عرضان مسرحيان لافتان في "موسم الرياض"... بين ضحك حي وجمال مصقول

القصبي يتألق في "طال عمره" و"ويكد" عمل فكري مغلف بالجمال

عرضان مسرحيان لافتان في "موسم الرياض"... بين ضحك حي وجمال مصقول

في "موسم الرياض" هذا العام، كان لنا موعدان مع خشبة المسرح: شكل الأول مفاجأة جميلة، في حين كان الثاني تجربة في الكمال المصقول.

المفاجأة أتت من المسرحية الكوميدية "طال عمره"، وهي من إنتاج شركة "صلة" والمنتج والمشرف الفني محمد الباز. أخرج هذا العمل المخرج الكويتي يوسف البغلي، المعروف بأعماله الكوميدية والغنائية السابقة في الكويت والخليج، وقد نجح هنا في تقديم عرض يتميز بهزل ذكي، وإيقاع سريع لا يترك مجالا للملل، وجرأة في مقاربة قضايا صارت تهم المجتمع السعودي اليوم.

الميراث

هي قصة عائلة سعودية ثرية من الرياض تعيش من أموال الجد البخيل وممتلكاته، لكن الأخير يمر بأزمات صحية خطيرة، وكما في كل مرة لا يوافيه الأجل، في حين أن الجميع في حاجة إلى جزء من الميراث.

الفكرة والقصة من إبداع الإعلامية والكاتبة السعودية بدرية البشر، فيما كتب الحوار السريع والذكي والخفيف الظل، أحمد الزهراني. يشارك في المسرحية ثلة من الممثلين المشهورين، منهم ناصر القصبي، وفايز المالكي، صاحب الشخصية الشعبية الشهيرة "أبو ملحة"، إضافة إلى حبيب الحبيب وعبير فهد ووليد قشران وهيفاء ناصر وعجيبة الدوسري ونايف العنزي.

إذا كان أداء جميع الممثلين جديرا بالتقدير، فإن بطولة ناصر القصبي تضفي على هذا العمل، إشعاعا ملحوظا. يتميز القصبي بحضور استثنائي. تماهيه مع دور الأب، الخفيف الظل الفاشل في استثماراته، الذي يتسلى بعلاقة هاتفية مع عشيقة شابة، وينتظر وفاة والده، مدهش بقدرته على الإقناع. جسد هذا الستيني يحافظ على مرونة لافتة، فهو ينحني ويقفز ويرقص كأنه شاب عشريني، ويتحرك على الخشبة ككتلة طاقة نابضة، تنعكس حيويتها على زملائه والجمهور معا.

يتماهى القصبي مع دور الأب الخفيف الظل الفاشل في استثماراته وينتظر وفاة والده، وهو مدهش بقدرته على الإقناع

تدوم المسرحية ساعتين ونصف الساعة، وهي سهرة عائلية لجميع أفراد الأسرة، اجتمعت لمشاهدتها في "مسرح بكر الشدي" بالبولفار في الرياض أطياف متعددة: الأم وابنتها، حديثو العهد بالزواج، مجموعة من الشباب، وغيرهم من التوليفات المختلفة. يتبع العرض نموذج المسرحيات الكوميدية العربية الشهيرة: تصفيق لدى ظهور كل ممثل أو ممثلة، ديكور ثابت لبيت عائلي لا يتغير إلا قليلا، بعض الارتجال، والضحك المتصل خلال السهرة التي بنيت بشكل يسمح باستراحة خفيفة للمشاهدين. لكن المواضيع المطروحة ليست سطحية، بل هي بالعكس، مثيرة للاهتمام في بلد يمر اليوم بمرحلة تجديد واسع وعميق.

الكوميديا لمعالجة مواضيع حارقة

من بين هذه المواضيع، التنامي السريع لمدينة الرياض وأثر التطور العمراني وازدحام المدينة على جودة الحياة، وهو ما يطرحه القصبي في دور الأب بسخرية ناجحة منذ الثواني الأولى من العرض، فيخلق منذ البداية رابطا قويا مع جمهور هذه المدينة.

