لماذا خسرت "قسد" مناطقها شرق سوريا في أقل من 48 ساعة؟

انهيار فكرة الحكم اللامركزي

رويترز
رويترز
يرفعون العلم السوري فوق تمثال محطم لمقاتلة من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الطبقة شمال شرقي سوريا في 18 يناير/ كانون الثاني 2026

لماذا خسرت "قسد" مناطقها شرق سوريا في أقل من 48 ساعة؟

أُجبر قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي على توقيع اتفاق جديد مع الحكومة السورية، يسحب من "قسد" كثيرا من الفرص التي أتيحت لها خلال الأشهر الماضية، وذلك على وقع انهيار متسارع جدا لقواتها في محافظتي دير الزور والرقة والحسكة، حيث خسرت "قسد" محافظتي دير الزور والرقة خلال أقل من 48 ساعة أمام "قوات العشائر العربية" التي بدأت التقدم نحو محافظة الحسكة قبيل ساعات من التوصل إلى اتفاق بين "قسد" والحكومة السورية بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك الذي وصل دمشق صباح الأحد 18 يناير/كانون الثاني بعد يوم من لقاء مظلوم عبدي في أربيل بحضور الزعيم الكردي مسعود بارزاني.

ووقع الرئيس السوري أحمد الشرع يوم الأحد 18 يناير/كانون الثاني اتفاقا جديدا مع "قسد" بعد مفاوضات مع مظلوم عبدي استمرت لساعات على الهاتف بحضور المبعوث الأميركي وعلى وقع تقدم "قوات العشائر" في مناطق شرق الفرات السوري. الاتفاق يتضمن دخول "قسد" ضمن الجيش السوري على شكل أفراد وليس جماعات وبعد تدقيق أمني، وتسليم "قسد" لمحافظتي الرقة ودير الزور، كل آبار النفط والحدود السورية العراقية، إضافة إلى تسليم "قسد" للمؤسسات المدنية والعسكرية للحكومة السورية، ودمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم "داعش" بالإضافة للقوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت مع الحكومة السورية، لتتولى الحكومة السورية المسؤولية القانونية والأمنية، وبنود أخرى لم تكن "قسد" لتقبل بها قبل أيام.

انهيار "قسد" المتسارع والذي شكّل عامل صدمة لقياداتها التي كانت تتحدث مرارا بفخر عن حجم قوات "قسد" وإمكانياتها، كان نتيجة عدّة عوامل متراكمة خلال السنوات الماضية وفي مرحلة ما بعد سقوط الأسد، وعلى الرغم من أن أبرزها هو تراجع الدعم الدولي لها وتوجه الداعم الرسمي لـ"قسد" (الولايات المتحدة) إلى دمشق الجديدة لبناء تحالفات استراتيجية معها أكثر استدامة من تحالفاتها مع "قسد"، إضافة إلى الغضب الشعبي من "قسد" داخل مناطقها وسط تحركات حكومية لكسب المدنيين في شرق الفرات، وفقدان "قسد" الزخم الدولي والدعم الممكن من جانب روسيا نتيجة خطوات قامت بها الحكومة السورية تجاه روسيا، وانشغال كثير من قادة "حزب العمال الكردستاني" بالتفاهمات مع تركيا وسط انقسامات بينية داخله. إلا أن هذه العوامل ليست وحدها. "المجلة" تستعرض أبرز مقدمات وعوامل انهيار قوّة "قسد" الداخلية المتراكمة لسنوات، والخارجية التي سببها انهيار نظام الأسد وتشكل حكومة جديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إضافة إلى خطوات الحكومة السورية التي قوّت عوامل الانهيار الداخلي لـ"قسد":

البنية العسكرية والتيارات

1- البنية العسكرية غير المتوازنة والمتناسقة لـ"قسد"، فنشأة "قسد" (أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015) وبنيتها العسكرية المتنوعة لم تكن نتيجة تفاهمات حقيقية بين "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة" ذات القوام الكردي، وبين بقية المكونات العربية والآشورية والسريانية. هذا التنوع كان بطلب من الجانب الأميركي الذي كان لا يريد إثارة مخاوف تركيا بشكل كبير في البداية، ولذلك فقد تمت لقاءات سريعة بين ممثلين عن "وحدات حماية الشعب" وبعض الفصائل العربية والسريانية لدعوتهم للانضمام لقتال "داعش" بدعم من التحالف الدولي، المكونات العربية قبلت الانضمام لتنفيذ مهمة قتال "داعش"، دون أن يكون لديها تصور بأن مشروع "وحدات حماية الشعب" أكبر من قتال "داعش"، والذي تكشف مع الوقت للمكونات العربية والسريانية وبات أكثر وضوحا مع إعلان تشكيل "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" عام 2018. هذه البنية العسكرية المتأرجحة وكثيرة الخلافات البينية لعب دورا في إضعاف الثبات العسكري لـ"قسد".

