" كتاب الحفلة" لعبد الله ثابت والذاكرة بوصفها ملعبا

كرة القدم من الملعب إلى النص

عبد الله ثابت وكتابه "الحفلة"

" كتاب الحفلة" لعبد الله ثابت والذاكرة بوصفها ملعبا

ينتمي الشاعر والكاتب عبد الله ثابت إلى جيل سعودي تشكل وعيه عند تخوم الشعر والسرد والمقالة، وتكوّن صوته عبر احتكاك طويل بالهامش والأسئلة القلقة والوقائع اليومية التي تختبر بالكلمة قبل أي تصنيف. ولد في أبها عام 1973، المدينة التي تركت في كتابته أثر التضاريس والضباب وتجاور العزلة مع الانفتاح، فصار النص عنده مساحة اختبار للذات وهي تعاين العالم من زوايا غير مطمئنة.

في مشروعه حضور دائم للإنسان الفرد وهو يواجه الذاكرة والجسد والمدينة، عبر لغة تميل إلى الكثافة والتشظي، وتراهن على المفارقة والسخرية المرة. كتابته تقترح قارئا مشاركا، يعيد ترتيب المعنى مع كل صفحة، ويختبر الأدب كفعل حي يتجدد مع كل قراءة.

يأتي إصدار ثابت الجديد، "كتاب الحفلة: كرة القدم إحماء الذاكرة والكلمات"، الصادر عن دار "تشكيل" في الرياض (2025)، بوصفه نصا يقع في منطقة وسطى بين الأدب والتأمل الثقافي والسيرة الوجدانية، منطقة تتعامل مع كرة القدم باعتبارها حدثا رمزيا كثيف الدلالات، يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ويتسرب إلى اللغة والذاكرة والتاريخ. منذ العنوان، يضع الكاتب القارئ أمام تصور مغاير للعبة، يتعامل معها بوصفها "حفلة" ذات طقس إنساني شامل، وبوصفها أيضا فعلا لإحماء الكلمات قبل اندفاعها في النص، كما تحمى الأجساد قبل الدخول في المباراة.

يبدو هذا الكتاب، امتدادا عضويا لمشروع عبد الله ثابت الكتابي، الذي عرف بجرأته في تفكيك المسكوت عنه، وبانحيازه إلى مناطق التوتر بين الفرد والعالم، وبين الذاكرة والواقع.

تتحول المباراة إلى احتفال إنساني شامل، تتداخل فيه الأجساد والأصوات والذاكرة والصور

غير أن الجديد هنا يتمثل في اختيار كرة القدم مادة للتأمل الأدبي، مادة كثيرا ما أهملت نقديا أو جرى التعامل معها بوصفها شأنا ترفيهيا محضا، بينما يعيدها الكاتب إلى قلب السؤال الإنساني، ويمنحها كثافة شعرية ومعرفية لافتة.

ثالوث الجسد والذكاء والحيلة

يمثل عنوان الكتاب عتبة تأويلية غنية، تتداخل فيها مفردتان تحملان شحنتين مختلفتين: "الحفلة" و"كرة القدم". فالحفلة تشير إلى الاجتماع والطقس والفرح والصخب والمشاركة الجماعية، في حين تحيل كرة القدم على اللعبة الأكثر شعبية وانتشارا في العالم. الجمع بين المفردتين، يفتح أفقا جديدا للقراءة، إذ تتحول المباراة إلى احتفال إنساني شامل، تتداخل فيه الأجساد والأصوات والذاكرة والصور.

أما الجملة التوضيحية، "إحماء الذاكرة والكلمات"، فتكشف البعد الأدبي العميق للكتاب. فالإحماء هنا فعل تمهيدي واستعداد للدخول في منطقة توتر أعلى، سواء على مستوى الجسد أو على مستوى اللغة. كأن الكاتب يقول إن الذاكرة تحتاج إلى تمرين، وإن الكلمات تحتاج إلى استعداد قبل أن تلقى في ساحة النص. في هذا المعنى، يتحول الكتاب إلى مساحة تدريب لغوي ووجداني، تستدعى فيها مشاهد الطفولة وأصوات الملاعب وصور اللاعبين، بوصفها مفاتيح لفتح خزائن الذاكرة.

