ماذا بعد حرب ترمب الخاطفة على فنزويلا؟

واشنطن تستبعد ترشيح ماتشادو لخلافة مادورو وتفضل نائبته اليسارية رودريغيز

رويترز
رويترز
عقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤتمراً صحفياً بحضور وزيري الدفاع والخارجية ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال، عقب الضربة الأميركية التي استهدفت فنزويلا وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، فلوريدا، 3 يناير 2026.

ماذا بعد حرب ترمب الخاطفة على فنزويلا؟

في عملية عسكرية اتسمت بالدقة والحسم، تمكنت القوات الخاصة الأميركية من تحييد مراكز الاتصالات في ثلاث من المدن الفنزويلية الكبرى لفصل "رأس الأفعى الفنزويلية"، نيكولاس مادورو، عن جسده (الجيش). وبعد ضربات سريعة ومتتالية استهدفت مدن كاراكس وميراندا ولاغويرا، اقتحمت القوات القصر الرئاسي ومحيطه في أقل من ثلاثين دقيقة وخرجت سريعا ومعها الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس مكبلين ونقلتهما إلى مروحية أقلتهما إلى نيويورك حيث سيمثلان أمام محاكمها. ووفقا للائحة الاتهام الصادرة عن وزارة العدل الأميركية، ظل زعماء فنزويلا على مدى أكثر من 25 عاما يسيئون استخدام مناصبهم في تهريب المخدرات إلى أراضي الولايات المتحدة. وتزعم اللائحة أنه منذ 1999، اشترك مادورو وأعوانه مع عصابات تهريب المخدرات الدولية، ومنها عصابتا سينالوا وزيتا المكسيكيتان، وتجار المخدرات في كولومبيا وعصابة تران دي أراغوا الفنزويلية، في شحن المخدرات إلى الولايات المتحدة. وأشارت اللائحة إلى أن النخب العسكرية قد أثرت من توفير الحماية والدعم اللوجستي لمهربي المخدرات. وذكرت على سبيل المثال أن مادورو دأب إبان توليه منصب وزير الخارجية بين عامي 2006 و2008، على استصدار جوازات سفر دبلوماسية لعدد من زعماء تهريب المخدرات لمساعدتهم في نقل إيرادات بيع المخدرات من المكسيك إلى فنزويلا باستخدام طائرات خاصة تحت غطاء دبلوماسي. وذكر المحققون الأميركيون أن مادورو وزوجته فلوريس تعاونا معا على مدى سنوات في تهريب الكوكايين الذي سبق أن ضبطته السلطات في بلدهما من خلال مجموعات خاصة ترعاها الدولة، وأنهما أمرا بتنفيذ عمليات خطف وضرب وقتل لأولئك الذين أحجموا عن دفع ثمن هذه المخدرات أو حاولوا تقويض تحركاتهم.

فور وصول المروحيات إلى مجمع الرئاسة، تعرضت لإطلاق النار لكنها لم تتأثر واستطاعت عناصر النخبة والـ"إف بي آي" اقتحام المبنى حيث استسلم مادورو وزوجته وتم القبض عليهما

وتضاف هذه الاتهامات إلى قائمة أخرى صدرت ضد مادورو وعدد من مساعديه في مارس/آذار عام 2020 إبان ولاية ترمب الأولى. وأصر مادورو على نفي هذه الاتهامات ودعا مرارا إلى حوار مع واشنطن التي صعدت الضغوط على نظامه خلال الأشهر الأخيرة بل وزادت المكافأة المرصودة لإلقاء القبض على مادورو. كما أدرجت عصابة لوس سوليس الفنزويلية على قائمة المنظمات الإرهابية. وما لبثت المحكمة الجنائية الدولية أن عكفت على التحقيق في اتهامات للحكومة الفنزويلية بارتكاب جرائم تعذيب وأعمال عنف جنسية واعتقالات تعسفية.

