ينس فريدريك نيلسن ... "الغرينلاندي" الحالم بالاستقلال الكامل

التحدي أمامه بين الاستقلال الكامل وعلاقات ودية مع أميركا وحلفاء بلاده التاريخيين

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس حكومة غرينلاند ينس‑فريدريك نيلسن يخاطب أعضاء البرلمان الأوروبي خلال جلسة رسمية في مقر البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ شرقي فرنسا، في 8 أكتوبر 2025

ينس فريدريك نيلسن ... "الغرينلاندي" الحالم بالاستقلال الكامل

برز في الأسابيع الأخيرة، اسم رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن خلال الأيام العصيبة التي تمخضت عن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن وضع إطار لاتفاقية مستقبلية بشأن الجزيرة، ومنطقة القطب الشمالي بأكملها، وُصفت بأنها ستضع حلا طويل الأمد لمصيرها. أصبح نيلسن المدافع الأول عن سيادة غرينلاند. وُلد نيلسن ونشأ في غرينلاند بعد انتقال والده الدنماركي إليها في طفولته، بينما تنحدر والدته من سكان الجزيرة، لتكون العاصمة "نوك" أول موطن يحتضنه. وباعتباره غرينلانديا يعتز بانتمائه، تقوم رؤيته السياسية على طموح طويل الأمد، لتحقيق استقلال بلد لا يتجاوز عدد سكانه سبعة وخمسين ألف نسمة.

وعلى الرغم من إقراره بأن غرينلاند لا تزال بحاجة إلى سنوات، كي تبلغ مرحلة الاكتفاء الاقتصادي التي تتيح لها إنهاء ارتباطها التاريخي مع الدنمارك، فإن فلسفته السياسية، تقوم بأكملها على إصراره على نيل حق تقرير المصير لشعبه. وتتمتع البلاد، التي تمتد على أكثر من ثمانمائة ألف ميل مربع، بوضع شبه ذاتي الحكم ضمن المملكة الدنماركية، في علاقة تمتد جذورها إلى قرون مضت.

لذا، تبدو أجندة نيلسن القومية مؤهلة، لأن تجعله صوت غرينلاند الأمثل، في لحظة أعلن فيها ترمب صراحة عزمه فرض السيطرة الأميركية على البلاد، مع نهاية ولايته الثانية، بعد ثلاثة أعوام قبل الاتفاق "الغامض" الأخير.

وفي الأعوام الأخيرة، تزايدت شهية العالم لموارد غرينلاند الطبيعية، بما في ذلك معادن التربة النادرة، واليورانيوم والحديد، التي بات الوصول إليها أيسر، مع تسارع ذوبان الجليد بفعل تغير المناخ. ويعتقد العلماء أن لدى البلاد احتياطيات واعدة من النفط والغاز.

كما أعربت الولايات المتحدة وحلفاؤها عن قلقهم المتزايد من أن غياب ضمانات أمنية كافية، قد يفسح المجال أمام قوى منافسة، مثل روسيا والصين، لتعزيز نفوذها في المنطقة القطبية، حيث كثفتا اهتمامهما بشكل لافت خلال الأعوام الأخيرة.

وقد دفع ذلك ترمب، خلال ولايته الأولى، إلى تقديم عرض لشراء الجزيرة من الدنمارك في عام 2019، إلا أن الرد جاء حاسما بأن غرينلاند ليست للبيع.

تزايدت شهية العالم لموارد غرينلاند الطبيعية، بما في ذلك معادن التربة النادرة واليورانيوم والحديد، التي بات الوصول إليها أيسر مع تسارع ذوبان الجليد بفعل تغير المناخ

مؤخرا، عادت المخاوف بشأن مستقبل الإقليم إلى الواجهة، عقب استخدام ترمب القوة العسكرية ضد فنزويلا لاعتقال رئيسها نيكولاس مادورو. وفي تصريح أدلى به بعد ذلك التدخل، لمح ترمب إلى استعداده لاستخدام القوة العسكرية من أجل السيطرة على غرينلاند، قبل التوصل إلى الاتفاق الأخير مع الأمين العام لـ "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) مارك روتيه.

