أميركا تدشن عصر "الحرب الذكية"... وأدوات الردع

من البيروقراطية إلى السرعة القتالية... كيف تعيد وزارة الحرب الأميركية هندسة الجيش حول الذكاء الاصطناعي؟

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

أميركا تدشن عصر "الحرب الذكية"... وأدوات الردع

أعلنت وزارة الحرب الأميركية إطلاق استراتيجيا شاملة لتسريع الذكاء الاصطناعي، وصفت بأنها تحول جذري في طريقة بناء واستخدام القوة العسكرية، وتهدف إلى ترسيخ الولايات المتحدة باعتبارها "القوة القتالية الأولى عالميا المعتمدة على الذكاء الاصطناعي".

وتأتي هذه الاستراتيجيا بتكليف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضمن توجه سياسي–عسكري يسعى إلى نقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب المحدود إلى قلب العمليات القتالية والاستخبارية والإدارية، إذ لا تكتفي الاستراتيجيا الجديدة بتطوير أدوات تقنية، بل تسعى إلى إعادة هندسة المنظومة العسكرية نفسها، من خلال تسريع اتخاذ القرار، وكسر الحواجز البيروقراطية القديمة، ودمج أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في كل مستويات العمل العسكري.

وقد جاء هذا الإعلان في توقيت حساس يشهد تصاعد المنافسة الدولية على التفوق التكنولوجي، خصوصا في المجال العسكري، حيث بات الذكاء الاصطناعي أحد محددات القوة الصلبة في القرن الحادي والعشرين.

أوضح وزير الحرب الأميركي بيت هيغسث أن تبني نهج زمن الحرب في إدخال الذكاء الاصطناعي يعني التعامل مع التطوير التقني باعتباره مسألة أمن قومي عاجلة، لا تحتمل البطء أو الإجراءات التقليدية الطويلة. فبدلا من سنوات الاختبار والموافقات المتعددة، تسعى الوزارة إلى الانتقال السريع من الفكرة إلى التطبيق، مع السماح بتجربة الحلول الجديدة ميدانيا وتعديلها فورا بناء على النتائج الفعلية. هذا النهج، بحسب الوزير، يهدف إلى جعل الابتكار جزءا يوميا من العمل العسكري وليس مشروعا مؤجلا للمستقبل.

وقد شدد هيغسيث على أن إزالة العوائق الإدارية تمثل خطوة محورية، حيث ترى الوزارة أن التعقيدات التنظيمية القديمة لم تعد مناسبة لعصر تتغير فيه التقنيات بوتيرة متسارعة. لذلك يجري تقليص سلاسل القرار، ومنح القادة والفرق الفنية صلاحيات أوسع، بما يسمح باتخاذ قرارات أسرع وأكثر جرأة، خصوصا في المجالات التي تمنح أفضلية مباشرة في ساحات القتال أو في جمع المعلومات وتحليلها.

أما الحديث عن التحول إلى قوة قتالية يكون فيها الذكاء الاصطناعي نقطة الانطلاق الأولى، فيعكس تغييرا جذريا في طريقة التفكير العسكري. فبدلا من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تضاف لاحقا إلى الخطط، سيصبح أساس التخطيط منذ اللحظة الأولى، سواء في إعداد السيناريوهات، أو توزيع الموارد، أو إدارة العمليات المعقدة. هذا التحول يعني أن القائد العسكري سيعتمد منذ البداية على نظم ذكية قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات وتقديم خيارات متعددة مدعومة بتقديرات دقيقة للأخطار والنتائج.

لا يمكن قراءة هذه الاستراتيجيا بوصفها خطة تقنية فقط، بل باعتبارها إعلانا سياسيا واستراتيجيا بأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا لا يتجزأ من معادلة الردع العسكري الأميركي

ويمتد هذا النهج ليشمل جميع مجالات العمل العسكري دون استثناء. ففي البر، ينتظر أن يدعم الذكاء الاصطناعي إدارة المعارك وتنسيق الوحدات وتحليل تحركات الخصوم. وفي البحر، سيسهم في مراقبة المساحات الواسعة والتعامل مع التهديدات المتغيرة بسرعة. أما في الجو والفضاء، فيعول عليه في التخطيط الدقيق للعمليات والتعامل مع البيئات الشديدة التعقيد. وفي المجال السيبراني، ينظر إليه كأداة أساسية للهجوم والدفاع في آن واحد، عبر الاستجابة الفورية للأخطار الرقمية.