فنزويلا بلا رأس

وتركت الضربات الأميركية البلاد بلا زعيم بعد أن قطعت التيار الكهربائي عن العاصمة كاراكاس أثناء تنفيذ عملية الاقتحام، ووجهت ضربات سريعة ومتزامنة لقاعدة لاكارلوتا ولقيادة الجيش في فويرتي تيونا. وبعدها أعلن الرئيس ترمب على منصته "تروث سوشيال" أن العملية تمت بنجاح وتم اعتقال مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد. وتعتقد أجهزة المخابرات الأميركية أن فلوريس، زوجة مادورو، هي العقل المالي المدبر والمدير للحسابات الخارجية لـ"تنظيم الشموس"، أو "لوس دي سيلوس" الذي يضم نخبة من العسكريين والمسؤولين المتورطين في تهريب المخدرات.

أ ف ب
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (في الوسط) برفقة عملاء إدارة مكافحة المخدرات الأميركية داخل مقر إدارة مكافحة المخدرات الأميركية في مانهاتن السفلى، نيويورك، في 3 يناير 2026

وبتأكيده على أن العملية تمت بالاشتراك مع سلطات تنفيذ القانون وفقا لمذكرة "إرهاب المخدرات" الصادرة عن وزارة العدل التي سبق أن أعلنت عن مكافأة بقيمة 15 مليون دولار لمن يساعد في اعتقال مادورو، حل ترمب نفسه من الحاجة إلى الحصول على تفويض رسمي من الكونغرس بإعلان الحرب. فمن الناحية الفعلية، لم يقدم ترمب على غزو فنزويلا، لكنه قام بالقبض على مجرم هارب من العدالة الأميركية. وعلى النقيض من الغزو البري للعراق، اقتصرت العملية على استهداف مراكز القيادة والسيطرة في البلاد. وجاءت هذه الضربة تتويجا لحرب حقيقية شنتها واشنطن على مدى الأربعة أشهر الماضية في عملية أسمتها "الرمح الجنوبي"، استهدفت خلالها الكثير من قوارب التهريب وسفن النفط الفنزويلية، وفرضت خلالها حصارا بحريا وجويا على البلاد. وقبل الضربات بنحو 24 ساعة، خرج مادورو على التلفزيون الفنزويلي ليتهم الولايات المتحدة بالسعي إلى سرقة احتياطيات النفط في بلاده.

رئيس أركان القوات المسلحة الأميركية الجنرال دان كين قال إن عملية "العزم المطلق" تمت تحت جنح الليل حيث انطلق ما يقرب من 150 طائرة من 20 قاعدة جوية موزعة في نصف الكرة الغربي صوب فنزويلا وعلى متن بعضها أفراد "قوة الانتشال" الخاصة التي تضم بعض عناصر إنفاذ القانون، وحلقت على ارتفاع 100 قدم فوق سطح الماء. وأضاف كين أن المروحيات  كانت محاطة بالحماية من سرب طائرات أخرى ومسيرات وقاذفات قنابل. وأوضح أن هذه القوة قامت بتفكيك وتعطيل الدفاعات الجوية الفنزويلية ونشر أسلحة أخرى للتأكد من توفير ممر آمن للمروحيات المتجهة إلى الهدف. وفور وصول المروحيات إلى مجمع الرئاسة، تعرضت لإطلاق النار لكنها لم تتأثر واستطاعت عناصر النخبة والـ"إف بي آي" اقتحام المبنى حيث استسلم مادورو وزوجته وتم القبض عليهما.   

وبهذا يصبح الطريق ممهدا أمام وصول الولايات المتحدة إلى حزام أورينوكو الذي يمتد على طول الشريط الجنوبي لفنزويلا على مساحة تزيد على 55 ألف كيلومتر مربع والذي يقبع فوق أكبر احتياطي للنفط الخام في العالم تقدر كمياته بنحو 1200 مليار برميل. وتدار فنزويلا الآن من قبل نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، بموجب قانون الطوارئ المسمى "حالة الاضطرابات الخارجية".

