"صائد الشمس"... مشروع "غوغل" الذي سيعيد تشكيل عالم البيانات

القفزات الكبرى

المجلة
المجلة
إذا نجحت "غوغل"، سيتحول الفضاء إلى المصنع الأعظم والمختبر الأنقى ومصدر الطاقة الأبدي للذكاء الاصطناعي

"صائد الشمس"... مشروع "غوغل" الذي سيعيد تشكيل عالم البيانات

في جوهر الأشياء البسيطة يكمن دائما سر عميق، فكما كان الإنسان القديم يرفع بصره إلى الشمس بحثا عن الدفء والمعنى، لا يزال العقل البشري حتى اليوم يسعى إلى أسر الضوء وتحويله إلى جمال.

في قفزة تندرج تحت مسمى "مشروعات القفزات الكبرى" ومع تسارع موجات الذكاء الاصطناعي التي تبتلع طاقة هائلة، أعلنت شركة "غوغل" في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مبادرة طموحة حملت اسم "صائد الشمس" (Suncatcher Project). الفكرة تبدو مقتبسة من سيناريوهات الخيال العلمي وتهدف الى نقل جزء من قدرات الحوسبة الهائلة — أو حتى مراكز بيانات كاملة — من سطح الأرض إلى الفضاء القريب، حيث تستغل وفرة ضوء الشمس مباشرة لتشغيل وحدات معالجة مخصصة للذكاء الاصطناعي.

باختصار تقني مبسط، يقترح المشروع نشر أسراب من الأقمار الصناعية المجهزة بوحدات معالجة تينسور (TPU) أو وحدات حوسبة مماثلة تعمل بالطاقة الكهربائية المولدة شمسيا. ميزة المدار الأرضي المنخفض هنا مزدوجة: أولا الوصول إلى ضوء شمسي أكثر استقرارا من الناحية الزمنية (لا انقطاعات طويلة بسبب الليالي المتتالية أو البنية التحتية الأرضية)، وثانيا إمكان تقليل الاعتماد على شبكات توزيع الطاقة على سطح الأرض التي تواجه قيودا بيئية واقتصادية متزايدة.

إذا تم تحقيقه عمليا، فإن "صائد الشمس" لا يعد حلا لمعضلات الطاقة وحدها، بل يفتح إمكان إعادة تشكيل بنى الحوسبة العالية الأداء. انخفاض البصمة الكربونية لمراكز البيانات، تقليل الحاجة لاستخراج مياه التبريد في محطات ضخمة على الأرض، وربما خفض التكلفة البيئية الطويل الأمد لتدريب وتشغيل نماذج ضخمة — كلها نتائج محتملة لهذا النهج. لكن بين الخيال والواقع مسافة تقطعها مسائل تقنية، لوجستية وتنظيمية معقدة.

من الناحية الهندسية، هناك مسارات لتنفيذ الفكرة: استخدام ألواح شمسية واسعة النطاق على الأقمار لجمع الطاقة وتحويلها مباشرة إلى كهرباء تشغل المعالجات في المدار، أو جمع الطاقة في المدار ثم نقلها إلى محطات أرضية عبر إشعاع موجي أو ليزري أو مزيج من حلول التخزين والأنظمة الهجينة لضمان استمرارية التشغيل خلال فترات العبور أو الصيانة. كل خيار ترافقه متطلبات خاصة من حيث الكفاءة، السلامة الكهرومغناطيسية، والتعامل مع الإشعاع الفضائي وتأثيره على الإلكترونيات الحساسة.

