"قسد"... من النشأة إلى المرحلة المصيرية

مزاج إقليمي ودولي داعم لحكومة دمشق ووحدة الأراضي السورية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل أمام جدارية لمؤيدين لـ"قسد" يرفعون رسما لعبدالله أوجلان في القامشلي في 16 ديسمبر 2024

"قسد"... من النشأة إلى المرحلة المصيرية

تُثير تطورات منطقتي تل حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، وقبلها معركة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مطلع شهر يناير/كانون الثاني من العام الحالي، كثيرا من القلق والتساؤلات حول مصير المسار التفاوضي بين الطرفين، الذي انطلق بتوقيع الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي اتفاق 10 مارس/آذار، والذي لم يحقق الطرفان تقدما حقيقيا في مسار تحقيقه. وعلى الرغم من أن الحكومة السورية أعلنت أكثر من مرّة استعدادها للحل العسكري، فإنها في الوقت نفسه كانت تؤكد أن الخيار السياسي التفاوضي هو الطريق المفضل لديها، كونه يُسرع قطار التعافي السوري، ويحفظ الدماء السورية.

مزاج الحكومة السورية الداعم للتفاوض يتماشى مع المزاج الدولي أيضا، بما فيه الولايات المتحدة الأميركية التي أشرفت على تشكيل قوات "قسد" ودعمتها بالسلاح، والتدريب والمال، خلال أكثر من عقد من الزمن، حيث إن "قسد" منذ نشأتها بدعم من واشنطن، هي شريك التحالف الدولي في الحرب على تنظيم "داعش"، وهي القوّة المحلية التي كانت واشنطن تثق بها، وتعتمد عليها في مواجهة التنظيم. إلا أن "قسد" يبدو أنها باتت تشكل عامل تأخير للولايات المتحدة، التي تسعى لتحقيق رؤية ترمب في الشرق الأوسط، السلام والاستقرار.

"قسد" اليوم أمام مرحلة مصيرية حساسة، وأي خيارات تتخذها للتقدم، قد تكون خياراتها الأخيرة في ظل التحولات السياسية والدولية في سوريا وتجاهها.

النشأة والتكوين

تم الإعلان عن تشكيل "قسد" التي يقودها مظلوم عبدي يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015، وذلك بعد عام ونيف من إعلان تشكيل التحالف الدولي ضد "داعش" سبتمبر/أيلول 2014. تشكيل "قوات سوريا الديمقراطية" واسمها، لعبت واشنطن دورا كبيرا في التحضيرات له، بعد محاولات تفاوضية فاشلة بين "الجيش السوري الحر"، والجانب الأميركي حينها، حيث رفضت قوى في "الجيش الحرّ" أن تلعب دورا في محاربة "داعش" والتوقف عن مواجهة النظام السوري، وذلك بناء على شرط وضعته واشنطن، بأن الدعم العسكري الذي سيُقدم للجيش الحر، لا ينبغي أن يُستخدم إلا في مواجهة تنظيم "داعش".

وبحسب مسؤول أميركي سابق كان على اطلاع على مجريات التفاوض، فإن واشنطن منذ البداية، كانت ميّالة لدعم تشكيلٍ عصبه الأكراد في شرق سوريا، لعدّة أسباب أبرزها أن الجيش الحر يمكن أن يستخدم السلاح المقدم، والاستفادة من التدريبات في تغيير الموازين والتحرك لمواجهة النظام، وسبب آخر هو أن تيارا فاعلا في واشنطن، كان يريد دعم تشكيل قوّة لا تكون على علاقة جيدة مع أنقرة، للاستفادة منها كورقة ضغط على تركيا.

"قوات سوريا الديمقراطية" عند نشأتها، كانت تضمّ بشكل رئيس القوى المنضوية تحت مظلة "غرفة عمليات بركان الفرات" التي كان هدفها منذ التأسيس في سبتمبر/أيلول 2014، مواجهة "داعش"، وكان صاحب القرار في هذه القوات، "وحدات حماية الشعب"، و"وحدات حماية المرأة"، يضاف إليها مجموعات عربية وسريانية مثل "المجلس السرياني العسكري". ولاحقا انضمت لـ"قسد" "قوات الصناديد" التي تضم مقاتلين من قبيلة شمّر، وبرعاية شيخ مشايخ القبيلة مانع حميدي دهام الجربا، "قوات الصناديد" شكلت مع "قوات لواء ثوار الرقة" الثقل العربي الأبرز في "قوات سوريا الديمقراطية". وبحسب تقديرات أميركية فإن العدد الكلي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" بلغ نحو 45 ألف مقاتل.