2- وجود تيارات كردية متشددة داخل قوات "قسد"، وهذه التيارات قوامها مقاتلون غير سوريين وسوريون على ارتباط وثيق مع "حزب العمال الكردستاني" المُصنف على قوائم الإرهاب عند كثير من دول التحالف الدولي، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وتركيا، هذه التيارات مع مرور الزمن امتلكت نفوذا واسعا داخل "قسد" ومؤسسات "الإدارة الذاتية"، وذلك ما أثار غضب كثير من الأحزاب الكردية، والمكونات العربية والآشورية والسريانية. النفوذ الذي امتلكته هذه التيارات كانت له تداعيات سلبية جدا على شعبية "قسد" في مناطقها، وفي مناطق المعارضة السورية، إضافة إلى ازدياد القلق التركي على أمنه القومي، وهو ما قاد إلى قيام المعارضة السورية بدعم تركي بعمليتين عسكريتين (2018-2019).

انهيار "قسد" المتسارع والذي شكّل عامل صدمة لقياداتها التي كانت تتحدث مرارا بفخر عن حجم قوات "قسد" وإمكانياتها، كان نتيجة عدّة عوامل متراكمة خلال السنوات الماضية وفي مرحلة ما بعد سقوط الأسد

3- سياسات "قسد" في تهميش وإضعاف المكون العربي داخل صفوفها، وذلك بدأ بعد تحرير الرقة من "داعش"، عندما سارعت "قسد" إلى تفكيك "لواء ثوار الرقة" في عام 2018، وحاولت "قسد" التحرك في الاتجاه ذاته مع "قوات الصناديد" ثاني أهم كتلة عربية في قواتها بعد "لواء ثوار الرقة"، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل نتيجة إدراكها لخطورة الخطوة على شعبيتها من جهة، وتدخل التحالف لضمان وجود المكون العربي في القوات. بعدها قامت "قسد" بتحجيم دور القوات العربية مع إبقائها في صفوفها، إلا أن ذلك لعب دورا كبيرا في زعزعة الثقة لدى المكون العربي في "قسد"، لكنّ وجود التحالف الدولي والولايات المتحدة لعب دورا في تخفيف التوترات بين آونة وأخرى داخل صفوف القوات الشريكة لها في محاربة "داعش".

4- الاعتقالات التعسفية التي نفذتها "قسد" بحق كثير من أبناء "العشائر العربية" في مناطقها بعد سقوط تنظيم "داعش" في عام 2019، كانت تتم بتهم الإرهاب أو التعاون مع المعارضة السورية، خصوصا في مناطق ريف دير الزور والرقة، وهذه الاعتقالات زادت من الغضب الشعبي ضد "قسد"، وكثيرا ما أجرت "العشائر العربية" لقاءات مع ممثلين عن التحالف الدولي تطالب بوقف سياسة الاعتقال التعسفي في صفوف العرب، وكان لافتا في عام 2020 اعتقال "قسد" لرئيس المجلس المحلي في الشحيل حمود النوفل بتهمة أنه قيادي في "داعش" وتصويره مع كثير من الأسلحة، وذلك بعد أيام من لقاء الهفل مع قائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي. ساعات قليلة وسارعت "قسد" إلى إطلاق سراحه بعد تكشف مكانته وعدم ارتباطه مع "داعش"، بل كونه من الشخصيات الذين تعتمد عليهم "قسد" في محاربة "داعش". الاعتقال التعسفي بعد سقوط النظام السوري حمل تهما جديدة منها التعاون مع الحكومة السورية الجديدة أو محاولة زعزعة الاستقرار. وكثير من الذين تم اعتقالهم عبر سنوات بتهمة الإرهاب تمّ تحويلهم إلى محكمة الإرهاب أو ما يُطلق عليها اسم محكمة "الدفاع عن الشعب" والتي كانت تتضمن نحو10 قضاة، كلهم من المكون الكردي، وهو ما أثار كثيرا من الانتقادات في صفوف المكونات الأخرى في شرق الفرات واتهامات لـ"قسد" بتنفيذ أحكام مبنية على التمييز.