غلاف كتاب "الحفلة"

ينطلق عبد الله ثابت من فكرة مركزية مفادها أن كرة القدم تمثل واحدة من آخر المواجهات النبيلة في التاريخ الإنساني المعاصر، مواجهة تقوم على الجسد والذكاء والحيلة، وتستعيد شيئا من الروح البدائية الأولى للإنسان. هذه الرؤية تمنح اللعبة بعدا أنثروبولوجيا، وتجعلها امتدادا لصراعات الإنسان الأولى، حين كان الجسد أداة أساسية للوجود والمنافسة وإثبات الذات.

في نصوص الكتاب، تتحول المباراة إلى مشهد كوني، تتقاطع فيه الإرادة الفردية مع الحلم الجماعي، ويتجلى فيه التوتر بين الهزيمة والانتصار، وبين المجد والانكسار. فيصبح الملعب مسرحا رمزيا، تعرض عليه حكايات البشر، من فرحهم المؤقت إلى خيباتهم المتكررة، يقول الكاتب: "كرة القدم بقدر ما هي رياضة، بقدر ما هي مادة خام للحكايات الإنسانية، مصدر لا ينضب للدراما والتراجيديا والكوميديا. كل لاعب يحمل في مسيرته قصة تستحق أن تحكى، وكل مباراة تحمل في طياتها عناصر الدراما الكلاسيكية: البطل والشرير، الصراع والحل، الصعود والسقوط... إنها تذكرنا بأن الحياة نفسها فيلم طويل، وكرة القدم واحدة من أبطاله وأجمل مشاهده". في هذا السياق، يعيد الكاتب تعريف كرة القدم بوصفها لغة عالمية، تتحدثها الشعوب دون مترجم، وتفهمها القلوب قبل العقول.

يصبح الملعب مسرحا رمزيا، تعرض عليه حكايات البشر، من فرحهم المؤقت إلى خيباتهم المتكررة

يشغل مفهوم الذاكرة مساحة مركزية في الكتاب، ليس بوصفه استرجاعا نوستالجيا عابرا، وإنما بوصفه فعلا كتابيا واعيا، يعيد ترتيب الماضي وفق حساسية الحاضر. يستدعي الكاتب مشاهد الطفولة الأولى، متابعة المباريات، أسماء اللاعبين، الأهداف العالقة في الذهن، الأصوات المنبعثة من المذياع أو الشاشة، ويحولها إلى مادة سردية ذات بعد شعري.

REUTERS/Daniele Mascolo
لاعب بولونيا ريكاردو أورسوليني خلال الحصة التدريبية لفريقه، 21 ديسمبر 2025، الرياض، السعودية

الذاكرة هنا ملعب مواز للملعب الحقيقي، تجرى فيه مباريات من نوع آخر، مباريات بين ما كان وما صار، بين الحلم الأول والواقع الراهن. لتتحول كرة القدم إلى وسيلة لفهم الزمن، وكيف تتراكم الطبقات الشعورية داخل الإنسان، وكيف يمكن لمشهد هدف قديم أن يستدعي عمرا كاملا من الأسئلة والمشاعر.

ولعل اللافت في هذا الكتاب اشتغاله على اللغة، حيث يمزج عبد الله ثابت بين نبرة التعليق الرياضي بما تحمله من حماسة وانفعال، وبين حساسية شعرية عالية تنصت إلى التفاصيل الصغيرة والهامشية. فاللغة هنا متوترة وحيوية، تتحرك بين الجملة القصيرة المتسارعة والجملة التأملية الممتدة، في إيقاع يوازي إيقاع المباراة ذاتها، حيث يتحدث بإسهاب عن أبرز اللاعبين السعوديين بوصفهم فرسانا، من سالم الدوسري والهائل نواف ويوسف الثنيان وخليل الزياني، بالإضافة إلى جانب أبطال العالم من مارادونا وميسي ورونالدو وكريستيانو وبيكهام وغيرهم.

يستثمر الكاتب مفردات اللعبة من مثل "التمرير" و"التسديد" و"الجماهير" و"الحكم"، ويعيد شحنها بدلالات جديدة، تجعلها أدوات للتفكير في الحياة والعدالة والمصادفة. هكذا تتحول اللغة الرياضية إلى لغة أدبية قادرة على التعبير عن الهشاشة الإنسانية، وعن الرغبة في الفوز، وعن القبول بالخسارة بوصفها جزءا من التجربة.

 

الجماعة في مواجهة الفرد

يحمل مفهوم "الحفلة" في الكتاب بعدا اجتماعيا عميقا، إذ يشير إلى لحظة التقاء الأفراد داخل جماعة واحدة تشترك في الانفعال والهتاف والانتظار ذاته. في هذه اللحظة يذوب الفرد داخل الكتلة، ويجد نفسه جزءا من كيان أكبر يهتز ويصرخ ويفرح في آن.