الكوكب والذكاء الاصطناعي

مع الازدهار المتسارع للحوسبة الذكية وظهور النماذج اللغوية والتوليدية العملاقة، دخل العالم مرحلة غير مسبوقة من الطلب على القدرة الحاسوبية. هذا الاندفاع لم يمر دون ثمن. فمراكز البيانات الأرضية — التي تديرها الشركات التكنولوجية الكبرى مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" و"أمازون" — أصبحت تواجه تحديا وجوديا. هذه المنشآت باتت تمتد على مساحات تعادل مدنا صغيرة، وتستهلك كميات من الكهرباء قد تضاهي استهلاك دول كاملة، وتعتمد على أنظمة تبريد شرهة للمياه قد تبتلع سنويا ملايين الأمتار المكعبة. بفعل ذلك، تتنامى مساهمتها في الانبعاثات الكربونية وتزداد الضغوط على شبكات الطاقة الوطنية، لتتحول البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي إلى خطر مباشر على الجهود العالمية لتحقيق الحياد الكربوني.

REUTERS
تظهر محطة الفضاء الدولية مقابل الأرض بعد انفصالها عن مكوك الفضاء "ديسكوفري"، في هذه الصورة التي نشرتها وكالة "ناسا" في 5 نوفمبر 2007

في المقابل، تختلف معادلة الطاقة جذريا عند الخروج من حدود الأرض. على السطح، لا نحصل سوى على جزء محدود من ضوء الشمس بسبب تعاقب الليل، وتقلبات الطقس، وامتصاص الغلاف الجوي. أما في الفضاء، وتحديدا في المدار الشمسي المتزامن عند خط الفجر والغروب، تتعرض الأقمار الصناعية لسطوع شمسي شبه مستمر — أكثر من 99% من الوقت. هذا يعني أن كفاءة إنتاج الطاقة الشمسية تصبح أعلى بثماني إلى عشر مرات، مقارنة بالأرض، مع تقليل الاعتماد على بطاريات تخزين ضخمة، وتوفير مصدر طاقة نظيف ومستقر وقريب من غير حدود لتشغيل شرائح الذكاء الاصطناعي دون انقطاع.

الاتصالات بين الأقمار الصناعية، تعتمد على شبكة ليزر فائقة السرعة مع روابط بصرية تصل إلى 100 جيغابت/ثانية وقد ترتفع إلى عدة تيرابت/ثانية.

ورغم أن فكرة الحوسبة الفضائية ليست وليدة اليوم — فإيلون ماسك تحدث سابقا عن "مراكز بيانات في المدار"، وجيف بيزوس دعا الى نقل الصناعات الثقيلة إلى الفضاء، فيما استثمر إريك شميدت (الرئيس التنفيذي السابق لـ"غوغل") في شركات صواريخ لتحقيق هذا الاتجاه — إلا أن "غوغل" هي أول كيان تقني عملاق يطرح مشروعا محددا وملموسا، يملك خطة تنفيذية واضحة وأهدافا قابلة للقياس. وبذلك؛ لا يأتي مشروع "صائد الشمس" من فراغ، بل يحمل توقيع مدرسة "غوغل" في المشاريع الجريئة التي تجاوزت حدود التقليدي: من السيارات الذاتية القيادة، إلى الحوسبة الكمومية، وصولا إلى مشروع "لون" لتزويد العالم الإنترنت عبر البالونات.

بذلك، يتحول "صائد الشمس" من مجرد رؤية مستقبلية إلى خطوة عملية قد تغير قواعد اللعبة، ليس فقط في عالم الطاقة والحوسبة، بل في شكل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والكوكب الذي يحمله.

يرتكز المشروع على مفهوم مركز بيانات موزع في المدار، حيث يتكون من أسطول من الأقمار الصناعية الصغيرة المرتبطة بعضها ببعض لاسلكيا لتعمل كوحدة حوسبة عملاقة واحدة. بهذه البنية، يتحول الفضاء إلى منصة تشغيل هائلة للذكاء الاصطناعي بدلا من الاعتماد الحصري على البنى الأرضية التقليدية.