تعالج المسرحية أيضا عدم التكافؤ بين مكانة الرجل واعتباره في المجتمع من جهة، ومكانة المرأة والنظرة المجتمعية إليها من جهة أخرى. اعتمدت المسرحية في العديد من المواضع، تتالي موقف مربك يعيشه رجل، فيقابل بالتسامح وحتى بالمزاح، وموقف مماثل أو معادل تمر به شخصية نسائية فنرى غضب العائلة تجاهها ورغبة الأهل في عقابها، مما يعكس المسلمات المجتمعية السائدة.

يتطرق العرض كذلك بشجاعة إلى موضوع النقاب، فيبرز خلافا بين الحفيد وزوجته في خصوص ارتداء النقاب، وتبعات لبسه على عمل الزوجة، وحريتها في لبسه من عدمها، وتدخل الأب في اتجاه ترك الحرية للمرأة في اتخاذ هذا القرار.

@foochia
"طال عمره"

وفي بلد يتميز بتأصل التقاليد التجارية وتوق شبابه إلى زيادة مداخيلهم من خلال التجارة، تلتفت المسرحية، مع توظيف الهزل والسخرية، إلى مسألة ريادة الأعمال وأخطارها، من خلال شخصية الابن المغامر دون روية في فتح المشاريع الفاشلة، التي يتحمل الأب تبعاتها.

تطرح مسرحية "طال عمره" كذلك موضوع الغربة والغرابة، بما في ذلك الغربة بين سكان البلد الواحد، بين سكان مدينة الرياض وسكان مدينة جدة، وغربة الأجانب بالنسبة إلى السعوديين، إذ اختار العرض أن يخصص مكانا في الحبكة لظهور عاملة منزلية فيلبينية ولتوظيف اللغة العربية الهجينة (البيدجن) المستخدمة من قبل العمال في المملكة. هذا الاختيار يفتح باب التأويل، ويضع المتفرج أمام معالجة تحتمل أكثر من قراءة، من دون أن تفرض عليه موقفا أخلاقيا جاهزا، تاركة له مساحة للتفكير في حدود السخرية ووظيفتها.

بصفة عامة، تميزت السينوغرافيا بإحكامها، من توظيف موارد تكنولوجية مهمة (الشاشة التي تظهر المكالمات الهاتفية للأب مع عشيقته أو الفأر المتحرك عن بعد في البيت القديم الذي تنتقل إليه الأسرة)، إلى إخراج يفسح مجالا واسعا لحركة الجسد، خاصة عبر مشاهد تتجمد فيها الشخصيات في وقفات تشكيلية مدروسة، قبل استئناف الزمن المسرحي، مرورا بتتالي المشاهد في إيقاع سريع لا يترك مجالا لتسرب الملل إلى المتفرج.

يعكس العمل مستوى الحرفية العالية التي يتميز بها جميع الممثلين وفريق الإنتاج. لذا، يبدو صالحا لعروض عديدة إضافية، وحتى في فضاءات عربية أوسع

زين العرض بلوحة رقص عصري جميلة أداها راقصون محترفون من جنسيات مختلفة، حسب ما صرح به المخرج، يوسف البغلي. كما أشار المخرج إلى أن هذا العرض المتميز تطلب شهرا واحدا من البروفات، بعد فترة تحضير محكم، وهو ما يعكس مستوى الحرفية العالية التي يتميز بها جميع الممثلين وفريق الإنتاج. لذا، يبدو العمل صالحا لعروض عديدة إضافية، وحتى في فضاءات عربية أوسع.

@foochia
"طال عمره"

"ويكد" (Wicked) وموعد مع الكمال

لم يكن مفاجئا أن المسرحية الغنائية الاميركية، "ويكد" (الساحرة الشريرة) التي قدمت أيضا ضمن "موسم الرياض"، كانت مثالية على جميع المستويات: الغناء والرقص والديكور والسينوغرافيا وتتابع المشاهد بسلاسة بارعة. هي نموذج من المسرحيات الغنائية المصنوعة في الولايات المتحدة بإتقان إلى أبعد الحدود.

عرضت هذه المسرحية أول مرة عام 2003، في مسرح "جورج غرشوين"، في حي برودواي بنيويورك، كثمرة تعاون بين ستيفن شوارتز وويني هولزمان، ثم عرضت في لندن بحي "الوست اند" المعروف بمسارحه، وهناك ترسخ نجاحها، وأصبحت واحدة من أنجح المسرحيات تجاريا ونقديا، وعرضت في جولات عالمية واسعة.