هكذا تتحول اللغة الرياضية إلى لغة أدبية قادرة على التعبير عن الهشاشة الإنسانية، وعن الرغبة في الفوز، وعن القبول بالخسارة بوصفها جزءا من التجربة

يتأمل عبد الله ثابت هذه اللحظة بوصفها لحظة كاشفة، تظهر حاجة الإنسان إلى الجماعة والانتماء والمشاركة الوجدانية. ويتحول الملعب إلى فضاء اجتماعي مفتوح، تتساوى فيه الأصوات، وتعلق فيه الفوارق والتراتبيات، ولو لساعتين. وهو ما يمنح الكتاب قيمة ثقافية تتجاوز حدود الرياضة نحو قراءة الاجتماع الإنساني في أكثر صوره عفوية وصدقا.

يربط الكتاب كرة القدم بالحنين إلى الإنسان الأول، الذي كان يعتمد على جسده ومهارته في المواجهة. في زمن تهيمن فيه الشاشات والأسلحة الذكية وأزرار التحكم عن بعد، تأتي اللعبة بوصفها فعلا جسديا خالصا، يذكر الإنسان بقدميه وتوازنه ونفسه وحدود جسده وإمكاناته. هذا الاستدعاء يمنح الكتاب أفقا فلسفيا، يضع اللعبة في مواجهة العالم التقني المعاصر، ويطرح سؤالا حول معنى الجسد في زمن الافتراض، وحول الحاجة المستمرة إلى طقوس تعيد الإنسان إلى أصله الحسي. لتبدو كرة القدم، في هذا السياق، كأنها مقاومة صامتة ضد اختزال الإنسان إلى مستخدم أو رقم.

REUTERS/Stringer
لاعب فريق النصر كريستيانو رونالدو، 2 يناير 2026

يقرأ هذا الكتاب ضمن المسار العام لتجربة عبد الله ثابت، الكاتب الذي عرف بقدرته على استخراج الأسئلة من داخل التفاصيل اليومية. فقد كشفت أعماله السابقة عن حساسية عالية تجاه العنف الرمزي والهوية والذات المعاصرة. تتخذ هذه الأسئلة، في عمله الأخير هذا، شكلا أكثر ليونة من حيث الصوغ، مع احتفاظها بعمقها الدلالي، وتمر عبر كرة القدم بوصفها وسيطا ثقافيا جامعا. كما يكشف هذا التحول عن مرونة في المشروع الكتابي، وعن رغبة في توسيع أفق الكتابة والانفتاح على موضوعات تبدو مألوفة، غير أن معالجتها الأدبية تكشف عن طبقات عميقة من المعنى.

قراءة بصرية موازية

يحمل غلاف الكتاب دلالة بصرية منسجمة مع روحه الداخلية. الألوان الصريحة، وحضور أجساد اللاعبين في أوضاع حركة، وإيحاء الاحتفال، كلها عناصر تحيل على فكرة الحفلة واللعب والاندفاع. حيث يوحي الغلاف بوصفه نصا موازيا، يهيئ القارئ للدخول إلى عالم تتجاور فيه الصورة والكلمة، الجسد والمعنى.

عمل يقرأ بوصفه تمرينا على رؤية العالم من زاوية مختلفة، تحتفي بالجسد واللغة، واللحظة العابرة التي تتحول، عبر الكتابة، إلى أثر دائم

ينجح المؤلف في تقديم كتاب يحرر كرة القدم من أسر التصنيف الضيق، ويمنحها أفقا أدبيا وثقافيا رحبا. الكتاب ليس عن لعبة، بقدر ما هو عن الإنسان وعن ذاكرته وحاجته إلى الفرح الجماعي، وعن بحثه الدائم عن معنى في عالم متسارع. إنه عمل يقرأ بوصفه تمرينا على رؤية العالم من زاوية مختلفة، تحتفي بالجسد واللغة، واللحظة العابرة التي تتحول، عبر الكتابة، إلى أثر دائم.

REUTERS/Juan Medina
مشهد عام خلال الحصة التدريبية لريال مدريد، مرافق نادي النصر، الرياض، السعودية، 9 يناير 2024

بهذه الروح، يضيف المؤلف عملا لافتا إلى المكتبة العربية، ويؤكد أن الأدب قادر دائما على اكتشاف الجمال في أكثر الأماكن ازدحاما وضجيجا.

font change