الجيش الباكستاني والدور المتزايد في الشرق الأوسط

تمكنت باكستان من الحفاظ على تحالفات تبدو متناقضة من دون الانحياز لطرف ضد آخر، ما جعلها مؤهلة للعب دور الجسر بين دول عربية وغير عربية

رويترز
رويترز
جنود من "مجموعة الخدمات الخاصة" (SSG) خلال العرض العسكري بمناسبة يوم باكستان في إسلام آباد، باكستان، 23 مارس 2022

الجيش الباكستاني والدور المتزايد في الشرق الأوسط

لعب الجيش الباكستاني في العالم العربي والشرق الأوسط على الدوام دورا كبيرا ثابتا منذ تأسيسه عام 1947، حين ورث سياسة الجيش الهندي البريطاني في ما كان يعرف بسياسة "شرق السويس". غير أن هذا الدور ظل لعقود محصورا في التدريب والتعاون مع الحلفاء الأساسيين، وفي مقدمتهم السعودية والأردن، وإلى حد أقل سوريا والعراق.

وخلال العام الماضي، أحالت إدارة الرئيس دونالد ترمب جزءا كبيرا من دبلوماسيتها الدفاعية إلى الجيش الباكستاني وقائده، المشير عاصم منير. ولم يقتصر حضور منير على صفته العسكرية، بل برز أيضا باعتباره "القناة الدبلوماسية الأبرز"، سواء عبر تهدئة التوتر مع إيران خلف الكواليس، أو عبر لعب دور محوري في محادثات السلام الخاصة بغزة، حيث أثنى ترمب عليه علنا وأشاد بمكانته بين كبار الشخصيات الدولية.

وقد التقى الجيش الباكستاني بقيادة منير خلال الأسابيع الماضية القيادة السعودية وقائد الجيش الليبي خليفة حفتر، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني مرتين، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إلى جانب مسؤولين من دولة الإمارات العربية المتحدة. كما تدخل لتهدئة التوتر في اليمن. وانتقل الجيش الباكستاني من كونه موفرا تقليديا للأمن إلى لاعب يستخدم دبلوماسيته الدفاعية لطرح حلول محتملة في جغرافيات متعددة تمتد من شمال أفريقيا إلى الانفراج الإيراني الخليجي. هذا الموقع المتطور قد يجعل من الجيش الباكستاني قوة استقرار رئيسة في زمن إقليمي بالغ الاضطراب.

باكستان والقوى الأساسية في الشرق الأوسط ... إرث تاريخي

القدرات العسكرية الهائلة لباكستان كدولة حديثة الاستقلال بعد تقسيم الهند البريطانية كانت في جوهرها امتدادا لإرث عسكري تشكل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث خدم عدد كبير من جنودها في وحدات الجيش الهندي البريطاني في القدس وعمان وبغداد والقاهرة ومسقط.

قبل أيام قليلة فقط، وجدت باكستان نفسها في قلب أزمة اليمن، خلال زيارة رسمية إماراتية إلى باكستان. وعلى الفور، تحركت إسلام آباد بقيادة قائد الجيش عاصم منير للوساطة

ومن أبرز سمات هذا الإرث أن المؤسسة العسكرية كانت دائما صاحبة اليد العليا في رسم السياسة الخارجية لباكستان. ونتيجة لذلك، أصبحت باكستان اليوم الشريك العسكري الأكبر لعدد من دول الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية وتركيا والبحرين والعراق والأردن وعمان.

وتتفاوت طبيعة هذه التحالفات: فالسعودية ترتبط مع باكستان بمعاهدة دفاع مشترك، فيما تستقدم البحرين ما لا يقل عن نصف قواتها المسلحة من باكستان، وكذلك تفعل عمان. أما العراق، فقد تلقى طياروه تدريبات في باكستان، إلى جانب تدريبات مكافحة الإرهاب، وشكرت الحكومة العراقية إسلام آباد على مساعدتها في هزيمة تنظيم "داعش" بعد تحرير الموصل.

وتؤكد تركيا باستمرار أن باكستان حليف. ورغم الصفقة العسكرية الأخيرة بين باكستان وخليفة حفتر، خصم أنقرة في ليبيا، فإن الأدميرال جهاد يايجي، أحد أبرز المقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان، شدد على أنه من غير المتصور أن تتصادم تركيا وباكستان. كما استخدمت باكستان علاقاتها الوثيقة بالسعودية على مدى عقود للوساطة مع إيران. وقبل عقود، لعب الجيش الباكستاني دورا رئيسا في التوسط لإنهاء الحرب العراقية-الإيرانية، وهو ما أثنى عليه الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رفسنجاني صراحة.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والرئيس آصف علي زرداري وهما يُسلمان معًا شارة المشير لرئيس أركان الجيش الجنرال سيد عاصم منير خلال حفل أقيم في القصر الرئاسي، في 22 مايو 2025

كل ذلك جعل باكستان تصل اليوم إلى موقع ناضج بعد نحو ثمانين عاما من الانخراط مع قوى الشرق الأوسط، تمكنت خلالها من الحفاظ على تحالفات تبدو متناقضة من دون الانحياز لطرف ضد آخر، ما جعلها مؤهلة للعب دور الجسر بين دول عربية وغير عربية، وبين الخصومات العربية البينية داخل المنطقة.