أ.ف.ب
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء غرينلاند ينس‑فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في ختام مؤتمر صحفي مشترك في نوك، غرينلاند، 15 يونيو 2025

استحضرت تصريحات ترمب المهددة مؤخرا باستخدام القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة ردا سريعا وحاسما من نيلسن، الذي تولى منصبه في أبريل/نيسان 2025.

وقال نيلسن إن "الخطاب المتكرر الصادر عن الولايات المتحدة غير مقبول إطلاقا". وأضاف في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "حين يتحدث الرئيس الأميركي عن الحاجة إلى غرينلاند ويربطنا بفنزويلا والتدخل العسكري، فالأمر ليس خاطئا فحسب، ولكنه مهين أيضا".

حين يتحدث الرئيس الأميركي عن الحاجة إلى غرينلاند ويربطنا بفنزويلا والتدخل العسكري، فالأمر ليس خاطئا فحسب، ولكنه مهين أيضا

ورغم إبدائه استعدادا لفتح حوار مع ترمب، اعتمد نيلسن نبرة حاسمة، قائلا: "لقد بلغ السيل الزبى. لا مزيد من الضغوط. لا مزيد من التلميحات. لا مزيد من أوهام الضم". ثم أضاف: "نحن مجتمع ديمقراطي نتخذ قراراتنا بأنفسنا...غرينلاند لا تريد أن تكون مملوكة للولايات المتحدة، ولن تُحكم من واشنطن".

وقد حظي موقف نيلسن الصارم بدعم قادة الأحزاب في غرينلاند، بمن فيهم المعارضة، الذين جددوا في بيان مشترك دعوتهم إلى إنهاء تجاهل الولايات المتحدة لبلادهم. وقالوا: "لا نريد أن نكون أميركيين، ولا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون غرينلانديين. مستقبل غرينلاند يجب أن يقرره شعب غرينلاند".وكان تصميم نيلسن على الدفاع عن مصالح بلاده واضحا، عندما انضم إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في محادثات ثلاثية مع مسؤولين أميركيين لمناقشة الوضع المستقبلي للإقليم. وقد أيدت فريدريكسن موقف نيلسن، مؤكدة أن "غرينلاند ليست للبيع". وقالت عن العلاقة بين الدنمارك وغرينلاند: "نأتي معا، ونبقى معا، ونغادر معا" مضيفة:"ولدينا بالطبع إرادة لمواصلة الاستثمار في المجتمع الغرينلاندي".

أدى نيلسن اليمين الدستورية كأصغر رئيس وزراء في تاريخ البلاد عام 2025، ليواجه التحديات التي فرضتها طموحات ترمب للسيطرة على الجزيرة القطبية. وقد بدأت مسيرته السياسية فعليا عام 2020 عندما انتُخب رئيسا لـ "حزب ديموكراتيت" الوسطي اليميني، الساعي إلى تحقيق استقلال غرينلاند. وقبل توليه رئاسة الوزراء، شغل منصب وزير الصناعة والموارد المعدنية.

(أ.ف.ب)
علم غرينلاند يرفرف على ساحل منطقة نوك

ونيلسن، الحاصل على شهادة في العلوم الاجتماعية من جامعة "غرينلاند" وعضو المنتخب الوطني للريشة الطائرة منذ عام 2009، منخرط في العمل السياسي منذ أيام دراسته الثانوية، وفقا لمستشار تكنولوجيا المعلومات هانس برومرستيدت، الذي يعرفه منذ الطفولة. ويقول برومرستيدت إن كاريزما نيلسن وروح الدعابة والذكاء الاجتماعي تميزه عن غيره. وأضاف في وصف نيلسن أنه "يتمتع بطاقة لافتة، وهو محبوب أينما ذهب... هو شخص محترم للغاية، ودائم الاستعداد في كل ما يقوم به".

وفي مؤتمره الصحافي الأول كرئيس للوزراء في نوك، دعا نيلسن إلى وحدة سياسية لمواجهة الضغوط الخارجية. وكانت رسالته واضحة: "في وقت نتعرض فيه كشعب لضغط كبير، علينا أن نقف معا".