وفي إطار تعاون مشترك بين الهيئة الملكية لمدينة الرياض وشركةBroadway Entertainment Group (BEG)، توقف فريق هذا العمل، في إطار جولته ببلدان الخليج، في "مركز الملك فهد الثقافي" بالرياض لتقديم العرض العالمي خلال شهر ديسمبر/كانون الاول 2025 حتى 3 يناير/كانون الثاني 2026.

لا شك أن التجربة الجمالية للعرض، تتعزز برونق هذا المركز الذي اكتسب، بعد تجديده العام الماضي، هوية معمارية مميزة تستلهم الطراز السلماني وتعيد تشكيل الزخارف النجدية بأسلوب معاصر، وتسنح للضيوف باستخدام مناطق التذاكر والمقهى والصالات في عنصر معماري مستوحى من تضاريس وسط المملكة، ومكسو بالطين المضغوط.  

يتغذى هذا العرض من جذوره الممتدة إلى أعمال روائية كتبت للأطفال، لكنها تحمل بعدا فلسفيا في طياتها

هكذا، جلس الضيوف، صغارا وكبارا، بعد مرورهم بهذا الفضاء البديع وفي ترحيب متميز بحفاوته، ليشاهدوا العرض الذي انطلق في موعده المحدد بدقة زمنية متناهية.

قصة عن المحاباة والحقيقة

تبدأ حكاية "ويكد" في أرض "أوز" بعد إعلان موت الساحرة الشريرة للغرب. لكن الساحرة الطيبة غليندا، التي يلتف من حولها السكان في هذا الاحتفال، تدعوهم إلى العودة بالزمن وإلى الإصغاء إلى القصة الخفية لعلاقة صداقة معقدة بينها، هي غليندا الفتاة الجميلة والاجتماعية والطموحة، التي تجيد اللعب بقواعد السلطة والشعبية، وبين ألفابا، الفتاة ذات البشرة الخضراء، البنت الذكية والحساسة والمتمردة، التي تهمش بسبب اختلافها. تلتقي الفتاتان المتناقضتان في جامعة "شيز"، وتنشأ بينهما صداقة متقلبة، تتحول تدريجيا إلى تضاد أخلاقي وسياسي، يذكيه تنافسهما على حب شاب واحد – فيالو – متردد بين النقيضين.

ملصق "ويكد"

تتحرق ألفابا التي تبدي مؤهلات سحرية متقدمة، إلى لقاء ساحر "أوز". لكن عندما يكتب لها أن تحقق حلمها، تكتشف أن هذا الساحر والحاكم في الوقت نفسه، يبني شرعيته على القمع وصناعة الخوف، خصوصا تجاه المخلوقات المختلفة. ترفض ألفابا الانخراط في هذه اللعبة، فتشيطن إعلاميا وتصنف كساحرة شريرة، بينما تختار غليندا طريق التكيف مع السلطة، حتى لو كان الثمن التخلي عن جزء من الحقيقة.

هنا بالذات تكمن بنية مسرحية "ويكد" الفكرية، فهي ليست حكاية عن ساحرة خضراء، بقدر ما هي سردية عن السلطة واللغة وإشكالية الشر. يتغذى هذا العرض من جذوره الممتدة إلى أعمال روائية كتبت للأطفال، لكنها تحمل بعدا فلسفيا في طياتها، حيث اقتبست المسرحية الغنائية من رواية الكاتب الأميركي غريغوري ماغواير الصادرة سنة 1995 بعنوان "ويكد: حياة وأوقات الساحرة الشريرة في الغرب"، والمقتبسة بدورها من رواية "ساحر أوز العجيب" للكاتب فرانك بوم، الصادرة سنة 1900.ولا شك في أن عبور هذه الأعمال للقرن العشرين الحافل بمصائب النازية والحرب الباردة والإرهاب وبظهور الإعلام كسلطة رابعة نافذة، أكسب تلقيها نضجا فكريا ينعكس على الأحداث في العرض.