اعتقال مادورو لم يمس بالقواعد الشعبية والسياسية لنظامه في البلاد، لاسيما منصبي وزير الدفاع والداخلية اللذين يحتلهما أقوى مساعدي مادورو

ترمب قال في مؤتمر صحافي عقب الإعلان عن العملية إن الولايات المتحدة ستقوم بإدارة فنزويلا مؤقتا والتأكد من العودة إلى تدفق النفط إلى الخارج بسلاسة. ولفت إلى أن ثمة اتصالات جارية مع نائبة الرئيس رودريغيز التي قال إن لديها الرغبة في أن "تفعل ما نعتقد أنه ضروري لكي تصبح فنزويلا عظيمة مجددا". وكانت رودريغيز ضمن من استهدفتهم العقوبات الأميركية سابقا لدورها "في تقويض الديمقراطية في البلاد".

وفي ضربة للمعارضة الفنزويلية، أشاد ترمب برودريغيز وأكد أن زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو الحاصلة على جائزة "نوبل للسلام" العام الماضي، لا تحظى بالشعبية الكافية لإدارة البلاد. وكشف أن رودريغيز أجرت محادثات مطولة مع وزير خارجيته ماركو روبيو وأبدت استعدادها "لتنفيذ كل ما نريد". ترمب برر تجاهله لماتشادو بأنه لا يمكنه المخاطرة بأن يتولى أي شخص آخر لا يضع مصلحة الشعب الفنزويلي في الاعتبار.

وألمح ترمب إلى أن رودريغيز قد أدت اليمين الدستورية كرئيسة للبلاد وفقا للدستور رغم عدم نشر أي أنباء عن ذلك في وسائل الإعلام الفنزويلية. بيد أن على رودريغيز أن تمضي على حبل مشدود بين عدم الظهور أمام الحزب الحاكم كخائنة لعهد رئيسها المخطوف وبين عدم المغامرة بتحدي الرئيس ترمب ورفض الرضوخ لمطالبه، وهو ما تجلى في خطابها العلني الذي وصفت فيه ما حدث بأنه "أمر فظيع يمثل انتهاكا للقانون"، داعية إلى إعادة الرئيس مادورو وزوجته. بيد أنها ترتبط بعلاقات قوية مع "وول ستريت" ومع الجمهوريين المنخرطين في صناعة النفط.

رويترز
تحدثت نائبة رئيس فنزويلا ووزيرة النفط ديلسي رودريغيز إلى وسائل الإعلام في كاراكاس، فنزويلا، في 10 مارس 2025.

بداية التدخل الأميركي المباشر        

كما أن اعتقال مادورو لم يمس بالقواعد الشعبية والسياسية لنظامه في البلاد، لاسيما منصبي وزير الدفاع والداخلية اللذين يحتلهما أقوى مساعدي مادورو اللذين خرجا في تحد للضربة الأميركية، مؤكدين أن كل شيء تحت السيطرة. ودعا كلاهما عناصر الجيش والشرطة إلى الحفاظ على النظام. 

ومن المتوقع أن تكون هذه العملية هي مجرد بداية للتدخل الأميركي المباشر على أعلى مستوى في فنزويلا، لاسيما وقد أعلن ترمب تشكيل فريق خاص لإدارة البلاد. 

وتمثل هذه المغامرة تطبيقا عمليا لمبدأ مونرو الذي تبناه ترمب في استراتيجية الأمن القومي التي أعلنها مؤخرا والتي يركز فيها بدرجة أكبر على نصف الكرة الغربي بما يشكله من درع خلفي لأمن الولايات المتحدة. ونفذ ترمب هجومه وعينه أيضا على كولومبيا وكوبا اللتين حذر قيادتيهما من عواقب الإحجام عن التعاون مع إدارته. لكنه أصبح الآن يتحمل مسؤولية ما سيحدث في فنزويلا، وما سيواجهه من تحديات تضمن الانتقال الآمن والحكيم للسلطة في بلد تنتشر فيه الكثير من العصابات والتنظيمات الخارجة عن القانون.