وبحسب رؤية الوزير، فإن هذا التحول لا يلغي دور الإنسان، بل يعيد تعريفه. فالقائد سيظل صاحب القرار النهائي، لكن قراراته ستكون مدعومة بقدرات تحليلية غير مسبوقة، تمنحه تفوقا في السرعة والدقة، مقارنة بأي خصم. وبهذا، تسعى وزارة الحرب إلى بناء نموذج عسكري جديد يقوم على تكامل الإنسان مع الآلة، بهدف تحقيق تفوق عملي وحاسم في أي صراع مستقبلي.

وبذلك، لا يمكن قراءة هذه الاستراتيجيا بوصفها خطة تقنية فقط، بل باعتبارها إعلانا سياسيا واستراتيجيا بأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا لا يتجزأ من معادلة الردع العسكري الأميركي، وأحد ميادين الصراع الجديدة التي ستحدد ملامح القوة الدولية في السنوات المقبلة.

محاور ثلاثة

تعتمد الاستراتيجيا الجديدة على إعادة تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة العسكرية وفق ثلاثة أعمدة رئيسة، ينظر إليها باعتبارها الأساس الذي سيبنى عليه التفوق العسكري في المرحلة المقبلة، حيث يجرى توظيف التقنيات الذكية بشكل مباشر لخدمة القتال وجمع المعلومات وإدارة العمل اليومي.

في محور القتال، تسعى وزارة الحرب إلى إحداث نقلة نوعية في طريقة إدارة المعارك واتخاذ القرار داخل ساحات المواجهة. فالذكاء الاصطناعي يستخدم لتحليل المواقف القتالية المعقدة في زمن قصير جدا، وربط المعلومات الآتية من وحدات مختلفة، ثم تقديم تصورات واضحة للقادة حول أفضل الخيارات المتاحة. هذا النهج يهدف إلى تسريع تحديد الأهداف، وتقليص الفاصل الزمني بين اكتشاف التهديد والتعامل معه، خصوصا في البيئات العالية الخطورة التي تتغير فيها الظروف بسرعة ولا تحتمل التأخير أو الخطأ.

كما يشمل هذا المحور تحسين إدارة العمليات المشتركة التي تضم قوات برية وبحرية وجوية وفضائية في وقت واحد. فالأنظمة الذكية تعمل على تنسيق الجهود بين هذه القوات، وتوقع تحركات الخصم، وتقييم نتائج كل خطوة قبل تنفيذها، مما يمنح القادة قدرة أكبر على السيطرة على مجريات المعركة وتقليل الخسائر وتحقيق الأهداف بأعلى كفاءة ممكنة.

تعكس هذه الخطوة تحولا في فلسفة الاعتماد التقني داخل المؤسسة العسكرية، حيث لم يعد التركيز منصبا على بناء أنظمة مغلقة بالكامل تستغرق سنوات قبل دخولها الخدمة، بل على تكييف نماذج جاهزة ومتقدمة وتطويعها لتلبية الاحتياجات العسكرية الخاصة

أما في محور الاستخبارات، فتركز الاستراتيجيا على كسر الفجوة التقليدية بين جمع المعلومات والاستفادة منها عمليا. فبدلا من بقاء البيانات لفترات طويلة داخل قنوات التحليل البطيئة، يجرى استخدام الذكاء الاصطناعي لفرز كميات هائلة من المعلومات، وربطها بعضها ببعض، واستخلاص أنماط ودلالات قابلة للتحويل مباشرة إلى قدرات عسكرية. الهدف هنا هو الانتقال من مرحلة التقدير النظري إلى الفعل السريع، بحيث تتحول المعلومة إلى أداة ضغط أو ردع خلال ساعات قليلة.

