تُثير تطورات منطقتي تل حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، وقبلها معركة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مطلع شهر يناير/كانون الثاني من العام الحالي، كثيرا من القلق والتساؤلات حول مصير المسار التفاوضي بين الطرفين، الذي انطلق بتوقيع الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي اتفاق 10 مارس/آذار، والذي لم يحقق الطرفان تقدما حقيقيا في مسار تحقيقه. وعلى الرغم من أن الحكومة السورية أعلنت أكثر من مرّة استعدادها للحل العسكري، فإنها في الوقت نفسه كانت تؤكد أن الخيار السياسي التفاوضي هو الطريق المفضل لديها، كونه يُسرع قطار التعافي السوري، ويحفظ الدماء السورية.
مزاج الحكومة السورية الداعم للتفاوض يتماشى مع المزاج الدولي أيضا، بما فيه الولايات المتحدة الأميركية التي أشرفت على تشكيل قوات "قسد" ودعمتها بالسلاح، والتدريب والمال، خلال أكثر من عقد من الزمن، حيث إن "قسد" منذ نشأتها بدعم من واشنطن، هي شريك التحالف الدولي في الحرب على تنظيم "داعش"، وهي القوّة المحلية التي كانت واشنطن تثق بها، وتعتمد عليها في مواجهة التنظيم. إلا أن "قسد" يبدو أنها باتت تشكل عامل تأخير للولايات المتحدة، التي تسعى لتحقيق رؤية ترمب في الشرق الأوسط، السلام والاستقرار.
"قسد" اليوم أمام مرحلة مصيرية حساسة، وأي خيارات تتخذها للتقدم، قد تكون خياراتها الأخيرة في ظل التحولات السياسية والدولية في سوريا وتجاهها.
النشأة والتكوين
تم الإعلان عن تشكيل "قسد" التي يقودها مظلوم عبدي يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015، وذلك بعد عام ونيف من إعلان تشكيل التحالف الدولي ضد "داعش" سبتمبر/أيلول 2014. تشكيل "قوات سوريا الديمقراطية" واسمها، لعبت واشنطن دورا كبيرا في التحضيرات له، بعد محاولات تفاوضية فاشلة بين "الجيش السوري الحر"، والجانب الأميركي حينها، حيث رفضت قوى في "الجيش الحرّ" أن تلعب دورا في محاربة "داعش" والتوقف عن مواجهة النظام السوري، وذلك بناء على شرط وضعته واشنطن، بأن الدعم العسكري الذي سيُقدم للجيش الحر، لا ينبغي أن يُستخدم إلا في مواجهة تنظيم "داعش".
وبحسب مسؤول أميركي سابق كان على اطلاع على مجريات التفاوض، فإن واشنطن منذ البداية، كانت ميّالة لدعم تشكيلٍ عصبه الأكراد في شرق سوريا، لعدّة أسباب أبرزها أن الجيش الحر يمكن أن يستخدم السلاح المقدم، والاستفادة من التدريبات في تغيير الموازين والتحرك لمواجهة النظام، وسبب آخر هو أن تيارا فاعلا في واشنطن، كان يريد دعم تشكيل قوّة لا تكون على علاقة جيدة مع أنقرة، للاستفادة منها كورقة ضغط على تركيا.
"قوات سوريا الديمقراطية" عند نشأتها، كانت تضمّ بشكل رئيس القوى المنضوية تحت مظلة "غرفة عمليات بركان الفرات" التي كان هدفها منذ التأسيس في سبتمبر/أيلول 2014، مواجهة "داعش"، وكان صاحب القرار في هذه القوات، "وحدات حماية الشعب"، و"وحدات حماية المرأة"، يضاف إليها مجموعات عربية وسريانية مثل "المجلس السرياني العسكري". ولاحقا انضمت لـ"قسد" "قوات الصناديد" التي تضم مقاتلين من قبيلة شمّر، وبرعاية شيخ مشايخ القبيلة مانع حميدي دهام الجربا، "قوات الصناديد" شكلت مع "قوات لواء ثوار الرقة" الثقل العربي الأبرز في "قوات سوريا الديمقراطية". وبحسب تقديرات أميركية فإن العدد الكلي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" بلغ نحو 45 ألف مقاتل.