التداعيات على الداخل الفنزويلي ستكون مؤلمة إذ سيستغرق شعور المواطن بالفارق بين ما فات وما هو آت سنوات عديدة وذلك إذا التزمنا جانب التفاؤل الذي يستبعد خروج الوضع عن السيطرة وانهيار أركان النظام وتشرذم البلاد وتفككها

وثمة رسائل تتضمنها العملية الأميركية على الصعيد الدولي حيث قطعت الطريق على تمدد النفوذ الإيراني والروسي والصيني في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، كما استعرضت بشكل عملي كفاءة وسطوة القوة الأميركية التي اهتزت صورتها في العراق وأفغانستان. 

ولم يتأخر ترمب كثيرا في الكشف عن غايته الأخرى من الإطاحة بمادورو، حيث أعلن أن الشركات الأميركية ستعود إلى فنزويلا. إلا أن هذه الشركات لن تتمكن من ذلك إلا بعد أن تعيد واشنطن صياغة العقوبات المفروضة على كاراكاس والتي تتضمن من بين بنود أخرى منع فنزويلا من استخدام نظام التحويلات المالية الأميركي الدولي "السويفت"، وبعد أن يستقر الوضع الأمني في البلاد. وإذا سيطرت الولايات المتحدة على مصادر النفط في فنزويلا، فلا يعرف بعد كيف ستتعامل مع الصادرات وإدارة الإيرادات، وما إذا كان من الممكن تحويلها إلى حساب مغلق تستطيع الحكومة المنتخبة فقط الوصول إليه.

رويترز
شخص يرفع صورة تصور زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، بينما يحتفل الناس بعد أن شنت الولايات المتحدة غارة على فنزويلا وألقت القبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، في سانتياغو، تشيلي، في 3 يناير 2026

بيد أن عملية القرصنة والخطف التي قامت بها إدارة ترمب تدق آخر مسمار في نعش التعددية الدولية والقانون الدولي. ففي الوقت الذي تثبت فيه بشكل صارخ عجز النظام العالمي عن كبح جماح الرغبات الاستعمارية المتأججة لدى القوى العظمى، باتت تنذر أيضا بأن يصبح هذا التغول على سيادة الدول وقادتها ممن يرفضون السير في ركاب الكبار نمطا ومنهاجا مألوفا قد يمارسه الأقوياء على الضعفاء.   

كما أن التداعيات على الداخل الفنزويلي ستكون مؤلمة إذ سيستغرق شعور المواطن بالفارق بين ما فات وما هو آت سنوات عديدة وذلك إذا التزمنا جانب التفاؤل الذي يستبعد خروج الوضع عن السيطرة وانهيار أركان النظام وتشرذم البلاد وتفككها على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان.

وبقدر ما ستصبح فنزويلا اختبارا لاستراتيجية التفوق الأميركي في المنطقة وما إذا كانت ستحقق مزايا استراتيجية حقيقية للولايات المتحدة، بقدر ما ستحفز الصين وروسيا خاصة على التحوط بإعادة تكييف استراتيجياتهما إزاء الحلفاء. 

ويبدو أن إدارة ترمب تراهن على ما ستحدثه هذه الضربة من هلع في نفوس أركان النظام الموالي لمادورو والذين سيواجهون الملاحقات القضائية أو العقوبات وفقدان الحماية السياسية، ومن ثم سيسعون إلى التفاوض على الخروج الآمن  أو الحصول على عفو محدود أو النفي إلى بلد آخر مقابل تسليم السلطة لحكومة منتخبة. أو أن إدارة ترمب تتفاوض سرا مع عناصر من الحكومة لتولي إدارة البلاد وفقا للمسار الذي ترسمه الولايات المتحدة لها. أو أن البلاد ستواجه ما يخشاه الجميع من تحدي فلول النظام والتنظيمات المسلحة للإملاءات الأميركية والدخول في حرب عصابات قد يطول أمدها وقد تجر البلاد إلى مستنقع مجهول.

font change

مقالات ذات صلة