وينظر إلى هذا التحول باعتباره عاملا حاسما في الصراعات الحديثة، حيث لم تعد الأفضلية لمن يمتلك المعلومات فقط، بل لمن يستطيع استغلالها بشكل أسرع وأكثر دقة. فالسرعة في تحويل المعرفة إلى فعل أصبحت جزءا أساسيا من ميزان القوة.

وفي محور العمليات المؤسسية، تسعى وزارة الحرب إلى تحديث البنية الداخلية للعمل اليومي، الذي يشمل التخطيط والإدارة والدعم اللوجستي والشؤون الإدارية. فالأدوات الذكية التوليدية والوكلاء الأذكياء تستخدم لتبسيط الإجراءات، وتقليل الأعباء الروتينية، وتسريع إنجاز المهام، مما يتيح للعسكريين والموظفين التركيز على المهام ذات الأهمية الأعلى.

ويهدف هذا المحور إلى رفع كفاءة أكثر من ثلاثة ملايين فرد يعملون داخل الوزارة، من خلال تمكينهم من أدوات تساعد في التحليل والكتابة والتنظيم واتخاذ القرار بشكل أسرع وأكثر دقة. وبهذا، لا يقتصر أثر الاستراتيجيا على ساحات القتال والاستخبارات فقط، بل يمتد إلى تحسين أداء المؤسسة العسكرية ككل، وجعلها أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة لمتطلبات عصر يتسم بالسرعة والتعقيد.

وبالتوازي مع مسار تسريع القدرات القتالية والاستخباراتية، كشفت وزارة الحرب عن توسيع نطاق منصات الذكاء الاصطناعي الداخلية، وفي مقدمتها منصة "جين إيه آي ميل"، بحيث لا تقتصر على الحلول المطورة داخل المؤسسة العسكرية، بل تمتد لتشمل نماذج متقدمة قادمة من القطاع الخاص. ويأتي هذا التوجه في إطار إدراك متزايد بأن وتيرة الابتكار التجاري باتت أسرع بكثير من الدورات التقليدية للتطوير الحكومي، وبأن الحفاظ على التفوق يتطلب الاستفادة المباشرة من هذا الزخم التقني مع إخضاعه لمتطلبات الأمن والاستخدام العسكري.

REUTERS
صورة جوية لمبنى البنتاغون في واشنطن، الولايات المتحدة

وتعكس هذه الخطوة تحولا في فلسفة الاعتماد التقني داخل المؤسسة العسكرية، حيث لم يعد التركيز منصبا على بناء أنظمة مغلقة بالكامل تستغرق سنوات قبل دخولها الخدمة، بل على تكييف نماذج جاهزة ومتقدمة وتطويعها لتلبية الاحتياجات العسكرية الخاصة. ويشمل ذلك استخدام هذه النماذج في تحليل كميات هائلة من البيانات التشغيلية، ودعم اتخاذ القرار في المستويات القيادية المختلفة، وتسريع فهم المعطيات الاستخباراتية المعقدة التي يصعب على العنصر البشري التعامل معها في وقت قصير.

ولا ينظر إلى إدخال نموذج مثل "غروك" بوصفه خطوة تقنية محدودة، بل باعتباره مؤشرا الى توجه استراتيجي أوسع يسعى إلى تقليص الفجوة بين العالمين العسكري والتجاري في مجال الذكاء الاصطناعي. فهذه الفجوة كانت، لسنوات طويلة، أحد أسباب البطء في تحديث القدرات الرقمية داخل الجيوش، بينما أتاح تقليصها للمؤسسة العسكرية الوصول السريع إلى أدوات أكثر تطورا دون انتظار دورات تطوير طويلة. وفي سباق عالمي تحكمه السرعة، يعد هذا العامل عنصرا حاسما في الحفاظ على التفوق.

