من نار التضخم إلى هاوية البطالة

من نار التضخم إلى هاوية البطالة

استمع إلى المقال دقيقة

تحمل المؤشرات الاقتصادية اليومية أخبارا لا تقل سوءا عن المشهدين السياسي والأمني في العالم، لا سيما المتعلقة بسوق العمل، البطالة، وتراجع فرص التوظيف. أسباب هذه المؤشرات متعددة: الحروب، تباطؤ النمو، الأزمات العالمية المتتالية، تراكم آثار الجائحة، الحروب التجارية، اضطرابات سلاسل التوريد، واجتياح الذكاء الاصطناعي للعقول والوظائف، إضافة الى الصراعات الجيوسياسية المفتوحة في قارات عدة.

يشير خبراء التعليم العالي وسوق العمل إلى اختلال المهارات وجمود الأنظمة التعليمية، فالجامعات غالبا تخرّج شبابا بمهارات الأمس لسوق الغد. كما يستمر الارتفاع في نسب العمل غير الرسمي، إذ يعمل أكثر من نصف سكان العالم بلا أمان وظيفي أو تأمينات اجتماعية، مما يزيد هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

ويتعاظم القلق العالمي من تداعيات الذكاء الاصطناعي، خصوصا أثر الأتمتة على سوق الوظائف التقليدية، وعلى الشباب الحديثي التخرج. يُظهر تقرير لجامعة "ستانفورد" تراجع توظيف الشباب بنسبة 16 في المئة في القطاعات التي أُدخل فيها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

كما يُتوقع أن يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي رسم سوق العمل، مؤثرًا على 35–40 في المئة من الوظائف عالميا، و60 في المئة في الاقتصادات المتقدمة، وذلك بحسب تقرير للبنك الدولي. وتعتبر الوظائف الروتينية في الصناعة، النقل، التجزئة، والخدمات الإدارية هي الأكثر عرضة للخطر، بينما يمكن التكنولوجيا أن تولّد وظائف جديدة وتعزز كفاءة العمال الحاليين، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في اتساع فجوة الدخل.

تشكل شيخوخة المجتمعات الغربية تهديدا عميقا للنمو وديناميكيات العمل، وإذا كان التضخم يختبر أعصاب صانعي القرار على المدى القصير، فإن الشيخوخة تختبر استدامة اقتصادات بأكملها على المدى الطويل

أما الشيخوخة، فتُعد معضلة المجتمعات الغربية، خصوصا في أوروبا واليابان، حيث يُشكل كبار السن نسبة كبيرة من السكان، ويُتوقع أن يبلغ متوسط عمر الفرد في اليابان أكثر من 50 عاما في عام 2030. وتعاني أسواق العمل الأوروبية من فجوة بين التقاعد المتأخر وبداية انخراط الشباب في العمل، وهذه وصفة للعطب الاقتصادي، ومن شأن استمرارها أن يهدد النمو والاستقرار. وعلى الرغم من ذلك، تتشدد الدول الأوروبية والولايات المتحدة في قوانين الهجرة منذ عام 2020، مما قلل تدفق الشباب المهاجر وساهم في نقص اليد العاملة.

هذا الواقع دفع حكام البنوك المركزية الأكبر في العالم الى تكثيف تحذيراتهم. ففي خطاب رئيس الاحتياطي الفيديرالي جيروم باول في السنة الأخيرة من ولايته، في اجتماعات "جاكسون هول"، نبه إلى تحديين مزدوجين: ارتفاع التضخم وضعف سوق العمل، مؤكدا أن الأخطار على الوظائف أصبحت ماثلة أكثر من أي وقت مضى. كما أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أن العمالة الأجنبية دعمت اقتصاد منطقة اليورو، ومن دون الهجرة كان الناتج المحلي في ألمانيا سينخفض بنسبة 6 في المئة، وسيكون نقص القوى العاملة في منطقة اليورو 3.4 مليون عامل في 2040. واعترفت لاغارد أن العمالة الأجنبية عززت اقتصاد منطقة اليورو، مما جعل سوق العمل الأوروبية تخرج من الصدمات الأخيرة بحالة جيدة على نحو غير متوقع.

وأشار محافظا بنكي اليابان وانكلترا بدورهما إلى تأثير الشح في اليد العاملة على الأجور والإنتاجية، واكدا أن الشيخوخة ليست مجرد قضية اجتماعية، بل معضلة اقتصادية مستفحلة. كل هذه المؤشرات والتصريحات تعكس الإجماع على أن الشيخوخة ليست مجرد مسألة اجتماعية، بل تشكل تهديدا عميقا، له آثاره على النمو وديناميكيات العمل.

وسط الديموغرافيا الغربية المتداعية، يسطع ضوء في العالم العربي، فعلى الرغم من كل مآسينا، ابتداءً بالإبادة في غزة والنكبات في لبنان واليمن والسودان، تتمتع الدول العربية بقوة شبابية هائلة، تشكل ثروة لا تُقدر بثمن 

يتفق خبراء صندوق النقد الدولي وصانعو السياسات على أن الإصلاحات الهيكلية، مثل الهجرة وإصلاح سوق العمل والتدريب وإعادة تصميم أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، تشكّل خط الدفاع الحقيقي. فإذا كان التضخم يختبر أعصاب صانعي القرار على المدى القصير، فإن الشيخوخة تختبر استدامة اقتصادات بأكملها على المدى الطويل. وإذا كانت البنوك المركزية تستطيع إطفاء نار الأسعار بقرارات سريعة عبر تحريك الفوائد، فإن مواجهة التحديات الديموغرافية تتطلب رؤية جذرية وطويلة الأجل، تجمع بين التكنولوجيا والهجرة وبناء رأس مال بشري قادر على تحويل "عبء الشيخوخة" إلى فرصة للنمو المستدام وتحقيق مكاسب اقتصادية حقيقية.

الشباب ثروة العرب

وسط هذه الديموغرافيا الغربية المتداعية، يسطع ضوء في العالم العربي، فعلى الرغم من كل مآسينا، ابتداءً بالإبادة في غزة والنكبات في لبنان واليمن والسودان، تتمتع الدول العربية بقوة شبابية هائلة. شابات وشباب العرب يشكلون ثروة لا تُقدر بثمن للأوطان، إذا أُحسِن تعليمهم وتدريبهم وتوجيههم بعيدا من التطرف والأحلام العقيمة، وشعارات المقاومة والمزايدات الفارغة التي دفعنا ثمنها ولا نزال ندفعه حتى اليوم. الاقتصاد والوظائف هما أساس الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وبالاستثمار في الشباب يُبنى المستقبل وتُبنى الأوطان.

font change