الانتخابات الروسية... بوتين يحشد للوصول إلى "90 في المئة"

يستفيد من غياب بديل عنه يضمن الاستقرار والتوازنات بين النخب الحاكمة

رويترز
رويترز
مظاهرة تأييد لانتخاب بوتين في العاصمة الشيشانية غروزني في 10 مارس

الانتخابات الروسية... بوتين يحشد للوصول إلى "90 في المئة"

تنطلق الانتخابات الرئاسية الروسية يوم الجمعة المقبل. وفي غضون ثلاثة أيام يتوجه الناخبون الروس لاختيار رئيسهم لست سنوات مقبلة في انتخابات أشبه ما تكون باستفتاء على مدى شعبية الرئيس فلاديمير بوتين وخياراته في مواصلة حروبه ضد "الغرب الجماعي"، ووضع روسيا على الخريطة العالمية كمدافع عن "القيم التقليدية" وبناء التعددية القطبية. وتؤكد استطلاعات الرأي وتوقعات المراكز البحثية أن بوتين سيحظى بأكثر من 80 في المئة من الأصوات، فيما يتنافس ثلاثة مرشحين على المركز الثاني.

وفي ظل انعدام التنافس على المركز الأول انصب اهتمام صناع السياسة الداخلية في الكرملين على مهمة صعبة، وهي زيادة نسبة المشاركة إلى أكثر من 80 في المئة في انتخابات نتائجها محسومة سلفا. ووظفت السلطات آليات وتقنيات التصويت الحديثة التي أقرتها الهيئات التشريعية في روسيا في السنوات الأخيرة لرفع المشاركة، وأهمها: التصويت لثلاثة أيام للمرة الأولى في الانتخابات الرئاسية بعدما جربت سابقا في الانتخابات المحلية في بعض المناطق خريف 2019، ولاحقا في الاستفتاء على تعديل الدستور صيف 2020 الذي "صفّر عداد الرئاسة" لبوتين وسمح له نظريا بالترشح مرتين والبقاء رئيسا حتى 2036.

نسبة المشاركة قد تتجاوز 90 في المئة، وهي نسبة غير مسبوقة

وقررت اللجنة المركزية للانتخابات السماح بالتصويت الإلكتروني في 29 مقاطعة أي نحو ثلث المقاطعات والجمهوريات في روسيا الاتحادية وبخاصة في موسكو، وسانت بطرسبورغ، وفي شمال غربي روسيا، وأقصى الشرق وسيبيريا، وهي في مجملها من المقاطعات التي تشهد إقبالا منخفضا على المشاركة أو تصويتا احتجاجيا، في حين لا تجد السلطات حاجة إلى السماح بالتصويت الإلكتروني في جمهوريات شمال القوقاز الروسي مثل الشيشان وداغستان أو مقاطعة كيميروفا حيث إن نسب الإقبال تتجاوز 90 في المئة في جميع الانتخابات. ويعيش في المقاطعات المسموح فيها بالتصويت الإلكتروني قرابة ثلث الناخبين الذي يتجاوز عددهم حسب البيانات الرسمية 112 مليون ناخب. وحسب وزارة التنمية الرقمية فقد سجل قرابة ثلاثة ملايين روسي من أجل السماح لهم بالتصويت في صناديق خارج منطقة إقامتهم. 

تنافس على المركز الثاني

ذكرت رئيسة لجنة الانتخابات المركزية الروسية إيلا بامفيلوفا يوم الاثنين الماضي (11 مارس/آذار) أن 78 في المئة ممن يحق لهم التصويت أكدوا مشاركتهم في الانتخابات المقررة بين 15 و17 من الشهر الجاري. وأضافت، أثناء عرض نتائج برنامج أطلقته اللجنة لإخطار جميع الناخبين حول موعد التصويت وطرقه وآلياته، أن 14 في المئة قالوا إنهم سيصوتون على الأرجح. وفي حال صحت توقعات المسؤولة الروسية فإن نسبة المشاركة قد تتجاوز 90 في المئة، وهي نسبة غير مسبوقة وأعلى بكثير من نتائج استطلاعات الرأي السابقة وتوقعات الخبراء في مجال الحملات الانتخابية. 
وفي اليوم ذاته، كشف مركزان حكوميان لاستطلاع الرأي، زيادة نسبة الإقبال على الانتخابات، وفي حين خرجا بنتيجة أن بوتين عزز مواقعه بعيدا عن باقي المتنافسين، بمشاركة نحو 70 في المئة ممن يحق لهم التصويت، فقد اختلفت توقعاتهما حول توزيع المرشحين الباقين. 