يركز المشروع الأول على خلق بيئة تنافسية تجمع بين نخبة الوحدات القتالية وأبرز المبتكرين في مجال التقنيات الذكية، بهدف اختبار طرق جديدة للقتال في ظروف قريبة من الواقع

كما يرتبط اختيار "غروك" بطبيعة النموذج نفسه، الذي يتميز بمرونة أعلى في التعامل مع البيانات وبقدرة على تقديم تحليلات مباشرة وغير ملتفة. وتعد هذه الخصائص ذات أهمية خاصة في البيئات العسكرية، حيث لا يكون المطلوب صياغات لغوية حذرة أو إجابات عامة، بل تقديرات واضحة، وسيناريوهات محتملة، وتحليلات قابلة للاستخدام الفوري في ظروف تتسم بالغموض وسرعة التغير.

ويأخذ هذا الاختيار بعدا إضافيا عند النظر إلى الفلسفة التي يقف خلفها مطورو النموذج، التي ترتبط بشخصية إيلون ماسك ونهجه المختلف عن شركات التقنية التقليدية. فقد جرى تصميم "غروك" ليكون أقل خضوعا للتصفية الأيديولوجية، وأكثر استعدادا للتعامل مع الأسئلة الحساسة والسيناريوهات القاسية. وهذه السمات تتقاطع بشكل مباشر مع احتياجات المؤسسة العسكرية، التي تتعامل يوميا مع احتمالات صراع وأخطار وجودية، ولا يمكنها الاعتماد على أدوات تقدم إجابات منمقة أو متحفظة على حساب الدقة والوضوح.

وفي هذا السياق، ترى وزارة الحرب أن دمج مثل هذه النماذج داخل منصاتها الداخلية، مع إخضاعها للضوابط الأمنية والعسكرية اللازمة، يمنحها مزيجا فريدا من السرعة والواقعية والقدرة التحليلية. وهو ما يعزز هدفها الأوسع المتمثل في بناء قوة عسكرية قادرة على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، مستندة إلى أدوات ذكية تعكس طبيعة الصراع الحديث وتعقيداته المتزايدة.

مشاريع ضبط الإيقاع

كقلب تنفيذي للاستراتيجيا، أطلقت وزارة الحرب سبعة مشاريع وصفت بأنها مشاريع ضبط الإيقاع، لكل منها قائد واحد مسؤول وجدول زمني ضاغط، بهدف فرض معيار جديد لسرعة التنفيذ داخل المؤسسة العسكرية.

وتمثل هذه المشاريع السبعة العمود الفقري التنفيذي لاستراتيجيا تسريع الذكاء الاصطناعي داخل وزارة الحرب، إذ لا تطرح بوصفها مبادرات نظرية أو برامج بعيدة المدى، بل كمشاريع عملية ذات إيقاع سريع، لكل منها قيادة واضحة ومسؤولية مباشرة وموعد زمني صارم. وتهدف الوزارة من خلال هذا النموذج إلى كسر النمط التقليدي البطيء في التنفيذ، وفرض ثقافة جديدة تقوم على الإنجاز السريع، والمحاسبة الواضحة، والنتائج القابلة للقياس.

في مجال القتال، يركز المشروع الأول على خلق بيئة تنافسية تجمع بين نخبة الوحدات القتالية وأبرز المبتكرين في مجال التقنيات الذكية، بهدف اختبار طرق جديدة للقتال في ظروف قريبة من الواقع. تقوم الفكرة على التجربة المستمرة، حيث يتم تطوير أساليب قتالية تعتمد على أنظمة ذكية، ثم اختبارها ميدانيا، وتعديلها بسرعة، سواء لاستخدامها بشكل مباشر أو لفهم كيفية مواجهة خصوم يعتمدون على تقنيات مشابهة. وينظر إلى هذا المشروع باعتباره مختبرا حيا لإعادة ابتكار أساليب الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي.