تهميش وتجنيد

5- تهميش المناطق العشائرية من الناحية الخدمية، والاهتمام بالمناطق ذات الثقل الاستراتيجي لـ"قسد"، حيث كانت قرى دير الزور التي تخضع لسيطرة "قسد" تعاني من حالة سيئة جدا من ناحية الخدمات ومشاريع إعادة الإعمار ودعم المزارعين والأهالي الذين كانوا يرون أن قيادات "قسد" يسرقون عائدات النفظ والزراعة ويحرمون الأهالي منها، حتى إن بعض الأهالي الذين خرجوا من مخيم الهول ضمن ما يُطلق عليه الكفالات العشائرية طالبوا بالعودة إلى المخيم نتيجة انهيار الوضع في مناطقهم وعدم وجود أماكن للإقامة فيها في ظل تردّي الوضع الاقتصادي لأقاربهم وأهاليهم، ونتيجة سوء الأوضاع الخدمية في المخيمات المؤقتة لاستقبالهم في تلك المناطق. هذا التهميش أثّر على وحدة المزاج تجاه "قسد" بين العشائر العربية في المنطقة، والذي انفجرت آثاره عام 2023 بعد اعتقال "قسد" لقائد مجلس دير الزور العسكري، أحمد الخبيل أبو خولة، حيث أخذت التوترات شكل اشتباك عسكري مباشر بين "العشائر" و"قسد" سمحت لإيران والنظام بالتدخل لتأجيجه ولولا تدخل الولايات المتحدة حينها لفقدت "قسد" مناطق دير الزور بشكل شبه كامل، واستمرت الاشتباكات المتقطعة بين الطرفين حتى سقوط النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول عام 2024.

أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه مع المبعوث الأميركي توم باراك في القصر الرئاسي بدمشق في 18 يناير 2026

6- سياسة التجنيد الإجباري في مناطق "قسد" لعبت هي الأخرى دورا في زيادة الاحتقان الشعبي ضدها، فكثير من الشباب في صفوف "قسد" في الأصل تم تجنيدهم بشكل إجباري، ما يعني أن وجودهم في صفوفها لم يكن بناء على قناعة أو دعم لمشروع "قسد"، وهو أمر أيضا دفع كثيرا من الأهالي إلى تهريب أبنائهم من مناطق "قسد"، ورغم الشكاوي والاحتقان الشعبي الذي سببته هذه السياسة فإن "قسد" لم تتوقف عنه، فكانت سياستها هذه أحد عوامل انهيارها الداخلي مع بدء التحركات العسكرية للحكومة السورية تجاه مناطق غرب الفرات في شهر يناير/كانون الثاني الجاري.
7- مع سقوط النظام، لم تتحرك "قسد" نحو التغيير التاريخي الحاصل في سوريا، بل إنها منعت الأهالي من الاحتفالات في كثير من المناسبات، ورغم توقيع اتفاق 10 مارس/آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع ومظلوم عبدي، فإن الاتفاق لم يتم التقدم في تطبيقه وسط تأخير وعرقلة من قبل "قسد" التي كانت تسعى إلى نوع من اللامركزية وإبقاء مناطقها تحت سلطتها وحكمها، وشنت حملات اعتقال كثيرة ضد كل المدنيين الذين كانوا يعلنون دعمهم للتغيير الحاصل في سوريا، وهو ما سبّب شرخا في مناطق "قسد"، حتى إن كثيرا من "العشائر" فتحت أبواب التواصل مع الحكومة السورية وأخبرتها أنها جاهزة لدعم أي عمل عسكري ضد "قسد" لاستعادة مناطق شرق الفرات ودمجها مع الحكومة السورية.