في جانب الطاقة، يعتمد كل قمر صناعي على ألواح شمسية عالية الكفاءة قابلة للطي توفر إمدادا مستمرا من الطاقة نظرا للتعرض الدائم تقريبا للشمس. هذا يضمن تشغيل الحوسبة دون انقطاع، ويزيل الحاجة إلى البنية الكهربائية المعقدة والبطاريات الضخمة التي تتطلبها مراكز البيانات الأرضية.

حلول مبتكرة

أما على مستوى شرائح الذكاء الاصطناعي، فيتوقع استخدام الجيل السادس من وحدات TPU Trillium v6e المصممة خصيصا لتحمل البيئة الفضائية. وقد خضعت هذه الشرائح لاختبارات إشعاع مكثفة باستخدام حزم بروتونات بطاقة 67 ميغا إلكترون فولت، وأظهرت قدرة على تحمل جرعة إشعاعية كلية تصل إلى 150 كيلو راد — أي عشرة أضعاف الحد المطلوب للمدار الأرضي المنخفض. كما أثبتت مقاومة عالية للأحداث الإشعاعية الفردية  وعمرا تشغيليا لا يقل عن خمس سنوات مع تعرض يصل إلى 750 راد، دون التضحية بالأداء أو كفاءة الطاقة.

في بيئة الفراغ التي تفتقر الى الهواء، يتطلب التبريد حلولا مبتكرة. لذلك يعتمد "صائد الشمس" على أنابيب حرارية متقدمة، ومضخات حرارية ميكانيكية صغيرة، ومشعات قابلة للنشر تقوم بتصريف الحرارة مباشرة نحو الفضاء البارد. الهدف هو إبقاء درجة حرارة الشرائح تحت 70 درجة مئوية، حتى في ظروف التشغيل القصوى.

أما الاتصالات بين الأقمار الصناعية، فتعتمد على شبكة ليزر فائقة السرعة مع روابط بصرية تصل إلى 100 جيغابت/ثانية وقد ترتفع إلى عدة تيرابت/ثانية. وتحافظ الأقمار داخل الكتلة الواحدة على مسافات تتراوح بين مئات الأمتار وكيلومتر واحد فقط، مما يسمح بزمن تأخير أقل من 1 ميلي ثانية. أما الاتصال مع الأرض، فيجري من خلال محطات ليزر أرضية وأقمار وسيطة في مدارات أعلى.

REUTERS
شعار "غوغل"

وفي ما ما يخص التوسع، تخطط "غوغل" لإطلاق قمرين تجريبيين عام 2027 بالتعاون مع شركة Planet Labs للتحقق من الأداء العملي. أما الوحدة التشغيلية القياسية المستقبلية فستتكون من كتلة تضم 81 قمرا صناعيا (9×9) ضمن حجم كروي قطره كيلومتر واحد، لتشكل مركز بيانات فضائيا واحدا يتفوق في قدرته على أكبر مراكز البيانات الحالية على الأرض. وعلى المدى البعيد، تستهدف رؤيتها إنشاء أسراب تضم عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية تشكل ما يشبه "حزام ذكاء اصطناعي" يلتف حول الكوكب.

باختصار، يقدم مشروع "صائد الشمس" نموذجا هندسيا مدروسا ومدعوما بالاختبارات والبيانات العلمية المنشورة، ويعد — حتى اللحظة — أكثر المحاولات جدية وتفصيلا لإنشاء بنية حوسبية فضائية متكاملة.

تحديات هائلة

رغم البعد الثوري والرؤية الجريئة وراء مشروع "صائد الشمس"، لا يزال يصطدم بمجموعة من التحديات الكبرى التي قد تعطل تقدمه أو تبطئ انتشاره على المدى المتوسط. أولى هذه العقبات تتعلق بتكلفة الوصول إلى الفضاء. فالإطلاق لا يزال مرتفع التكلفة بشكل كبير، إذ تتراوح التكلفة الحالية بين 1,500 و2,900 دولار للكيلوغرام الواحد. تراهن "غوغل" على أن هذه التكلفة ستتراجع إلى أقل من 200 دولار/كغ بحلول منتصف الثلاثينيات، وربما إلى أقل من 100 دولار/كغ بحلول عام 2040، وهو ما يجعل تكلفة الحوسبة في المدار منافسة — وربما أقل — من مراكز البيانات الأرضية. مع ذلك، حتى في سيناريو انخفاض الأسعار، فإن رأس المال الأولي المطلوب لإطلاق عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية، سيظل بمليارات الدولارات، مما يشكل حاجزا اقتصاديا يصعب تجاهله.