أما المشروع الثاني في محور القتال، فيتمحور حول بناء شبكة متكاملة من الوكلاء الأذكياء لدعم القيادة والسيطرة وإدارة المعارك. وتستخدم هذه الوكلاء في تحليل المواقف، واقتراح السيناريوهات، ودعم القادة في اتخاذ القرار، بدءا من التخطيط للحملات العسكرية الكبرى، وصولا إلى إدارة سلاسل الاستهداف المعقدة في الزمن الحقيقي. والهدف هنا ليس استبدال القائد البشري، بل تزويده أدوات تحليلية تمنحه رؤية أوسع وسرعة أعلى في التعامل مع المواقف المتغيرة.

تشهد أروقة البنتاغون في هذه المرحلة تحولا عميقا يتجاوز حدود تحديث الأدوات أو إدخال تقنيات متقدمة، ليطال الأسس التي تقوم عليها الثقافة المؤسسية نفسها داخل المؤسسة العسكرية الأميركية

ويأتي المشروع الثالث ليعالج جانبا بالغ الأهمية، هو التدريب والاستعداد المستقبلي. إذ يركز على تسريع قدرات المحاكاة الذكية، وربط التدريب بالعمليات الفعلية من خلال حلقات تغذية راجعة مستمرة. فكل تجربة تدريبية، وكل عملية ميدانية، تتحول إلى مصدر بيانات يستخدم لتحسين النماذج والمحاكاة، بما يضمن بقاء القوات الأميركية متقدمة بخطوة على خصوم قد يستخدمون أنظمة ذكية مماثلة.

في محور الاستخبارات، يسعى المشروع الرابع إلى تقليص الفجوة التاريخية بين جمع المعلومات وتحويلها إلى قدرات عملية. فبدل أن تبقى المعلومات التقنية والاستخبارية حبيسة التقارير والتحليلات الطويلة، يهدف هذا المشروع إلى تحويلها بسرعة إلى أدوات أو أنظمة قابلة للاستخدام العسكري خلال وقت قصير جدا. ويعد هذا التحول عاملا حاسما في بيئة صراع لا تنتظر فيها الفرص أسابيع أو أشهرا.

أما المشروع الخامس، فيركز على إعادة صوغ مفهوم الردع العسكري نفسه. فبدل الاعتماد على أوضاع ثابتة وتقديرات نظرية، يعمل المشروع على بناء ردع ديناميكي يولد ضغطا مستمرا على الخصوم، مع نتائج قابلة للقياس والتحليل. ويعتمد هذا النهج على استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم سلوك الخصم، وتوقع ردود أفعاله، وتصميم خطوات مدروسة تظهر القدرة على الفعل السريع والدقيق.

AFP
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مراسم توقيع اتفاقية في شأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، واشنطن العاصمة

وفي محور العمليات المؤسسية، يهدف المشروع السادس إلى إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لجميع العاملين داخل وزارة الحرب، وفق مستويات التصنيف الأمني المعتمدة. وتستخدم هذه الأدوات لدعم التحليل، وإعداد التقارير، والتخطيط، وصوغ الخيارات، بما يسهم في تسريع العمل اليومي ورفع جودة القرارات على مختلف المستويات. ويمثل هذا المشروع محاولة لنشر الذكاء الاصطناعي أفقيا داخل المؤسسة، لا حصره في وحدات متخصصة فقط.

أما المشروع السابع والأخير، فيسعى إلى تحويل العمل الإداري والمؤسسي من خلال إنشاء إطار عمل سريع وآمن لتطوير ونشر الوكلاء الأذكياء داخل مختلف الإدارات. وتهدف هذه الخطوة إلى أتمتة المهام المتكررة، وتبسيط الإجراءات المعقدة، وتقليل العبء الروتيني على الأفراد، بما يرفع الكفاءة العامة ويمنح المؤسسة مرونة أكبر في الاستجابة للمتغيرات.

في مجملها، تعكس هذه المشاريع السبعة توجها واضحا نحو الانتقال من التخطيط إلى الفعل، ومن التجارب المحدودة إلى التطبيق الواسع، في محاولة لإعادة تعريف سرعة التنفيذ داخل المؤسسة العسكرية، وجعل الذكاء الاصطناعي عنصرا حاسما في كل مستوى من مستويات العمل.