مزاج الحكومة السورية الداعم للتفاوض يتماشى مع المزاج الدولي أيضا، بما فيه الولايات المتحدة الأميركية التي أشرفت على تشكيل قوات "قسد" ودعمتها بالسلاح والتدريب والمال خلال أكثر من عقد من الزمن

حاولت "قسد" خلال السنوات التالية، تفكيك القدرة العربية في قواتها، فقامت بتشكيل عدّة مجالس عسكرية مثل مجالس دير الزور، الرقة، منبج، الطبقة، ووزعت القوى العربية عليها، كما قامت بتفكيك "لواء ثوار الرقة" في عام 2018، حيث اعتقلت قائده أبو عيسى وآخرين في شهر يونيو/حزيران من العام ذاته. ورغم محاولات "قسد" إضعاف "قوات الصناديد" فإن ذلك لم ينجح بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن قيادة "قسد" تعلم أن خلق عداء مباشر مع هذه القوات، يُفقد "قسد" قدرتها على كسب أبرز القبائل في المنطقة، يُضاف إلى ذلك تدخل الجانب الأميركي أكثر من مرّة لحل الخلافات بين الطرفين، منعا لانهيار التوازنات شرق الفرات. بالتوازي مع هذه التوترات، استفادت روسيا من ذلك الخلاف، ودخلت على الخط لإعادة بناء علاقات مع شيوخ القبيلة. ولم يقتصر الأمر على إضعاف القدرة العربية داخل صفوفها، بل حاولت "قسد" عبر السنوات السابقة أيضا إضعاف الأصوات والكيانات الكردية المناهضة لها كـ"المجلس الوطني الكردي".

سانا/ أ ف ب
الرئيس أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي لدى توقيع اتفاق 10 مارس/اذار في دمشق

سعت "قوات سوريا الديمقراطية" إلى تشكيل بنية سياسية إلى جانب قواتها العسكرية، حيث تمّ الإعلان من مدينة المالكية في الحسكة تأسيس "مجلس سوريا الديمقراطية" في 10 ديسمبر/كانون الأول من عام 2015. هذا المجلس منذ نشأته حمل مبدأ اللامركزية الإدارية في سوريا كحلّ، وتحمل مبادؤه أيضا بنودا مثل وحدة سوريا، وأن الجيش السوري هو "المؤسسة الوطنية التي ينحصر بها حمل السلاح، ولا تتدخل بالسياسة". "المجلس" كان بمثابة مكتب العلاقات الخارجية لـ"قسد" من الناحية السياسية، وتتألف الهيئة الرئاسية فيه من رئاسة مشتركة، ونواب تختارهم الرئاسة المشتركة "حسب الضرورة والحاجة". إلا أن "مجلس سوريا الديمقراطية" لا يحمل أي نفوذ سياسي للحديث عوضا عن "قسد"، حيث احتكر "حزب الاتحاد الديمقراطي" هذا الدور، و"الحزب" يُعد فعليا الجهة السياسية التي تُدير "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي أعلن عن تشكيلها عام 2018.

من الناحية الجغرافية تسيطر "قسد" على غالبية مناطق شرق نهر الفرات انطلاقا من المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا، وغالبية محافظة الحسكة (باستثناء مناطق في الحسكة خسرتها لصالح الجيش الوطني عام 2019 بدعم تركي)، كما تسيطر "قسد" على مناطق دير الزور شمال شرق نهر الفرات، وغالبية محافظة الرقة. التقديرات تشير إلى أن "قسد" تضع يدها على نحو 25 في المئة تقريبا من الأراضي السورية. وتضع "قسد" يدها على مرافق حيوية من الناحية الخدمية (سد تشرين وسد الطبقة)، ونفطية (كافة حقول النفط في شرق الفرات)، إضافة إلى سيطرتها على مناطق تُعتبر سلّة سوريا الغذائية من الناحية الزراعية. كما يوجد داخل مناطق "قسد" بحسب إحصائيات غير رسمية نحو 26 سجنا فيها 12 ألف سجين، الآلاف منهم تم اعتقالهم أثناء المعارك ضد تنظيم "داعش" وهم من جنسيات سورية وعربية وأجنبية، إضافة إلى مخيمي الهول وروج اللذين يحويان عائلات لمقاتلي تنظيم "داعش" ونازحين من العمليات التي نفذتها "قسد" بالتعاون مع التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش".