التحدي الثاني يأتي من البيئة القاسية للفضاء. ورغم نجاح شرائح معالجة الذكاء الاصطناعي من نوع TPU في اختبارات الإشعاع، فإن بعض المكونات الإلكترونية الحساسة مثل ذاكرة النطاق الترددي العالي HBM والدوائر التناظرية لا تزال معرضة لأخطاء انعكاس البت (bit-flip) وللتدهور المتراكم بمرور الوقت.

يتطلب التحكم في التجمعات الكبيرة من الأقمار الصناعية مستوى غير مسبوق من الدقة


وتشير النماذج إلى احتمال تسجيل ما بين خطأ واحد إلى عشرة أخطاء يوميا لكل تجمع مكون من 81 قمرا، مما يتطلب أنظمة تصحيح أخطاء متقدمة للغاية وتكرارا مستمرا للمهام والبيانات. تضاف إلى ذلك التقلبات الحرارية الشديدة، حيث يمكن أن يصل الفرق بين الجانب المشمس والمظلم من القمر إلى 250 درجة مئوية خلال دورة مدارية مدتها 90 دقيقة، إلى جانب صعوبة التبريد في الفراغ حيث لا تنتقل الحرارة بالحمل أو التوصيل، مما يفرض الاعتماد الكامل على الإشعاع الحراري والأنابيب الحرارية — وهي تقنيات لم تختبر من قبل على نطاق قدرة يبلغ مئات الكيلوواط في المدار.

وتبرز أيضا الأزمة المتعلقة بالحطام الفضائي. فإضافة عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية الجديدة إلى المدار الأرضي المنخفض، قد تزيد بشكل كبير كثافة الأجسام في الفضاء، مما يرفع احتمالات الاصطدامات المتسلسلة ضمن سيناريو "متلازمة كيسلر"، وهو خطر يهدد بقطع البنية التحتية الفضائية العالمية. كما أن انعكاسات الضوء من الألواح الشمسية والمشعات الحرارية قد تزعج عمليات الرصد الفلكي من الأرض، في تكرار — وربما تضخيم — للمشكلة التي تسببت فيها شبكة "ستارلينك" سابقا.

أما على مستوى الأداء، فإن زمن التأخير والربط البيني يظل تحديا معقدا. فرغم الروابط الليزرية الفائقة السرعة بين الأقمار الصناعية، التي تتجاوز 100 جيغابت/ثانية، فإن المسافات الكبيرة بين التجمعات المختلفة قد تولد زمن تأخير يتراوح بين 20 و50 ميلي ثانية، وهو ما يعتبر غير ملائم للعديد من تطبيقات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ويظل نقل البيانات من الأرض واليها هو العقبة الكبرى، إذ إن البنية التحتية العالمية الحالية للاتصالات البصرية لا تمتلك — حتى الآن — القدرة على نقل عشرات الإكسابايت يوميا التي ستحتاجها هذه الأقمار الصناعية.

يتطلب التحكم في التجمعات الكبيرة من الأقمار الصناعية مستوى غير مسبوق من الدقة. إذ يجب الحفاظ على مواقع 81 قمرا أو أكثر ضمن كرة قطرها كيلومتر واحد، وبفارق لا يتجاوز السنتيمترات، باستخدام الدفع الأيوني أو الليزري وخوارزميات تحكم موزعة قادرة على العمل حتى في حال انقطاع الاتصال بالأرض. فأي انحراف بسيط في المدار قد يؤدي إلى اصطدام كارثي داخل الكتلة نفسها.

