على مدى أكثر من قرن، شكّلت أميركا اللاتينية ساحة لاختبار رؤى متباينة حول مفاهيم مثل السيادة والتدخل، وترتيبات النظام في نصف الكرة الغربي. وقد أعادت التصريحات الأخيرة لرئيس الولايات المتحدة، دونالد ترمب، التي وجّه فيها إنذارات إلى فنزويلا وكولومبيا والمكسيك وكوبا، إحياء توترات كان كثيرون في المنطقة يأملون أن تكون صفحتها قد طويت. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات جاءت بلغة أمنية، فإنها تطرح تساؤلات أعمق تتصل بالقانون الدولي، والاستقلالية الإقليمية، ومدى قدرة مبدأ عدم التدخل على الصمود في نصف الكرة الغربي.
وفي مركز هذا القلق، يبرز ما بدأ بعض المعلقين والمحللين يطلقون عليه، بشكل غير رسمي، اسم "مبدأ دونرو" وقد بدأ استخدام هذا المصطلح، الذي يجمع بين اسمي دونالد ومونرو، يشيع في وسائل إعلام من بينها "نيويورك بوست" منذ منتصف عام 2025، لوصف النهج الحازم الذي يتبناه الرئيس ترمب في سياسته الخارجية تجاه الأميركتين، ولا سيما عقب الضربة الأميركية ضد فنزويلا.
ولا يُعد هذا المبدأ عقيدة منصوصا عليها في القانون أو واردة في وثيقة رسمية بقدر ما هو توصيف يستخدمه الصحافيون والمحللون للإشارة إلى ما يرونه تحولا في سلوك الولايات المتحدة الإقليمي. ويشير المصطلح، في الاستخدام الرائج، إلى تركيز على الهيمنة القارية، ومقاومة النفوذ الخارجي لقوى مثل الصين، وتوفر الاستعداد لاستخدام أدوات اقتصادية وقانونية ودبلوماسية قسرية.
ويستند هذا التوصيف إلى إرث "مبدأ مونرو" الصادر عام 1823، الذي وضعه الرئيس جيمس مونرو لمناهضة التدخل الاستعماري الأوروبي في نصف الكرة الغربي. ولا تعني الإشارات المعاصرة إلى "مبدأ دونرو" ظهور قاعدة قانونية جديدة، بل تعكس إعادة تفسير حازمة لأفكار قديمة حول مناطق النفوذ، بما يعيد تشكيل كيفية اختبار السيادة في الممارسة، لا كيفية تعريفها في النصوص القانونية. وهذا الفارق جوهري لفهم الجدل القانوني المصاحب للتحركات الأميركية الأخيرة.
من العقيدة القارية إلى ممارسات الإنفاذ
بينما لا يتوقف الباحث القانوني الدولي ألونسو غورميندي دونكلبرغ المتخصص في قانون استخدام القوة، عند مصطلح "دونرو" بحد ذاته، نجده يركّز في أعماله على دراسة الإرث المتأخر لـ"مبدأ مونرو" ضمن الجدل القانوني الدولي، مدرجا الممارسات الأميركية الراهنة في إطار أوسع من النقاشات حول معيار "غير الراغب أو غير القادر" ويُستخدم هذا المفهوم الإشكالي لتبرير اتخاذ إجراءات خارج الحدود، حين يُعد بلد ما عاجزا عن التعامل مع تهديدات أمنية يعتقد بوجودها داخل أراضيه. وبموجب هذا المنطق، لم تعد السيادة تُعتبر مطلقة، بل أصبحت خاضعة لتقييم خارجي يترتب عليه ردود فعل مبنية على ذلك التقييم.