عام 2026 ودور باكستان كجسر وقوة لفض النزاعات

قبل أيام قليلة فقط، وجدت باكستان نفسها في  قلب أزمة اليمن، خلال زيارة رسمية إماراتية إلى باكستان. وعلى الفور، تحركت إسلام آباد بقيادة قائد الجيش عاصم منير للوساطة. كما استفادت باكستان من علاقتها بتركيا لتهدئة التوتر مع الخليج بعد مرحلة "الربيع العربي"، وأدركت حدود دورها كوسيط وحليف في آن واحد، بالنظر إلى تحالفاتها العسكرية الممتدة لعقود مع أطراف باتت اليوم على ضفتين متقابلتين في صراعات مثل ليبيا واليمن. ففي ليبيا، أبرمت إسلام آباد أخيرا واحدة من أكبر صفقات الدفاع في مرحلة ما بعد معمر القذافي، بقيمة أربعة مليارات دولار، وتشمل مقاتلات ودبابات وطائرات تدريب عسكرية، إضافة إلى أعمال حفر نفطي بحري باستخدام صناعات الدفاع الباكستانية.

وقد دفعت هذه الصفقة بعض المراقبين إلى التساؤل عن وضع العلاقات التركية-الباكستانية، خصوصا أن أنقرة تدعم رسميا حكومة طرابلس. غير أن مقربين من أردوغان أوضحوا أن الصفقة تمت بموافقة تركية مسبقة، في ظل تنامي دور أنقرة مع حفتر، وأشاروا إلى دور باكستان في ترتيب لقاءات بين حفتر الابن ومسؤولين اتراك خلال زياراته الأخيرة إلى إسلام آباد.

تحدثت مصادر غير رسمية في تركيا والسعودية وباكستان عن احتمال انضمام أنقرة إلى التعاون بين الرياض وإسلام آباد

وبطبيعة الحال، كانت باكستان الشريك العسكري الأكبر لتركيا في دعم أذربيجان ضد أرمينيا، وهي شريك رسمي في تطوير برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس.

أما اليونانيون، فقد دأبوا على الشكوى من تدخلات باكستان العسكرية وتوغل طائراتها في أجواء ومياه بحر إيجه، في مؤشر إلى استعداد إسلام آباد لمساندة أنقرة في مواجهة التهديدات على حدودها.

هل توحد باكستان السعوديين والأتراك في قوة واحدة؟

تحدثت مصادر غير رسمية في تركيا والسعودية وباكستان عن احتمال انضمام أنقرة إلى التعاون بين الرياض وإسلام آباد. وقد وردت هذه المعلومات في وكالة "بلومبرغ" وعدد من وسائل الإعلام التركية المقربة من الحكومة. لكن لم يصدر شيء رسمي في هذا السياق. واليوم، تنسق باكستان مع السعودية في اليمن والسودان وليبيا، وربما في سوريا أيضا.

وعلى صعيد غزة، يواصل ترمب الإشارة إلى دور الجيش الباكستاني كقوة محتملة لقيادة المرحلة المقبلة. وفي تقرير حديث لصحيفة "فايننشيال تايمز" وُصف الجيش الباكستاني بأنه "أكبر الرابحين" في إعادة تشكيل دوائر النفوذ الجيوسياسي داخل محيط ترمب في عالم يزداد اضطرابا.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ورئيس أركان الجيش والمشير سيد عاصم منير والرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض في 26 سبتمبر 2025

كما كثفت مصر والأردن انخراطهما الرسمي مع باكستان، إذ عقد الملك عبدالله والرئيس السيسي اجتماعين مع القيادة الباكستانية خلال شهر واحد. ويُعد الجاران المباشران لغزة عنصرين أساسيين في أي مرحلة ثانية من خطة غزة. وقد أدى تقاربهما العلني مع الجنرال منير، إلى جانب اعتماد ترمب المتزايد على الجيش الباكستاني، إلى تسليط الأنظار دوليا نحو القيادة العسكرية العليا في باكستان، ترقبا لشكل السلام الذي قد يتبلور في المستقبل.

ومع انطلاقة عام 2026، يشهد العالم حالة غير مسبوقة من عدم اليقين، من الحروب الأهلية في الشرق الأوسط إلى خطة السلام الخاصة بغزة التي لم تتبلور بعد. ومع ذلك، فقد رسخ الجيش الباكستاني موقعه من البيت الأبيض إلى بلاد الشام.

font change