سياسة التجنيد الإجباري في مناطق "قسد" لعبت هي الأخرى دورا في زيادة الاحتقان الشعبي ضدها، فكثير من الشباب في صفوف "قسد" في الأصل تم تجنيدهم بشكل إجباري

8- سياسة الحكومة السورية التي بُنيت على إعادة الدور التاريخي للعشيرة في مسيرة ترسيخ الاستقرار والأمن في سوريا ما بعد الأسد، هذه السياسة تضمنت فتح قنوات تواصل مع "العشائر العربية" في شرق الفرات، وإقناعهم بأن الدولة السورية هي التي ستفاوض باسمهم، ولا حاجة لأن يقوموا بأي تشكيلات أو تحركات عسكرية، وبذلك أصبحت الحكومة السورية هي الممثل لمطالبهم والمؤثر على تحركاتهم، ولعب مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر جهاد عيسى الشيخ (المعروف باسم أبو أحمد زكور) دورا كبيرا في تهيئة الانهيار الداخلي لـ"قسد" فيما يخص سحب ورقة "العشائر" من "قسد"، وكان لقاء الرئيس الشرع مع شيخ مشايخ قبيلة شمّر، التي تشكل الحامل الرئيس لـ"قوات الصناديد"، مانع حميدي دهام الجربا، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني هو حجر الأساس في سحب البساط العشائري من يد "قسد"، يضاف إليه لقاءات مكثفة قام بها جهاد عيسى الشيخ مع قادة "العشائر" في دير الزور والرقة تمهيدا لمرحلة التحول الكبير في شرق الفرات، وهذا ما حصل بالفعل، حيث إنه خلال أقل من 24 ساعة أعلنت غالبية القبائل العربية دعمها لتحركات الحكومة في شرق الفرات ودعت كل أبنائها للانشقاق عن قوات "قسد"، وهو ما سبب حالة فوضى وانهيار متسارع في صفوف "قسد" في محافظتي دير الزور والرقة خلال يومي 17-18 يناير/كانون الثاني الجاري.

رويترز
الأضرار التي لحقت بمحطة كونوكو للغاز، بعد أن أصبحت تحت سيطرة الحكومة السورية عقب انسحاب قوات (قسد) من ريف دير الزور، سوريا، 19 يناير 2026

9- تراجع الدعم الأميركي والدولي لفكرة بقاء "قسد" ووجود حالة من الفصل الجغرافي بين شرق الفرات ومناطق الحكومة السورية الجديدة أثر داخليا على قدرة "قسد" على إقناع عناصرها والعاملين معها بأن الدعم الدولي لها مستمر ولن يتوقف. المزاج الأميركي والدولي كان يرى أن بقاء "قسد" والفصل الجغرافي سيكون له أثر كبير على جهود إعادة الإعمار وتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين السوريين في دول الاتحاد الأوروبي ودول الجوار، كما أن بقاء الجغرافيا السورية غير موحدة سيُعرقل من قدرة الحكومة السورية على ضبط الأمن، وسيفتح الباب أمام روسيا، إيران والميليشيات التابعة لها، و"داعش" لاستغلال حالة الفوضى وبذل جهود لإعادة النفوذ الذي خسروه مع سقوط النظام، يُضاف لها أن حالة عدم الاستقرار ستؤثر على جهود إنهاء تصنيع وتهريب المخدرات من سوريا إلى الدول المجاورة والعالم.

التحالف الدولي 

10- دخول الحكومة السورية إلى التحالف الدولي شهر سبتمبر/أيلول الماضي كان له دور كبير في تراجع معنويات "قسد" وشعبيتها، وكان له دور في إضعاف إضافي للدعم الأميركي والدولي المقدم لها. فواشنطن والغرب يرون في الحكومة السورية حليفا أقوى من الناحية القانونية مقارنة بـ"قسد"، فالحكومة السورية من الناحية الرسمية ذات ثقل أكبر مقارنة بـ"قسد" التي هي عبارة عن قوّة محلية غير متوازنة وبحاجة إلى تدخل دائم لمنع الانهيار الداخلي وتسبب توترات مع دول الإقليم بما فيها تركيا. كما أن وجود سوريا في التحالف الدولي ستكون له مكاسب كبيرة للغرب، منها أن الحرب على الإرهاب ستكون على كافة الأراضي السورية وليس في منطقة شرق الفرات فحسب، وهو ما يعني فاعلية أكبر في إنهاء نفوذ وبقايا التنظيم، ومن المكاسب أن التحالف سيكون لديه شريك حكومي، فسجون "قسد" التي فيها عناصر وقادة "داعش" العرب والأجانب هي إشكالية قانونية بحاجة إلى حلّ، ودخول الحكومة السورية إلى التحالف الدولي يعني وجود مخرج قانوني، فالحكومة السورية ستتولى ملف السجون وستجري محاكمات رسمية للعناصر وسيكونون سجناء وفق القانون السوري في السجون السورية نتيجة انتهاكات ارتكبت على الأراضي السورية.