رؤية جديدة

تشهد أروقة البنتاغون في هذه المرحلة تحولا عميقا يتجاوز حدود تحديث الأدوات أو إدخال تقنيات متقدمة، ليطال الأسس التي تقوم عليها الثقافة المؤسسية نفسها داخل المؤسسة العسكرية الأميركية. فالتغيير الجاري يعكس مراجعة شاملة لطريقة التفكير وصنع القرار وإدارة الأخطار وبناء التعاقدات، بما يشير إلى انتقال واضح من نموذج بيروقراطي ثقيل وبطيء إلى نموذج أكثر اعتمادا على السرعة والمرونة والتوظيف المكثف للذكاء الاصطناعي.

وبرزت إعادة ترتيب صريحة للأولويات القيمية التي كانت حاضرة بقوة خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها أطر التنوع والإنصاف والشمول. المقاربة الجديدة لا تنطلق من تبني هذه المفاهيم داخل المنظومة العملياتية، بل تسعى إلى إبعادها عن قلب مجالات الأمن والدفاع، لصالح التركيز على الأداء الخالص، والموضوعية، وسرعة الاستجابة. وتنطلق هذه الرؤية من اقتناع مفاده أن بيئات الصراع لا تحتمل اعتبارات قد تبطئ القرار أو تؤثر في حيادية مخرجات الأنظمة الذكية، وهو ما يفسر الدفع نحو نماذج ذكاء اصطناعي موجهة أساسا نحو إنجاز المهمة، لا إنتاج خطاب مريح أو منمق.

عند النظر إلى استراتيجيا تسريع الذكاء الاصطناعي في وزارة الحرب، يتضح أنها ليست خطوة منفصلة، بل امتداد مباشر لمسار انتهجته إدارة الرئيس دونالد ترمب منذ توليها الحكم في ملف الذكاء الاصطناعي

ويتزامن هذا التحول القيمي مع تغيير ملموس في آليات إرساء التعاقدات داخل وزارة الدفاع الأميركية. فبعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على كبار المتعاقدين التقليديين، تتجه المؤسسة العسكرية بشكل متزايد إلى فتح الباب أمام الشركات الناشئة ومزودي الحلول التقنية من القطاع الخاص، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن الابتكار الحقيقي بات يأتي من خارج الدوائر الدفاعية المغلقة، وبأن الحفاظ على التفوق يتطلب الاقتراب من سرعة السوق، لا الارتهان لإيقاعه البطيء.

ولم تعد إزالة البيروقراطية هدفا تنظيميا ثانويا، بل أصبحت جزءا أصيلا من العقيدة التنفيذية الجديدة داخل البنتاغون. فالمؤسسة العسكرية باتت أكثر استعدادا لاختبار حلول غير مكتملة، ونشرها ميدانيا بسرعة، ثم تطويرها أثناء الاستخدام الفعلي، بدل الانتظار الطويل لأنظمة مثالية قد تفقد جدواها قبل دخولها الخدمة. وتعكس هذه العقلية انتقالا واضحا من ثقافة السعي إلى الكمال قبل النشر، إلى ثقافة الجاهزية والتكيف المستمر مع الواقع المتغير.

ويظهر هذا التحول الثقافي بوضوح في برنامج "ريبليكتور" الذي يعد أحد أبرز التجليات العملية لهذا النهج الجديد. فقد أعلنت وزارة الدفاع خطوات تنفيذية جديدة ضمن البرنامج، شملت تسليم وشراء أنظمة مرتبطة بالمنصات غير المأهولة ومواجهة الطائرات المسيرة، ضمن المرحلة الثانية من البرنامج. ولم يكن هذا الإعلان مجرد تطور تسليحي تقليدي، بل مؤشر واضح الى أن فلسفة التسريع لم تعد إطارا نظريا، بل باتت تترجم إلى تعاقدات فعلية وتسليمات ميدانية ضمن جداول زمنية مختصرة.

