رحيل سامية الزرو رائدة فن الشارع الفلسطيني

جداريات أشبه بجدران مستعارة

صراع ونزاع، 1985

رحيل سامية الزرو رائدة فن الشارع الفلسطيني

"الرسم وحده لا يكفي". هذا ما يقوله فنانون من عصرنا. اختلفت أساليبهم وتقنياتهم، غير أن منهجهم ظل وفيا لتلك الفكرة التي لم تعد بعد الأميركي روبرت راوشنبرغ غامضة. ولكن لماذا؟ لأن هناك الكثير من الفوضى والعبث في العالم.

ذلك ما آمنت به سامية الزرو وطبّقته منذ عام 1990. كانت تمد يدها إلى مختلف المواد لتستعملها في انجاز أعمالها. أصباغ ومعادن وخشب وأنواع مختلفة من الأقمشة لتؤالف ما بينها.

تلك ألفة من نوع مختلف، فهي قائمة على الضجيج. مَن ينظر إلى اعمالها للمرة الاولى لا بد أن يصدمه ذلك الصخب الصادر عن ارتطام المواد، بعضها بالبعض الآخر، وكأن الفنانة يسليها ما يحدث. إلا أن حقيقة الأمر أنها وجدت في ذلك الصخب معادلا موضوعيا لأفكارها التي تسعى إلى التعبير عنها من خلال الصورة.

وبسبب ذلك الصراخ الذي يمكن أن يُحَس فإن الزرو غالبا ما كانت تلجأ إلى الأحجام الكبيرة لتفريغ شحناتها التعبيرية.

جمهورها يقيم في الشارع

صنعت الزرو التي انتقلت إلى العالم الآخر الخميس الماضي جداريات. أولا، لأن موادها لا يمكن لوحة صغيرة أن تتسع لضجيج تصادمها، وثانيا لأن قضيتها أكثر سعة على مستوى التداول الشعبي من مساحة لوحة صغيرة لا تُعرض إلا على عدد محدود من متذوقي الفن.

تضعنا الفنانة في مواجهة أزمة لطالما حيرت النقاد حين ألحقوا الفن التشكيلي الفلسطيني بالسياسة ومارسوا في حقه شتى صنوف الإهمال

العمل الفني بالنسبة إلى زرو هو مناسبة للتفاعل مع أكبر عدد ممكن من الجمهور. وهنا لا بد من أن نركز على مصطلح الجمهور الذي لا يُراد من خلاله الإشارة إلى النخبة التي تتذوق الفن. لم يكن للفنانة جمهورها المحدود، بل كانت تحرص دائما على أن تعرض أعمالها في مكان يرتاده أكبر عدد ممكن من الناس ولو عابرين.  جمهورها هم أولئك العابرون.

رسامة ونحاتة ومصممة وبنائية ومتفاعلة مع الفنون اليدوية في فلسطين. هذا كله هو سامية الزرو التي يمكن اعتبارها رائدة في فن الشارع.

القضية التي لا نهاية لها، 1980

إنسانية من أكبر من السياسة

ولدت سامية نديم الزرو في نابلس بفلسطين عام 1938. انتقلت إلى رام الله مع عائلتها عام 1948. حصلت على منحة لدراسة الفن في الجامعة الأميركية ببيروت وتخرجت عام 1957، وكانت قبل ذلك تميل إلى دراسة الطب. عام 1961 ذهبت إلى واشنطن لإكمال دراستها الفنية في جامعة "كوركورن".

عملت الزرو في مجال التدريس الجامعي في الأردن. اما معارضها فكثيرة، وقد احتفت بها غير مرة المؤسسات الفنية الفلسطينية والعربية.

الغريب أن الزرو لا تعتبر نفسها فنانة سياسية. فهي تعتقد أن السياسة غالبا ما تخون القيم والمبادئ الإنسانية. لذلك تنظر إلى فنها من جهة كونه فنا إنسانيا يدافع عن قضية شعب يطالب بحقه في أن يعود إلى أرضه المغتصبة. وهنا تضعنا الفنانة في مواجهة أزمة لطالما حيرت النقاد حين ألحقوا الفن التشكيلي الفلسطيني بالسياسة ومارسوا في حقه شتى صنوف الإهمال.

تقول الزرو: "لست سياسية ولم أنو توظيف فني في خدمة السياسة". ذلك ما يجب أن نتعامل معه إيجابيا. فهي لا ترسم مثل اسماعيل شموط أو تمام الأكحل. ذلك صحيح. فهي لا ترسم بطريقة رمزية. ولكنها ترسم شعارات الانتفاضة كأنها تعيشها. وقد كانت تعيشها من خلال صخب موادها وخاماتها.

 instagram
الألوان والخطوط في تركيبات الفنانة سامية الزرو التجريدية في بينالي الدرعية للفن المعاصر، 2024

سامية الزرو فنانة تجريبية. ولأنها كانت تميل إلى العلم قبل اتجاهها إلى الفن، فإنها لا تجد أنهما يتقاطعان بل يكمل أحدهما الآخر. "أتعامل مع الفن باعتباره علما"، تقول.

كان درس الخامات والمواد أهم دروسها. وهي في ذلك انما تستجيب لطريقتها في التفكير الفني القائمة على النظر إلى العمل الفني كونه جزءا من البيئة التي تحيط به. لذلك هو مركب من أشياء يغلب أحيانا عليها التناقض ليكون وفيا لتلك البيئة، مخلصا لوظيفته في التصدي لأمراضها.