أ ف ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء مقابلة تلفزيونية في الكرملين في 12 مارس

وفي توقعات مبنية على الاستطلاعات ودراسة مزاج وتوجهات الناخبين من قبل علماء الاجتماع والسياسة، فقد خلص "مركز دراسة الرأي في عموم روسيا" (فيتسوم)، في دراسة نشرت يوم الاثنين إلى أن فلاديمير بوتين سيحصل على 82 في المئة من الأصوات، بنسبة مشاركة تصل إلى 71 في المئة. أما "صندوق الرأي العام"، فتوقع أن يصوت 80.8 في المئة لصالح بوتين بنسبة حضور 68.8 في المئة. 
وبحسب "فيتسوم"، من المتوقع أن يحل في المركز الثاني مرشح "الحزب الشيوعي"، نيكولاي خاريتونوف، بنحو 6 في المئة، وفي المركز الثالث، مرشح "الناس الجدد"، فلاديسلاف دافانكوف، بأقل قليلا من 6 في المئة. وسوف يحصل مرشح "الحزب الليبرالي الديمقراطي" ليونيد سلوتسكي على قرابة 5 في المئة من الأصوات. أما "صندوق الرأي العام"، فتوقع أن يحل خاريتونوف في المركز الثاني بنسبة 5.7 في المائة، وسلوتسكي في المركز الثالث بنسبة 5.6 في المئة، ودافانكوف في المركز الأخير بنحو 4.6 في المئة. وتكشف نتائج الدراسات والاستطلاعات قضايا عدة أهمها: نسبة المشاركة العالية، والنسبة العالية لبوتين، والفروق المحدودة بين نسب المرشحين الثلاثة الآخرين، ما يعني أن الحسم بين المنافسين على المركز الثاني ستبقى معلقة حتى ظهور النتائج النهائية.

بدا واضحا أن بوتين استطاع بسرعة فهم طبيعة المعادلات والصراعات في الكرملين

وبقراءة أولية، فإن بوتين سوف يحصل على أعلى نسبة على الإطلاق منذ انتخابه للمرة الأولى عام 2000، وسيحصل على نسبة أصوات أعلى من انتخابات عام 2018 حين حصل على 76.8 في المئة. وفي المقابل فإن الخاسر الأكبر هو "الحزب الشيوعي"، فالتوقعات الحالية لخاريتونوف لا تتجاوز 6 في المئة، في حين حصل مرشح الحزب في 2018، بافيل غرودينين، على 11.7 في المئة. وفي حال صدقت التوقعات فإن ليونيد سلوتسكي سيحصل على نسبة مقاربة لما حصل عليها زعيم "الحزب الليبرالي الديمقراطي" الراحل فلاديمير جيرينوفسكي في 2018 حين حصل على 5.6 في المئة من الأصوات. وبهذا يثبت سلوتسكي ذاته في قيادة الحزب تحت شعار "قضية جيرينوفسكي ما زالت حية"، حسب اللوحات الإعلانية المنتشرة في المدن الروسية. ومعلوم أن سلوتسكي يعد المرشح الأقرب للإدارة الرئاسية نظرا لمواقفه الداعمة بالمطلق لبوتين.

وتكشف قائمة المنافسين وبرامجهم، إضافة إلى التوقعات، عن طبيعة الأوضاع التي آلت إليها روسيا بعد نحو 24 عاما من حكم بوتين من انعدام التنافسية وتهميش دور القوى السياسية مقابل صعود بوتين كشحصية مركزية لا بديل لها. وخلت قائمة المرشحين من أي شخصية رافضة للحرب الروسية على أوكرانيا بوضوح، كما لا تضم القائمة أيا من مرشحي المعارضة الليبرالية المدعومة من الغرب. وعلى الرغم من ثقة الكرملين بعدم قدرة المعارضين بوريس ناديجدين، ويكاتيرينا دونتسوفا، في تشكيل حالة منافسة لبوتين، فقد استبعدا عن المشاركة في الانتخابات نظرا إلى أنهما أعلنا عن أجندة مناهضة للحرب. وللمرة الأولى لم يُسجل أي معارض ليبرالي في تاريخ روسيا بعد السوفياتية.