حاولت "قسد" خلال السنوات التالية تفكيك القدرة العربية في قواتها، فقامت بتشكيل عدّة مجالس عسكرية مثل مجالس دير الزور، الرقة، منبج، الطبقة، ووزعت القوى العربية عليها

"قسد" والتحالف الدولي.. وإنهاء نفوذ "داعش"

منذ نشأة "قسد" بدعم من الولايات المتحدة، حدّت واشنطن التي تقود التحالف الدولي ضد "داعش" حدود التعاون والعلاقة بين التحالف الدولي و"قسد"، وعدّتها شريكا رئيسا في القضاء على "داعش"، إلا أن "قسد" تعدّ هذه العلاقة مصيرية كون "قسد" تكتسب شرعيتها من وجود التحالف الدولي والولايات المتحدة، تحديدا في مناطق نفوذها، وأي تحوّل في العلاقة سيعني بطبيعة الحال فقدان "قسد" للحامل "الدولي" بما يتعلق بوجودها وبقائها في شرق الفرات. وكانت "قسد" تشن العمليات العسكرية البرية ضد تنظيم "داعش" بالتزامن مع العمليات الجوية التي كان ينفذها التحالف الدولي، وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2017 أعلنت "قسد" رسميا طرد تنظيم "داعش" من أبرز معاقله في سوريا (الرقة)، وخلال العامين التاليين استمرت العمليات ضد "داعش" في مناطق شرق الفرات عموما، حتى أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هزيمة تنظيم "داعش" بنسبة 100 في المئة، يوم 22 مارس 2019، وذلك بعد إنهاء وجود التنظيم في آخر معاقله في منطقة الباغوز بريف دير الزور.

أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك في دمشق في 29 مايو 2025

"قسد" تتلقى منذ تأسيسها دعما متعدد الجوانب من الولايات المتحدة والتحالف الدولي، بدءا من الدعم المالي كرواتب العناصر، وقوات الأسايش لاحقا، مرورا بالدعم الخبراتي من ناحية تدريب الكوادر المقاتلة وبرامج الدعم اللوجستي والعسكري، وصولا إلى برامج تدريب كوادر الشرطة وعناصر السجون، وحماية آبار النفط لمنع "داعش" من الوصول إليها، وبلغ التمويل الأميريكي لـ"قسد" ذروته عام 2018 حيث بلغ نحو نصف مليار دولار، إلا أنه وبعد إعلان الرئيس الأميركي نهاية تنظيم "داعش" عام 2019 بدأ التمويل السنوي المخصص لـ"قسد" بالتضاؤل، وفي عام 2023 بلغت ميزانية الولايات المتحدة لبرنامج التدريب والتجهيز للقوات الشريكة في مكافحة "داعش" في كل من سوريا والعراق معا 542 مليون دولار، في تناقص ملحوظ مقارنة بالسنوات التي سبقتها، ووصل الرقم المخصص لقوات "قسد" و"جيش سوريا الحرة" (مغاوير الثورة) إلى 130 مليون دولار عام 2026، نحو نصفه عبارة عن رواتب.

"قسد" كانت تعتمد على النفط كأحد مصادر التمويل، فهي كانت تنتج النفط وتبيعه، وكان النظام السوري السابق بحسب إحصائيات غير رسمية يحصل على نحو 30 في المئة من إنتاج "قسد" للنفط