تراجع الدعم الأميركي والدولي لفكرة بقاء "قسد" ووجود حالة من الفصل الجغرافي بين شرق الفرات ومناطق الحكومة السورية الجديدة أثر داخليا على قدرة "قسد" على إقناع عناصرها والعاملين معها بأن الدعم الدولي لها مستمر ولن يتوقف

11- الخلافات البينية داخل "قسد"، وتعدد المشاريع وتضاربها، كان لها دور في خلق حالة من الفوضى الداخلية في صفوفها وإضعاف وحدة قرارها وتفاعلها مع المجريات العسكرية المتسارعة، وبحسب المعلومات فإن "قسد" كانت تعاني من تضارب رؤيتين إحداهما كانت ترى في تراجع الدعم الدولي لـ"قسد" على حساب توجهه إلى الحكومة السورية مؤشر خطر ويدعو إلى اتخاذ خطوات جدية للتفاهم مع دمشق، في حين كان هناك تيار أكثر تشددا تقوده شخصيات مرتبطة بـ"حزب العمال الكردستاني"، وهذا التيار كان يرى أن المواجهة مع الحكومة هي الحلّ وأن الهدف هو نظام فيدرالي يجعل شرق الفرات منفصلا عن بقية سوريا ويُهيئ لنظام حكم شبيه بإقليم كردستان العراق، إضافة لضمان بقاء الجغرافيا ملاذا آمنا لعناصر الحزب الرافضين للاتفاق مع تركيا.

أ.ف.ب
قوات من الحكومة السورية يقفون بجوار إطار مشتعل على طول أحد شوارع الطبقة، في محافظة الرقة، على الضفة الجنوبية الغربية لنهر الفرات، في 18 يناير 2026

12- ومن العوامل التي سارعت في انهيار "قسد" قيام الحكومة السورية بإظهار نهج مضبوط خلال معارك حيي الأشرفية والشيخ مقصود مطلع شهر يناير/كانون الثاني، ومنع أي حالات تجاوز بحق المكون الكردي في الأحياء، كما سارعت الحكومة إلى إنهاء سردية "قسد" بأنها تُمثل الأكراد في سوريا، حيث قام الرئيس الشرع بتوقيع المرسوم رقم (13) يوم الجمعة 16 يناير/كانون الثاني الجاري، والذي حمل جملة بنود تضمن حقوق الأكراد في سوريا، كمكوّن رئيس في البلاد، وتدعم خصوصية لغتهم، وتمنح الجنسية السورية لجميع السوريين الأكراد الذين حُرموا منها خلال العقود الماضية. هذه الخطوة فككت كثيرا من التأييد الكردي لـ"قسد"، فكثير من الأكراد بدأوا يسألون لماذا نستمر في دعم "قسد" إذا كانت الحكومة السورية قد ضمنت حقوقنا؟ وهل "قسد" بالفعل تدعم حقوقنا أم إنها تدعم مشروع تيارات داخلها لتحقيق مكاسب خاصة لهم؟

كل العوامل السابقة لعبت دورا في انهيار قوى "قسد" في مناطق شرق الفرات، وخسارتها لمحافظتي دير الزور والرقة في أقل من 48 ساعة، وحالات انشقاق جماعية في صفوفها، إضافة إلى حالات هروب القادة نحو الحسكة والقامشلي. وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي وقّع الاتفاق الجديد مع الرئيس السوري أحمد الشرع، فإن الخطوات التنفيذية لهذا الاتفاق قد تُعاني من انتكاسات في محافظة الحسكة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حالة الخلافات البينية داخل "قسد"، وتضارب الرؤى حيال الاتفاق الذي أجبرت "قسد" على توقيعه نتيجة الانهيار المتسارع لقواتها، وفقدانها لأهم دعائم الاقتصاد (آبار النفط)، وانهيار فكرة الحكم اللامركزي لمنطقة شرق الفرات. وفي ظل هذه التحولات الجديدة يبقى السؤال هل ستلتزم "قسد" بتنفيذ الاتفاق تحت الضغط الشعبي والأميركي وتغير الموازين وخسارة الموارد، أم إن خلافاتها البينية ستؤثر على التزاماتها وتقود إلى مرحلة اقتتال جديد في جغرافيا ضيقة عسكريا ونتائجها شبه محسومة لعدم قدرة "قسد" على الصمود اقتصاديا في الحسكة وحدها.

font change

مقالات ذات صلة