نهج البوتينية

شهدت نهاية التسعينات الصعود "الصاروخي" وغير المتوقع لبوتين ضابط الاستخبارات المغمور الذي اضطر إلى مغادرة ألمانيا بداية تسعينات القرن الماضي، وأقر في فيلم "روسيا: التاريخ الحديث"، أنه اضطر إلى العمل سائقا لسيارة أجرة لإعانة عائلته بعد عودته إلى سانت بطرسبورغ. وذكر بوتين في الفيلم الذي أنتجته "القناة الروسية الأولى" وعرض في ديسمبر/كانون الأول 2021 أنه: "كان يتوجب علي أحيانا كسب مال إضافي... أعني كسب مال إضافي بواسطة السيارة، بالعمل سائقا خاصا. وصدقا، الحديث عن هذا الأمر لا يسر، لكن لسوء الحظ كان هذا هو الحال".

وبدا واضحا أن بوتين القادم من مدينة القياصرة استطاع بسرعة فهم طبيعة المعادلات والصراعات في الكرملين، ما ساعده في أن يصبح خليفة بوريس يلتسين الذي أقر بتعبه في خطاب الوداع نهاية 1999 بعدما أغرق روسيا في الفوضى بسبب تحكم الأوليغارشيين في قرارات الكرملين ما أدى إلى إفقار الشعب الروسي وانتشار الجريمة والفوضى، وفتح على زيادة النزعات الانفصالية.

وبعدما ضرب بيد من حديد الانفصاليين الإسلاميين في الشيشان وداغستان، مهد بوتين الطريق للفوز بأول انتخابات رئاسية حقق فيها نسبة بلغت 53 في المئة مقابل 30 في المئة لصالح غينادي زيوغانوف زعيم "الحزب الشيوعي" الروسي.

ومع بروزه بطلا منع انهيار روسيا وحارب الإرهاب، انطلق بوتين إلى تثبيت مواقعه في الحكم، واستبعد مراكز القوى السابقة التي كانت تتحكم في القرارات. وبدأ بترتيب الأوضاع الإدارية والأمنية لطي صفحة فوضى التسعينات. واقتصاديا ساعده ارتفاع أسعار النفط والانفتاح على الغرب في تحسين الأوضاع الاقتصادية وجذب الاستثمارات. وظاهريا، بنى بوتين حملته الانتخابية الثانية في 2004 على محاربة الأوليغارشيين، وفي الواقع فإنه وضع "حيتان المال" ممن اغتنوا من برامج الخصخصة في التسعينات، والتي وصفت بأنها أكبر عملية نهب منظم في التاريخ، أمام خيارين، هما: الولاء وعدم الخوض في السياسة وتقديم كل الدعم له، أو فتح ملفات الخصخصة وبالتالي السجن أو المنفى. وتمكن بوتين من الفوز في انتخابات 2004 بنحو 66 في المئة من الأصوات مع تقلص أصوات الداعمين لنيكولاي خاريتونوف المرشح الشيوعي إلى 14.7 في المئة، أي أقل من نصف ما ناله مرشح الشيوعيين عام 2000.

تشكل الحرب في أوكرانيا المحور الأساسي لدعاية بوتين الانتخابية الحالية

ورغم اضطراره إلى تبادل الأدوار مع نائب رئيس مجلس الأمن الروسي الحالي ورئيس الحكومة في 2007، ديمتري مدفيديف، فقد بقي بوتين ممسكا بالسلطة بين 2008 و2012. وظل ممسكا بعدم تغيير الدستور لكنه استغل ثغرة في الفقرة حول عدم جواز الحكم لأكثر من فترتين متتاليتين، وقرر الترشح في 2012 لمدة ست سنوات بموجب تعديلات أقرت في عهد مدفيديف، الأمر الذي قوبل باحتجاجات واسعة في موسكو وعدد من المدن لكنها سرعان ما خفتت، وعاد بوتين إلى الكرملين بأجندة جديدة تنطلق من دور عالمي جديد لروسيا كقوة عظمى يجب مراعاة مصالحها. وعمل خلال هذه الفترة على الضغط بأقصى درجة ممكنة على المعارضة الليبرالية. 

رويترز
لافتة مؤيدة لبوتين في مدينة سيمفروبوبل في شبه جزيرة القرم في 12 مارس

وفي ظل تراجع النمو الاقتصادي واستنفاد جميع عوامل النمو على النموذج المبني على عوائد الخامات والنفط، لجأ بوتين إلى العامل القومي ونجح في احتلال شبه جزيرة القرم من دون دماء عمليا وضمها إلى روسيا، ما رفع شعبيته إلى ما فوق الـ90 في المئة، كما استغل ما عرف بـ"توافق القرم" للفوز في انتخابات 2018. ومع استنفاد فرص ترشحه لولاية خامسة عُدّل الدستور في استفتاء نُظم في صيف 2020 وسط جائحة "كوفيد-19"، وسمح له بالترشح مرتين متتاليتين، وزاد من صلاحياته كرئيس. 

