باريس- أسئلة كثيرة حملناها إلى أشهر علماء السياسة في فرنسا، الأستاذ الفخري في "معهد باريس للدراسات السياسية"، برتراند بادي (Bertrand Badie). فالأزمات المعقدة التي يشهدها العالم والمتغيرات التي يواجهها النظام الدولي تحت وطأة هذه الأزمات واندفاعة أميركا دونالد ترمب للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة على المسرح الدولي، كل ذلك يدفع إلى البحث عن أجوبة عن مستقبل العالم والنظام الدولي.
ولذلك كان لا بد من اللقاء مع برتراند بادي الذي نشر في 14 يناير/كانون الثاني الجاري كتابه: "ما وراء القوة والحرب.. الطاقة الاجتماعية الغامضة"، والذي يبين فيه كيف أن "الطاقة الاجتماعية" تلعب دورًا متزايدًا في إعادة تشكيل العالم والسياسات الدولية.
لكن ليس هذا وحسب ما دفعنا إلى الحوار مع بادي، فأصوله الإيرانية وحفاظه على العلاقة مع بلده الأم واطلاعه عن قرب على تحولاته والمخاطر التي يواجهها، سبب كاف جدا للقائه الآن في محاولة لفهم الحدث الإيراني المفتوح على شتى السيناريوهات.
أكثر ما يركز عليه بادي في قراءته للاحتجاجات الحالية في إيران، هو أن دوافعها اقتصادية- اجتماعية ومن جانب الطبقة الوسطى تحديدا. يقول: "إذا أفضى الحراك في النهاية إلى نتيجة، فسيكون ذلك عائدا بالدرجة الأولى إلى أنه حراك الطبقة الوسطى".
سألناه: بماذا تختلف هذه الاحتجاجات عن سابقاتها؟ وعن الاستراتيجية الأميركية الحالية للتعامل مع الملف الإيراني؟ وعن احتمال أن يتكرر "نموذج فنزويلا" في إيران؟
إحدى خلاصاته أن "الخيارات الإصلاحية ليست هي التي تملك أكبر فرص النجاح. عندما نكون في وضع خطر مرتفع، فإن ما يسود هو السلوك القمعي، الذي لا ينسجم مع دينامية إصلاح توافقي مقبول من الجميع".
ماذا قال عن مخاطر الفوضى واحتمالات التقسيم في إيران، عن إصلاح النظام من الداخل، وعن احتمال حدوث انقلاب عسكري؟
الإجابات في الحوار التالي:
* هل هناك خطر حقيقي برأيكم لسقوط النظام؟ هل إيران ضعيفة من الداخل إلى الحد الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام؟
- بلا شك، الخطر موجود. لأننا نشعر أن القاعدة الاجتماعية للنظام الإيراني أصبحت أكثر هشاشة، ولكنها أيضا ليست منعدمة. وهنا تكمن كل تعقيدات الوضع. فهذا النظام لا يزال يملك مؤيديه، لأنه عرف أيضا كيف يُنشئ شبكة كاملة تربط جزءا من السكان، وديمومة هذا الجزء من السكان، بعمل النظام السياسي الإيراني نفسه. كما أن لديه قدرة قمعية قوية للغاية، لأن "الحرس الثوري" على وجه الخصوص يحتل في هذا النظام مكانة مهمة تتجاوز بكثير وظائفه العسكرية والأمنية، إذ إن له أيضا وظائف اقتصادية تمنحه موارد حقيقية داخل البلاد.
لكننا نعيش زمنا حيث الأنظمة تستطيع أن تصمد أمام هجمات خارجية، ويمكنها أيضا أن تصمد أمام إخفاقات سياسية داخلية، لكنها تجد صعوبة متزايدة في الصمود أمام الطاقة الاجتماعية، وقد كرست لهذا الأمر كتابي الأخير. لذلك، فالأمر يكاد يكون مسألة توازن قوى: أيهما سيكون الأكثر حسما في إيران، الطاقة الاجتماعية أم القدرة القمعية؟
ومن هذه الزاوية، أعتقد أن المقارنة مع زمن "الربيع العربي" قوية جدا، حيث كان هناك سيناريو مشابه. ففي فترة "الربيع العربي"، كانت الأنظمة المهددة تمتلك قدرة قمعية جرى استخدامها بدرجات متفاوتة. فقد استخدمها النظام البعثي في سوريا، مما أدى إلى احتواء الحركة الاجتماعية. أما نظاما حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، فلم يتمكنا من تعبئة هذه القدرة القمعية بشكل كامل، فسقطا.
إضافة إلى ذلك، في إيران كما في البلدان العربية آنذاك، لم تكن حركات التعبئة هذه تملك قائدا، ولا تنظيما، ولا عقيدة واضحة، وكانت تتغذى في الوقت نفسه على المعاناة الاجتماعية وعلى التواصل الاجتماعي المعمم. وهذان هما الوقودان الأساسيان للتعبئة في إيران.



