للانتقال إلى لبنان بقوة. يستدعيها الجميع بشكل ينطوي عل خفة هائلة واستخفاف بالمصائر والدماء والخراب العظيم الذي قد لا يبقي ما يصلح للتنازع عليه.

font change

مقالات ذات صلة