المجهولات الهندسية الكبرى

ويبقى البعد التنظيمي والجيوسياسي سؤالا مفتوحا لا يقل تعقيدا عن التحديات التقنية. فمن سيملك هذه المراكز الحوسبية الطائرة؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية والمالية عن الحطام الفضائي الناتج من أي خلل؟ وكيف سيتم تنظيم استخدام الطيف الليزري والعبور فوق الدول والسيادة على الفضاء؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات واضحة.

ورغم كل ما سبق، تؤكد "غوغل" — وفق الوثائق التقنية المنشورة — أنها مدركة تماما حجم هذه التحديات. وتصفها بـ"المجهولات الهندسية الكبرى"، لكنها تعتبرها حوافز قوية للابتكار لا عوائق توقف التنفيذ. الرسالة التي تسعى "غوغل" لإيصالها هي أن ما يبدو اليوم مستحيلا قد يصبح غدا واقعا، إذا جرى الاستثمار في العلم والهندسة والرؤية الطويلة المدى.

إذا كتب النجاح لمشروع "صائد الشمس"، فلن يكون مجرد تحسين تقني إضافي، بل نقطة تحول تعيد تعريف مفهوم الحوسبة بالكامل. فبدلا من بناء مراكز البيانات على الأرض، قد تصبح أضخم البنى الرقمية في التاريخ تدور حول الكوكب في مدارات منخفضة، مستفيدة من وفرة الطاقة الشمسية والتبريد الطبيعي للفضاء. عندها قد ينخفض زمن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة من أشهر إلى أيام، بما يفتح الباب أمام طفرة غير مسبوقة في الطب، والمناخ، والفيزياء، والاقتصاد.

ترى "غوغل" أن المدار المنخفض للأرض هو "أفضل مكان لتوسيع نطاق الحوسبة الذكية خلال العقود المقبلة". ومن منظور الشركة، فإن الفضاء مرشح لأن يتحول إلى منطقة اقتصادية جديدة بالكامل: مراكز بيانات، وخوادم سحابية، وربما مصانع صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية المستمرة دون انقطاع.

بيئيا، تراهن الشركة على أن نشر الحوسبة في الفضاء سيقلص البصمة الكربونية والمائية للذكاء الاصطناعي بما يصل إلى 90%، مقارنة بالمراكز الأرضية الحالية. وعلى المدى القصير، قد تؤدي عمليات الإطلاق المكثفة إلى زيادة الانبعاثات مؤقتا، إلا أن "غوغل" تعول على صواريخ الميثان القابلة لإعادة الاستخدام لتخفيف هذه الآثار.

يتوقف مستقبل "صائد الشمس" على عدد من المؤشرات المحورية التي ستحدد ما إذا كان سيصبح واقعا تقنيا أم مجرد حلم طموح

إنها بداية عصر جديد تعرف فيه التقنية باسم "الحوسبة الفضائية". الفضاء لن يكون مجرد ممر للأقمار الاتصالية كما عرفناه لعقود، بل البنية التحتية الأساس للحضارة الرقمية في القرن الحادي والعشرين.

لا شك أن نجاح هذا المشروع سيطلق سباقا فضائيا جديدا. فحالما تثبت الفكرة جدواها، لن تبقى "غوغل" منفردة في السماء. من المتوقع ظهور سباق عالمي على "البيانات الفضائية" بين عمالقة التقنية مثل "مايكروسوفت" و"ميتا" و"أمازون"، وشركات الفضاء مثل "سبيس إكس" و"بلو أوريجين"، ودول بأكملها مثل الصين وأوروبا والهند. ومع الزمن قد يتشكل خلال 15–20 عاما "حزام ذكاء اصطناعي" يطوق الأرض، يعمل ليل نهار بطاقة الشمس ويشغل اقتصاد المستقبل… والسؤال الحتمي: من ستكون القوة المسيطرة على هذا الحزام؟