الولايات المتحدة صبّت اهتمامها بعد عام 2019 على تأهيل القوى التي ستكون ذراعا أساسية في ملاحقة خلايا التنظيم، وتمنع التنظيم من استعادة القوة والنفوذ، ولذلك بدأ الدعم يتوجه نحو قوّتين رئيستين في "قسد" هما "جهاز مكافحة الإرهاب" (YAT) و"القوات الخاصة" (HAT)، وبدأت الولايات المتحدة تقلل من ثقل السلاح المقدم لـ"قسد"، وذلك بدعوى أن تنظيم "داعش" انتهى وأن ما تبقى منه هو خلايا، والتركيز هو على حماية السجون وضبط الأمن وملاحقة الخلايا، وهذه لا تحتاج إلى أسلحة ثقيلة. كما شهدت العلاقات بين واشنطن و"قسد" مراحل فتور مع العمليات العسكرية التي نفذتها فصائل الجيش الوطني المعارضة وتركيا ضد "قسد" (غصن الزيتون عام 2018، ونبع السلام 2019) والتي رأت "قسد" أن واشنطن كانت راضية بهذه العمليات التي طردت "قسد" من عفرين في ريف حلب، ورأس العين وتل أبيض في الحسكة والرقة. هذا المزاج الغاضب من واشنطن فتح الباب أمام روسيا لتعزيز علاقتها أكثر مع "قسد" من زاوية الوساطة بين "قسد" والنظام السوري السابق كمسار ثان لصالح "قسد" في حال قررت واشنطن الانسحاب من سوريا، وبحجة قدرة روسيا على منع تركيا من تنفيذ عمليات جديدة في سوريا. العلاقة ما بين "قسد" وروسيا ما زالت مستمرة حتى اللحظة، وتجري لقاءات دورية بين الطرفين في مطار القامشلي الذي تسيطر عليه روسيا بوجود عسكري ولوجستي.

كما أن "قسد" كانت تعتمد على النفط كأحد مصادر التمويل، فهي كانت تنتج النفط وتبيعه، وكان النظام السوري السابق بحسب إحصائيات غير رسمية يحصل على نحو 30 في المئة من إنتاج "قسد" للنفط، كانت تتولى ميليشيا القاطرجي مهمة مرافقته ونقله من مناطق "قسد" إلى مناطق النظام، كما تعتمد "قسد" على محاصيل القمح والزراعات الأخرى في سياق تمويلها الذاتي، وهو ما ساعدها على إبقاء حركة تمويل الرواتب للموظفين والعاملين في صفوفها، في الوقت الذي كانت تحصل فيه على تمويل من التحالف الدولي لإعادة بناء المناطق المدمّرة وتقديم الخدمات.

سقوط النظام وقطار التفاوض

في نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024 انطلقت عملية "ردع العدوان" من إدلب ضد قوات النظام السوري، الهدف كان السيطرة على حلب، ومع انهيار قوات النظام السوري، وانشغال حلفاء النظام السوري السابق بحروب خارج سوريا، استطاعت "هيئة تحرير الشام" بالتعاون مع فصائل "الجيش الوطني" وفصائل من الجنوب السوري التقدم في الجغرافيا السورية، لتنتهي بإسقاط النظام السوري، وهروب بشار الأسد إلى روسيا يوم 8 ديسمبر/كانون الأول من عام 2024. "قسد" لم تشارك في المعارك ضد نظام الأسد، وبحسب ما صرّح به الرئيس السوري أحمد الشرع، فإن "قسد" حاولت إعاقة تقدم "قوات ردع العدوان" في حلب. مع سقوط النظام تحركت قوات "قسد" منفردة إلى دير حافر ومناطق في ريف حلب، ودخلت إلى المدن الرئيسة في محافظة دير الزور، التي كانت تحت سيطرة الميليشيات الإيرانية التي أخلت مناطقها قبيل سقوط النظام.

استطاعت "قوات ردع العدوان" دفع "قسد" إلى مناطقها التقليدية بعد أيام، إلا أن "قسد" بقيت في منطقة دير حافر ومسكنة وقرى أخرى محيطة، وبالنظر إلى طبيعة الجغرافيا التي تسيطر عليها "قسد"، وعدد قواتها، إضافة إلى سجون عناصر التنظيم ووجود قوات أميركية في مناطقها، فإن كل هذه عوامل عززت أهمية إيجاد حلّ سياسي تفاوضي بين الحكومة السورية و"قسد" كأحد أبرز الحلول الناجعة في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري. وبقيت العلاقة بين الطرفين تشوبها محاولات تفاوض حتى تم توقيع اتفاق 10 مارس 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي. الاتفاق بين الطرفين ضمّ ثمانية بنود هي: ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية، وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية. المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية. وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية. دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية، والمطار وحقول النفط والغاز. ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من الدولة السورية. دعم الدولة السورية في مكافحتها فلول الأسد (نظام بشار الأسد) وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها. رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية، ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري. تعمل وتسعى اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.