وهنا أيضا يبرز الجانب الإنساني، باعتبار أن العمل الفني ينبعث من داخل الحالة الإنسانية ولا يقف بمعزل عنها.

جداريات أشبه بجدران مستعارة

تركز سامية الزرو على الجانب الفكري في العملية الفنية. فهي ترى أن الفنان لا يزيد جمالا على جمال الطبيعة. ما يفعله أنما يتعلق بمشاعره وأفكاره، "أي عمل لا يوجد فيه فكر لا يدوم"، تقول. وهي من جهة أخرى تعتقد أن هناك علاقة راسخة بين الفن والتاريخ، إذ تقول "الفن يسجل التاريخ منذ أيام الكهوف. ولو لم يكن هناك فنون لما توصلنا إلى أية معلومة عن تاريخ الشعوب". وفي ما يتعلق بتجربتها في ذلك المجال تقول: "أرسم لتسجيل التاريخ أولا وخلق تفاعل بيني وبين المشاهد عن فترة زمنية معينة ينبثق منها حديث وحوار متواصل".

نجحت في نقل الحدث من مستواه اليومي إلى المستوى الذي يمثل من خلاله رؤية شاملة لإنسانية معذبة تقاتل دفاعا عن حريتها وحقها في البقاء

وعلى أساس تلك النظرة، يمكننا أن نفهم اهتمامها الواسع والعميق بالانتفاضة الفلسطينية وظاهرة أطفال الحجارة. فهي إضافة إلى تواصلها الوجداني العميق مع تلك الظاهرة، لم تفصل الفكرة عن جمالها، وهي التي تؤكد أن الجمال موجود في كل شيء. كانت لديها جملة صادمة، "الجمال موجود حتى في كومة زبالة". لذلك نجحت في نقل الحدث من مستواه اليومي إلى المستوى الذي يمثل من خلاله رؤية شاملة لإنسانية معذبة تقاتل دفاعا عن حريتها وحقها في البقاء.

في تلك الفترة رسمت كأنها تتشبه بأطفال الشوارع الذين يرسمون ويكتبون على الجدران ما يعبر عن احتجاجهم قبل أن يهربوا. كانت جدارياتها أشبه بجدران مستعارة.

التزام إنساني

"من جنين إلى غزة"، كان ذلك عنوان أحد معارضها. وهو ليس استثناء من جهة مباشرته وتأكيده الهوية. الزرو فنانة فلسطينية وهي ترى أن الفن حين يسجل التاريخ، يبدأ بالأحداث اليومية، وفي ظل ذلك تحرص على أن تخاطب جمهورا واسعا هو الجمهور الذي لا يقع الاهتمام بالفن ضمن اهتماماته.

في ذلك تمثل الفنانة نمطا من الفنانين الذين يجدون في المباشرة في التعبير عن التزامهم الإنساني تجسيدا لقوة ارتباطهم بهويتهم الوطنية. وكان لذلك النمط من الفنانين تأثيره في صوغ لوحة فلسطينية بملامح واضحة.

القضية التي لا نهاية لها، 1983

من المؤكد أن هناك مسافة تفصل بين فنان وآخر من فناني ذلك الاتجاه. وهو ما حرصت عليه الزرو، حين ارتبط أسلوبها بتقنيتها الشخصية في استعمال المواد والخامات المختلفة ومحاولتها الاستفادة من الفنون اليدوية الفلسطينية وقيامها في غالب الأحيان بتنفيذ أعمال جدارية كبيرة.

سامية الزرو، بلا عنوان، 2010

لوحة سامية الزرو يمكن تمييزها من غير الحاجة للتعرف الى توقيعها. غير أن ذلك لا يمنع من أن تكون الفنانة جزءا من تيار فني فلسطيني وضع أمامه هدفا وطنيا وهو تأكيد الهوية الفلسطينية التي يسعى العالم إلى طمسها، وذلك هدف نبيل ينسجم مع طريقة الزرو في التفكير الفني.

لأنها تؤمن بعلاقة الفن بالتاريخ، وجدت أن ارتباطها بوقائع ثورية يومية هو السبيل الأمثل لتأكيد معاصرتها

وضعت الزرو نصب عينيها أن تؤكد فلطينيتها، من خلال معاصرتها. وهو جانب لا يمكن اعتباره ثانويا في تجربتها، فالفنانة مزجت بين طرفي المعادلة التي قامت عليها حياتها وتجربتها الفنية.    

 instagram
الفنانة سامية الزرو في بينالي الدرعية للفن المعاصر، 2024

صنعت فنا معاصرا وحافظت على خطابها الفني المباشر ولم تجد تناقضا. بل العكس هو ما حدث. فلأنها تؤمن بعلاقة الفن بالتاريخ، وجدت أن ارتباطها بوقائع ثورية يومية هو السبيل الأمثل لتأكيد معاصرتها.

وهنا بالضبط تقع أهمية فن سامية الزرو، كونه يمثل موقفا من التاريخ في اتجاهين، التاريخ الشخصي الذي أكدت من خلاله الفنانة هويتها، والتاريخ العام الذي تسللت من خلاله إلى معاصرتها. 

font change