AFP
طائرة ركاب تحلق فوق مبنى البنتاغون، كما تُرى من أعلى نصب واشنطن التذكاري

ويقوم برنامج "ريبليكتور" في جوهره على تجاوز دورات التعاقد التقليدية، والاعتماد على حلول جاهزة تقدمها شركات ناشئة، مع التركيز على السرعة والعدد والمرونة، بدل التعقيد والاعتماد الطويل الأمد على منظومات ضخمة وباهظة التكلفة. وفي هذا المعنى، لا يمثل البرنامج مبادرة منفصلة، بل أداة تنفيذية تعكس كيف تعيد المؤسسة العسكرية الأميركية دمج الذكاء الاصطناعي والاستقلالية التشغيلية داخل منظومة الردع الحديثة.

ومن هنا، يصبح الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي نتيجة طبيعية لتحول ثقافي أوسع داخل البنتاغون، لا مجرد خيار تقني معزول. فالمؤسسة العسكرية الأميركية تعيد تشكيل ذاتها لتكون أكثر قدرة على التكيف، وأسرع في اتخاذ القرار، وأكثر انفتاحا على الابتكار القادم من خارج حدودها التنظيمية التقليدية.

امتداد لمسار ترمب

عند النظر إلى استراتيجيا تسريع الذكاء الاصطناعي في وزارة الحرب، يتضح أنها ليست خطوة منفصلة، بل امتداد مباشر لمسار انتهجته إدارة الرئيس دونالد ترمب منذ توليها الحكم في ملف الذكاء الاصطناعي. فمنذ البدايات الأولى، سعت الإدارة إلى إعادة صوغ الإطار الحاكم لهذا المجال عبر قرارات تنفيذية واضحة هدفت إلى تقليص القيود التنظيمية وتسريع الابتكار. ففي يناير/كانون الثاني ٢٠٢٥، وقع ترمب أمرا تنفيذيا ركز صراحة على إزالة العوائق أمام القيادة الأميركية في الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن هذا المجال يجب التعامل معه بوصفه أداة قوة وطنية مرتبطة بالأمن القومي والتنافس الاستراتيجي، لا كملف رقابي أو أخلاقي في المقام الأول. وتبع ذلك إلغاء سياسات سابقة كانت تفرض متطلبات موسعة لاختبارات السلامة والإبلاغ، في خطوة عكست انتقالا واضحا من منطق الضبط إلى منطق التسريع.

كما أطلقت الإدارة في منتصف عام ٢٠٢٥ خطة العمل الوطنية للذكاء الاصطناعي، مدعومة بأوامر تنفيذية استهدفت تسريع بناء مراكز البيانات، وتعزيز صادرات التقنيات الأميركية، ومنع تعاقد الحكومة مع نماذج ينظر إليها باعتبارها خاضعة لتوجيهات أيديولوجية. وفي السياق ذاته، جرى الدفع نحو توحيد السياسة الفيديرالية للذكاء الاصطناعي والحد من تباين القوانين المحلية، إلى جانب إطلاق مبادرات خاصة لاستقطاب الكفاءات التقنية للعمل داخل مؤسسات الدولة.

وبذلك، لا يمكن النظر إلى ما تقوم به وزارة الدفاع الأميركية على أنه إجراء عابر أو تقني محدود، بل بوصفه توجها حاسما من الإدارة الأميركية لوضع الذكاء الاصطناعي في قلب المجال الدفاعي. ويعكس هذا التوجه حقيقتين أساسيتين: الأولى، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارا ثانويا، بل عنصر محوري يراد له أن يعيد تشكيل طبيعة الحروب وأدوات الردع. والثانية، أن تبني الولايات المتحدة لهذا النهج داخل وزارتها الدفاعية يبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أننا ندخل حقبة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من أدوات القوة والتأثير في النظام الدولي، بعدما انتقل من نطاق التصورات والخيال إلى موقع الفعل الحاسم في ميادين الصراع الحديثة.

font change