مع سقوط النظام تحركت قوات "قسد" منفردة إلى دير حافر ومناطق في ريف حلب، ودخلت إلى المدن الرئيسة في محافظة دير الزور التي كانت تحت سيطرة الميليشيات الإيرانية التي أخلت مناطقها قبيل سقوط النظام

ومنذ شهر مارس حتى مطلع عام 2026 لم يحقق الطرفان أي خرق حقيقي يقود إلى تطبيق الاتفاق، ورغم جولات التفاوض الرئيسة التي تجاوز عددها 6 جولات، فإن التقدم في مسار تطبيق الاتفاق هو صفري، فـ"قسد" ما زالت تصرّ على اللامركزية، وبقاء قواتها في منطقة شرق الفرات ككتلة واحدة أو فرق متعددة، دون وجود لقوات الجيش السوري فيها، كما تُصر على إدخال عناصرها ضمن ملاك الجيش السوري، بما فيهم أكثر من 3000 مقاتل، هم كانوا في صفوف النظام السوري السابق، تم قبولهم في صفوف "قسد" خلال عام 2025 على الرغم من أن الاتفاق بين الطرفين، يطالب "قسد" بدعم جهود دمشق في مكافحة فلول النظام السابق.

وبحسب المعلومات فإن "قسد" تعاني من خلافات داخلية في صفوفها حيال طبيعة التوافقات التي يجب التوصل إليها مع دمشق، ومستقبل "قسد" في سوريا الجديدة، ومع دخول سوريا رسميا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" فإن "قسد" بدأت تشعر بالقلق أكثر، لأن الدعم لن يكون موجها لها في المستقبل، وورقة شرعيتها الرئيسة باتت غير صالحة. في غضون ذلك قطعت الحكومة السورية شوطا في التفاهمات مع موسكو عبر لقاءات مكثفة بين الطرفين على المستوى العسكري والسياسي، وهو ما يقلل بحسب تصور دمشق من إمكانية اعتماد "قسد" على الروس في شرق الفرات كخيارٍ ثانٍ في حال رأت أنها تخسر الولايات المتحدة الأميركية حليفها العسكري والسياسي الرئيس.

سانا
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل في دمشق وفداً من الكونغرس الأميركي برئاسة عضو مجلس النواب دارين لحود بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني

التوترات بين الطرفين لم تنته، وكانت هناك عدّة اشتباكات عسكرية بين الطرفين في حلب، سد تشرين، دير الزور، ومناطق بريف الرقة، ووصلت التوترات أوجّها في الأسبوع الأول من شهر يناير/كانون الثاني من العام الجاري، حيث اتخذت الحكومة السورية قرار السيطرة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب بعد استفزازات من "قسد" أثرت على عجلة ترسيخ الاستقرار في المحافظة التي تُعد العاصمة الاقتصادية لسوريا. واستطاعت الحكومة السورية السيطرة على الحيين بعد معارك أظهرت فيها الحكومة السورية رؤية عسكرية وأمنية جديدة للتعامل، وبدأت الحكومة تتحرك نحو منطقة دير حافر، ومسكنة غرب الفرات، وعلمت "المجلة" من عدّة مصادر أن دمشق أخبرت واشنطن أنه في حال لم يتم تحقيق تقدم في عملية التفاوض في الفترة القصيرة القادمة، فإن كل السيناريوهات مطروحة، بما فيها التدخل العسكري في شرق الفرات، وبحسب المعلومات فإن الحكومة السورية أكدت لواشنطن أن الضغط الشعبي بات كبيرا عليها حيال الموضوع، كما أن إنهاء عقدة شرق الفرات هو أحد دعائم الاستقرار في المنطقة، وعامل رئيس لمنع قوى مثل إيران و"داعش" من استغلال حالة عدم الاستقرار، لزعزعة الأمن في المنطقة. والمناطق التي تسيطر عليها "قسد" هي سلّة سوريا الزراعية، وفيها آبار نفط، وسوريا اليوم بحاجة لإعادة تأهيل هذه المناطق في سياق إعادة بناء الاقتصاد السوري.

ولقطع الطريق على "قسد" وضبط تداعيات الاشتباكات التي حصلت في حلب، والمتوقع حصولها في أماكن أخرى على النسيج السوري ومكوّناته، سرّعت الحكومة السورية من إجراءات ضمان حقوق الأكراد في سوريا، وفي ظلّ غياب مجلس الشعب (البرلمان) الذي سيكون منوطا به ملف الدستور الجديد، قام الرئيس الشرع بتوقيع المرسوم رقم (13) يوم الجمعة 16 يناير الثاني الجاري، تضمّن جملة بنود تضمن حقوق الأكراد في سوريا، كمكوّن رئيس في البلاد، الخطوة التي كان من المتوقع أن تكون جزءا من سياقات الدستور الجديد تمّ تسريعها لمنع "قسد" من احتكار سرديّة الدفاع عن حقّ الأكراد، الذي لطالما أكد الشرع أنه مُصان في سوريا المستقبل، ومن المتوقع أن يعقد الشرع اجتماعا مع ممثلين عن العشائر السورية، وأعيان المنطقة الشرقية في الأيام القادمة كخطوة جديدة في الضغط على "قسد" وإضعاف سرديتها ودعايتها بأنها الممثل الرسمي لمكونات الشرق السوري.