وبعد وصفه تصريحات ترمب بشأن غرينلاند بأنها مهينة، شدد نيلسن على أهمية الروابط التاريخية العميقة التي تجمع بلاده بالدنمارك. وقال: "لدى الدنمارك الإرادة للاستثمار في المجتمع الغرينلاندي، وليس ذلك فقط لأسباب تاريخية، بل لأننا جزء من الكومنولث الدنماركي معا".

تبدو رؤية نيلسن الاقتصادية لغرينلاند طموحة. فهو يسعى إلى تحويل النقاش من التركيز على المنحة الدنماركية السنوية- التي تقل قليلا عن مليار دولار وتبقي الاقتصاد قائما- إلى تطوير الأعمال، وبناء اقتصاد قادر على الاعتماد على نفسه. ويتمثل هدفه في أن تحقق غرينلاند استقلالها عبر الاكتفاء الاقتصادي، وهو يؤمن بأن نهجا "تدريجيا" هو السبيل الأمثل لبلوغ هذه الغاية، بدلا من السعي إلى انفصال فوري عن الدنمارك. ويعد جذب الاستثمارات الأميركية عنصرا محوريا في استراتيجيته لتحقيق الاكتفاء، وهي سياسة قد تجعل غرينلاند عرضة لطموحات ترمب التوسعية.

وكانت مسألة الاستثمار واحدة من قضايا عدة أثيرت خلال المحادثات الثلاثية التي عقدت في واشنطن هذا الشهر بين وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتسفيلدت، ونائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو.

فهناك نقطة اختناق بحرية في المياه بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة- ما يعرف بفجوة غيوك- وتعد حيوية لمراقبة السفن الروسية والصينية

وليس ترمب أول رئيس أميركي يبدي اهتماما بتأمين غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم. فخلال الحرب العالمية الثانية، احتلت الولايات المتحدة غرينلاند، بينما كانت الدنمارك تحت الاحتلال الألماني، لكنها ترددت في المغادرة بعد انتهاء الحرب. وفي عام 1949 انضمت الولايات المتحدة والدنمارك إلى الناتو، وفي عام 1951 وقعتا معاهدة تلزم الولايات المتحدة قانونيا بالدفاع عن غرينلاند. وتبع ذلك في عام 1953 بناء قاعدة "ثول الجوية"، التي أعيدت تسميتها لاحقا إلى قاعدة "بيتوفيك الفضائية".

ويمر أقصر مسار بين روسيا والولايات المتحدة فوق غرينلاند. ولتعقب- وربما تدمير- الصواريخ الباليستية المتجهة إلى الولايات المتحدة، يتطلب الأمر قدرات رصد وصواريخ على أراضي غرينلاند. وتكتسب السواحل أهمية خاصة، فهناك نقطة اختناق بحرية في المياه بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة- ما يعرف بفجوة غيوك- وتعد حيوية لمراقبة السفن الروسية والصينية، ولا سيما الغواصات التي تتحرك بين القطب الشمالي والمحيط الأطلسي.

بين أميركا والدنمارك

وتوجد مسارات عدة قد تلجأ إليها الولايات المتحدة لتسريع سيطرتها على غرينلاند. فقد حاولت شراء الجزيرة مرات عدة من قبل. ففي عام 1946 عرضت الولايات المتحدة مئة مليون دولار لشرائها (ما يعادل نحو 1.3 مليار دولار اليوم)، لكنها تلقت جوابا حاسما بأن "غرينلاند ليست للبيع".

وفي ما يتعلق بالعمل العسكري، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل وجودا عسكريا في غرينلاند، بينما لا يملك الغرينلاندي قدرة عسكرية وطنية. والدنمارك مسؤولة عن الدفاع والأمن في غرينلاند، لكنها لن تكون ندا للولايات المتحدة إذا قرر ترمب المضي في هذا المسار. ومع ذلك، فإن مهاجمة عضو في "الناتو" ستعني على الأرجح نهاية الحلف بصيغته الحالية، وستدفع الكثير من الدول الأوروبية إلى أزمة أمنية.

font change