تبرز المسرحية كيف يعاد ترتيب القيم، فيصبح إرضاء الناس فضيلة أعلى من الحقيقة. تقول غليندا في أحد المشاهد: "ما أحبه هو أن أجعل الناس سعداء". جملة تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تكشف في العمق منطقا كاملا للحياة العامة، حيث لا تعني السعادة الإخلاص للحق بل الشعبية. قبل تحولها لاحقا في الحكاية، لا تنشد غليندا من الحياة سوى أن تكون محبوبة ومحل إعجاب الغالبية، ومعترفا بها اجتماعيا، حتى لو كان ذلك على حساب جوهر الأشياء.

في المقابل، تدفع ألفابا منذ نشأتها إلى موقع الاختلاف والنقيض. فهي التي ولدت خضراء اللون، هيأتها الحياة كي لا تكون معنية بأن ترى جميلة أو مقبولة، بل زرعت فيها بذرة الدفاع عن الحق. ما يحرك ألفابا ليس التصفيق أو الانتماء إلى الجماعة، بل العدالة.

ومن هنا تتشكل الفكرة الأساس للعمل: من خلال تهميش ألفابا وشيطنتها وملاحقتها، نرى أن المجتمع لا يعاقب الشرير بقدر ما يعاقب المختلف، ولا يخشى القبح بقدر ما يخشى من يرفض قواعد اللعبة.

يمر هذا العمق الفكري كله عبر عرض مصقول إلى حد الترف. فكل شيء يعمل كما ينبغي: المواهب حاضرة، الأصوات قوية، الرقص متقن، والإيقاع لا يخطئ

يتجلى هذا المنطق بوضوح في خصوص الحيوانات داخل عالم "أوز". فهذه الكائنات، التي كانت تتكلم وتدرس وتشارك في الحياة العامة، في تناغم بين جميع الكائنات الحية على اختلافها، تدفع تدريجيا إلى الصمت. تقول مساعدة ساحر "أوز": "الحيوانات يجب أن ترى لا أن تسمع"، مشيرة بذلك إلى نزع الصوت كآلية مألوفة في كل نظام يخشى النقد. ويقول ساحر "أوز": "في بلادي نؤمن بأشياء كثيرة ليست صحيحة، ونسميها التاريخ"، فاضحا استخدام اللغة، والسردية الروائية، والتاريخ كأدوات دعائية، يعاد تشكيلها حسب من يملك السلطة.

عمق فكري مغلف بجمال مصقول

يمر هذا العمق الفكري كله عبر عرض مصقول إلى حد الترف. فكل شيء يعمل كما ينبغي: المواهب حاضرة، الأصوات قوية، الرقص متقن، والإيقاع لا يخطئ، وإيفا شانو ولسن الممثلة التي تلعب دور غليندا، هي التجسيد الحي لكل ذلك، فهي راقصة باليه وممثلة تجيد  الفنين، كما أنها تنعم بوجه صبوح وبقامة نحيفة تستجيب إلى قوانين الموضة العصرية.

تبرهن المسرحية أن الموهبة هبة، لكنها أيضا ثمرة عمل منضبط – كما يقول نص العرض ذاته – وربما لهذا السبب بالذات تبدو الأسئلة التي تطرحها أقل إزعاجا مما قد نتخيل. فحين يقدم التمرد داخل قالب مثالي، يحتوى، ويحد من قلق المتفرج، وهو ما يتماشى مع هذا العرض الموجه حتما للكبار، لكنه موجه الى الصغار بدرجة أولى، حيث يزرع فيهم بهدوء هاجس العدالة والصدق.

تبقى لحظة تحليق غليندا في الهواء وانتشار بقية الممثلين في القاعة ليشيروا إليها بسباباتهم، خلال أدائها الأغنية الشهيرة "تحدي قانون الجاذبية" Defying Gravity لحظة فارقة تكسر حاجز الحائط الرابع وتخاطب مباشرة وجدان المتفرجين، فهي انفلات مؤقت من النظام، صرخة في فضاء مضبوط، وتذكير بأن الكمال، مهما بلغ، لا يعوض تلك اللحظة التي نختار فيها ألا نكون شعبيين، بل أحرارا.

font change