فريق توم باراك يعمل على تخفيف التوتر بين الطرفين والضغط على "قسد" أكثر لتحقيق تقدم في عملية التفاوض، كما أن الفريق يعمل على تقييم المخاطر الممكنة في حال وصول الأمور إلى مرحلة الاشتباك العسكري


وبحسب المعلومات، فإن فريق توم باراك المبعوث الأميركي يعمل على تخفيف التوتر بين الطرفين، والضغط على "قسد" أكثر لتحقيق تقدم في عملية التفاوض، كما أن الفريق يعمل على تقييم المخاطر الممكنة في حال وصول الأمور إلى مرحلة الاشتباك العسكري. فالإدارة الأميركية تريد وصول الطرفين إلى توافق دون نيران البنادق، لأن الأخيرة ستزيد من احتمالية عودة "داعش" في المنطقة، خصوصا وأن التنظيم يضع نصب عينيه مهاجمة السجون الموجودة في مناطق "قسد" والتي تحتوي آلاف المقاتلين السابقين في صفوفه من السوريين والعرب والأجانب، واستغلال الفوضى التي ستسببها الاشتباكات لإعادة ترتيب صفوفه. وظهرت جهود واشنطن بشكل جليّ على الأرض من خلال الاجتماع الذي عُقد يوم الجمعة 16 يناير مساء، بين ممثلين عن التحالف الدولي، و"قسد" في منطقة تل حافر لحضّهم على الانسحاب من مناطق غرب الفرات، وعدم الدخول باشتباكات مع دمشق تهدد كل جهود التهدئة والعودة إلى التفاوض السياسي بين "قسد" والحكومة. الفترة المقبلة حبلى بالخيارات والسيناريوهات، وواشنطن في أثناء ذلك تحاول تخفيف المخاطر والحدّ من الضرر الذي يمكن أن يحصل في حال توجهت الحكومة السورية نحو عمل عسكري في شرق الفرات، إذا ما تعثّرت عملية التفاوض مع "قسد"، خصوصا وأن الاشتباك بين الطرفين لن تكون تداعياته محصورة في الجغرافيا السورية، بل ستمتد إلى دول في الإقليم، كما أن تركيا لن تقف صامتة أمام أي تقدم محتمل لـ"قسد"، كون أن ذلك سيهدد أمنها القومي، وربما يكون له تأثير كارثي على مسار التوافق والتفاوض بينها وبين "حزب العمال الكردستاني".

"قسد" أمام مرحلة مصيرية، فهي تدرك أن واشنطن بدأت ترى في دمشق حليفا أهم من الناحية الاستراتيجية، فـ"قسد" قوّة محلية اعتمدت عليها واشنطن ودعمتها في محاربة "داعش"، وقد انتهى "داعش" منذ سنوات، وواشنطن نفسها اليوم تطالب بالاندماج في قوات الجيش السوري التابع للحكومة السورية، كما تعلم "قسد" أن غالبية المكونات بما فيها العربية والكردية والآشورية تغلي في مناطقها نتيجة سياسات سلبية طويلة انتهجتها "قسد" بحقهم، والانفجار العشائري ضدها في دير الزور عام 2023 كان سيسلب "قسد" الثقل العربي لولا تدخل الولايات المتحدة لدعمها حينها، ولذلك فإن الآلاف من مقاتلي "قسد" الذين كانت ترى فيهم قوّتها هم اليوم يمثلون أحد عوامل الانهيار الممكنة بالنسبة لها، خصوصا وأن الحكومة السورية باتت على تواصل إيجابي مع أعيان القبائل العربية، وممثلين عن المكونات في شرق الفرات، وكل ذلك في ظل مزاج إقليمي ودولي متراجع عن دعم "قسد"، وداعم لحكومة دمشق ووحدة الأراضي السورية، واستقرار المنطقة.

font change

مقالات ذات صلة