بين حربين وزمنين

بمثل ما بنى بوتين حملته الانتخابية الأولى على حرب الشيشان، ونال شعبية لا توصف بعد ضم القرم، شكلت الحرب في أوكرانيا المحور الأساسي لدعايته الانتخابية الحالية. وتكفي الإشارة إلى أنه أعلن ترشحه وسط ضباط منحهم أوسمة "أبطال روسيا" لدورهم في الحرب، وجاء الإعلان تلبية لدعوة من اللفتنانت كولونيل أرتيوم جوغا، الذي يشغل منصب ممثل برلمان ما يسمى جمهورية دونيتسك الشعبية الانفصالية عن أوكرانيا، الذي أكد أن بوتين هو مرشح "نوفوروسيا"، وهي الصفة التي يطلقها بوتين والقوميون الروس على مناطق شرق وجنوب أوكرانيا التي انتزعتها الإمبراطورية الروسية في حروب استمرت لقرون مع الإمبراطورية العثمانية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مناطق زابوروجيا، وخيرسون، ودونيتسك، ولوغانسك، التي ضمتها روسيا خريف 2022، تصوت للمرة الأولى في الانتخابات الرئاسية. 
وبينما استطاع بوتين أن يثبت حكمه بعد قمع الانفصاليين في شمال القوقاز في "قضية داخلية" لم يتدخل فيها الغرب بشكل سافر في بداية الألفية، وتردد الغرب في فرض عقوبات قاسية على روسيا بعد ضم القرم وأحداث دونباس في 2014، فإن دعم الغرب الكبير لأوكرانيا وفرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا تنذر بأن الأمور لن تكون كسابقاتها، خاصة أن بوتين رهن مصير حكمه بنجاح الحرب على أوكرانيا في إطار المواجهة الأشمل مع الغرب لبناء عالم متعدد الأقطاب، مع عدد من الشعارات التي يؤكد عليها بوتين مثل الثبات على القيم المحافظة في مواجهة التفتت الأسري والمثلية الجنسية لتساعده في كسب ود المجتمع الروسي المحافظ والمتدين بطبيعته.

ستفرض نتائج الحرب تغيرات على قوى المعارضة "النظامية" التي استطاع بوتين تدجينها

ومن المؤكد أن بوتين سينجح بفارق كبير في الانتخابات المقبلة، والتي سيكتب كثيرا عن استخدام موارد الدولة وقمع المعارضين لكسبها، لكن نتائج هذه الحرب ستحدد مكان بوتين في تاريخ روسيا منذ الحقبة الإمبراطوية حتى الآن مرورا بالحقبة السوفياتية. وإذا كان بوتين يحظى بدعم شعبي واسع، ويستفيد من غياب بديل عنه يضمن الاستقرار في المجتمع والتوازنات بين النخب الحاكمة، وضعف المعارضة وتدجينها، فإن استمراره في الحكم إلى 2030 رهن بنتائج الصراع المفتوح مع الغرب، وتأثيرات الحرب الروسية على أوكرانيا على الاقتصاد الروسي الذي خالف حتى الآن جميع التوقعات، وصمد في وجه نحو 20 ألف عقوبة غربية.

ولن تقتصر نتائج الحرب في أوكرانيا على شخصية بوتين بل ستطاول النظام الذي بناه منذ عام 2000. والتغيير قادم في حال الهزيمة التي ستؤثر على تماسك النخبة، وقد تفتح على انشقاقات واسعة، وفي حال الانتصار فإن إشارة بوتين، في خطابه يوم 29 فبراير/شباط الماضي، إلى أن النخبة الحقيقية هم "أبطال العملية العسكرية الخاصة"، تدفع باتجاه عسكرة المجتمع أكثر وتعزيز دور الجيش والأجهزة الأمنية على حساب النخب السياسية والاقتصادية التي اضطرت إلى عسكرة الاقتصاد تحت شعار "كل شيء للمعركة والنصر". كما ستفرض نتائج الحرب تغيرات على قوى المعارضة "النظامية" التي استطاع بوتين تدجينها ودعمت الحرب، لكن دورها تقلص وباتت مجرد "ديكور". والأمر ينطبق على المعارضة ذات الهوى الغربي التي زادت معاناتها بعد رحيل أليكسي نافالني الذي استطاع حشد مجموعة من الشباب في إطار جهوده لمحاربة الفساد، وتمكن من ابتكار طرق انتخابية للحد من الفوز الكاسح لممثلي السلطة في الانتخابات المحلية والبرلمانية.

font change

مقالات ذات صلة