REUTERS
شعار "غوغل" يظهر في منشأة أبحاث تابعة للشركة في ماونتن فيو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية

يتوقف مستقبل "صائد الشمس" على عدد من المؤشرات المحورية التي ستحدد ما إذا كان سيصبح واقعا تقنيا أم مجرد حلم طموح، فأول اختبار حاسم سيكون إطلاق القمرين التجريبيين في عام 2027. نجاحهما في تشغيل وحدات المعالجة لفترات طويلة مع السيطرة على الحرارة والإشعاع، سيمنح المشروع دفعة تمويلية هائلة وثقة دولية، أما الفشل فقد يؤجل التنفيذ من خمس إلى عشر سنوات.

لم يعد خيالا

العائق الأكبر الذي تراقبه الصناعة هو منحنى تكلفة الإطلاق. ما لم تنخفض التكلفة إلى أقل من 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف الثلاثينيات، ثم إلى أقل من 100 دولار بحلول 2040، ستظل المراكز الفضائية أغلى بكثير من الأرضية. كما أن التقدم في التقنيات الداعمة سيكون محوريا: أنظمة تبريد فعالة في الفراغ، اتصالات ليزرية موثوق بها وسريعة بين الأقمار، أنظمة دفع دقيقة للحفاظ على التجمعات المدارية، وحلول فعالة للتعامل مع الحطام الفضائي.

ويبقى التحدي الأصعب هو الإطار القانوني والتنظيم الدولي: من يملك مراكز البيانات التي تدور فوق دول متعددة؟ من يتحمل المسؤولية عند حدوث حطام؟ وكيف ستنظم استخدامات الليزر العالية الطاقة في المدار؟ أي تعقيد تشريعي كبير يمكنه إيقاف المشروع لسنوات. وأخيرا، رد فعل المنافسين سيكون عاملا حاسما. فالجهة التي تطلق أول مركز بيانات فضائي فعلي ستستحوذ على الجزء الأكبر من السوق لعقد على الأقل.

خلال الفترة من 2025 إلى 2030 سيتم تحديد مصير المشروع. فإذا تحقق 70% من هذه الشروط، فمن المرجح أن يظهر أول مركز بيانات فضائي تجاري قبل نهاية الثلاثينيات. أما إذا تعثرت، فستظل الحوسبة الفائقة الضخامة محصورة على الأرض لعقد إضافي على الأقل.

ما كان يوما خيالا علميا — أسراب من الأقمار الاصطناعية الصغيرة تحمل شرائح ذكاء اصطناعي وتعمل مباشرة بطاقة الشمس — أصبح اليوم ورقة بحثية رسمية تحمل توقيع "غوغل"، وموعد إطلاق أوليا، وخطة هندسية قيد التنفيذ.

"صائد الشمس" ليس مجرد مشروع تكنولوجي، بل إعلان أن مراكز البيانات التقليدية الشاسعة، واستهلاك المياه والكهرباء الهائل، وتخصيص مساحات أرضية ضخمة، قد تصبح مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الحوسبة. وربما خلال سنوات قليلة ننظر إلى هذه البنى الجبارة بالطريقة نفسها التي ننظر بها اليوم إلى الأقراص الممغنطة أو شرائط الكاسيت: ابتكارات خدمت عصرها ثم تجاوزها الزمن.

إذا نجحت "غوغل"، فسيتحول الفضاء إلى المصنع الأعظم والمختبر الأنقى ومصدر الطاقة الأبدي للذكاء الاصطناعي. والطريق إلى ذلك طويل ومليء بالتحديات الهندسية والاقتصادية والقانونية والأخلاقية. لكن للمرة الأولى لم يعد السؤال: هل يمكن تحقيق ذلك؟ بل أصبح: من سيصل أولا؟

font change

مقالات ذات صلة