استراتيجية صينية "براغماتية" للذكاء الاصطناعي... ما موقع الخليج فيها؟ (2-2)

الطريق الآمن للتعاون مع الصين مع موازنة المكاسب والأخطار

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

استراتيجية صينية "براغماتية" للذكاء الاصطناعي... ما موقع الخليج فيها؟ (2-2)

تمثل دول الخليج حلقة محورية في استراتيجيا الصين التكنولوجية والاقتصادية، خاصة في تلك المرحلة التي تتسم بتصاعد القيود الغربية على تدفقات رأس المال والتقنيات المتقدمة.

فالصناديق السيادية الخليجية تعد من الأكبر والأكثر سيولة على مستوى العالم، إذ تدير مجتمعة أصولا تتجاوز 4 تريليونات دولار، مما يمنحها قدرة استثنائية على الدخول في استثمارات طويلة الأجل وعالية الاخطار نسبيا، وهو ما تحتاجه الصناعات التكنولوجية الثقيلة مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية. ويبرز في هذا السياق صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي تجاوزت أصوله 913 مليار دولار ويقود تحولات كبرى في قطاعات التقنية والطاقة والنقل، إلى جانب جهاز أبو ظبي للاستثمار، الذي يدير ما يقارب تريليون دولار ويعد من أكثر الصناديق خبرة في الاستثمار الاستراتيجي العالمي. بالنسبة إلى بكين، لا تمثل هذه الصناديق مجرد ممول مالي، بل تمثل شريكا قادرا على توفير رأس مال مستقر يعوض جزئيا القيود الأميركية والأوروبية المتزايدة على تمويل الشركات الصينية العاملة في المجالات الحساسة.

ولا تقتصر جاذبية الخليج للصين على العامل المالي وحده، بل تمتد إلى كونه من أسرع الأقاليم عالميا في تبني الحلول الذكية والتقنيات الناشئة على نطاق واسع. فدول الخليج، بحكم طبيعة مدنها الحديثة، وكثافتها السكانية المنخفضة نسبيا، وقدرتها على اتخاذ القرار المركزي السريع، تشكل بيئة مثالية لاختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في مجالات مثل النقل الذاتي، والمدن الذكية، وإدارة الطاقة، والخدمات الحكومية الرقمية.

مزيج نادر

وقد وضعت الإمارات هدفا طموحا يتمثل في أن يشكل النقل الذاتي ربع إجمالي حركة النقل في حلول عام 2030، فيما تسعى السعودية إلى إدخال هذه التقنيات بنسبة 15 في المئة في مدنها الكبرى ضمن الإطار الأشمل لـ"رؤية 2030". هذه الطموحات تفتح الباب واسعا أمام الشركات الصينية، التي تمتلك خبرة عملية كبيرة في نشر حلول جاهزة ومجربة على نطاق واسع داخل السوق المحلية الصينية، من دون التعقيدات التنظيمية التي تواجهها غالبا الشركات الغربية.

وبذلك، يوفر الخليج لبكين مزيجا نادرا من التمويل، وسرعة التبني، وسهولة التوسع، مما يسمح للصين بتحويل تقنياتها من مجرد منتجات محلية إلى معايير تشغيلية مطبقة دوليا.

وعلى المستوى الجيوسياسي الأوسع، تسهم هذه الشراكات في تعزيز مبادرة "الحزام والطريق" عبر إضافة بعد تكنولوجي رقمي إلى الممرات التجارية التقليدية، مما يوسع النفوذ الصيني من آسيا مرورا بالشرق الأوسط وصولا إلى أوروبا وأفريقيا، ليس فقط عبر الموانئ والسكك الحديد، بل أيضا عبر البنية التحتية الرقمية ومنصات الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، فإن هذه العلاقة ليست أحادية الاتجاه. فبالنسبة إلى دول الخليج، لم يعد التعاون مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي مسألة تنويع شراكات أو موازنة علاقات دولية فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية مرتبطة مباشرة بتحقيق رؤاها التنموية الطويلة الأجل.

تبرز ميزة الشركات الصينية، التي تركز على النشر السريع، وخفض التكاليف، وتقديم أنظمة متكاملة تشمل البرمجيات والأجهزة والخدمات، حتى في ظل قيود تصدير التقنيات المتقدمة

فالاقتصادات الخليجية، الساعية إلى تقليص الاعتماد على النفط، ترى في الذكاء الاصطناعي رافعة إنتاجية قادرة على إعادة تشكيل قطاعات كاملة، من الصناعة والخدمات اللوجستية إلى الصحة والتعليم والطاقة. وتشير تقديرات شركة PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يصل إلى 320 مليار دولار إلى اقتصاد الشرق الأوسط في حلول عام 2030، وهي أرقام تعكس حجم الرهان القائم. وتظهر التقديرات أن السعودية وحدها قد تجني نحو 135.2 مليار دولار، بما يعادل 12.4 في المئة من ناتجها المحلي، فيما قد يشكل الذكاء الاصطناعي نحو 14 في المئة من الناتج المحلي للإمارات.

غير أن تحقيق هذه القفزة الاقتصادية لا يعتمد فقط على الوصول إلى أحدث الشرائح المتقدمة أو النماذج البحثية الأكثر تطورا، بل يتطلب حلولا عملية قابلة للتطبيق الفوري وقادرة على الاندماج في القطاعات القائمة. وهنا تحديدا تبرز ميزة الشركات الصينية، التي تركز على النشر السريع، وخفض التكاليف، وتقديم أنظمة متكاملة تشمل البرمجيات والأجهزة والخدمات، حتى في ظل قيود تصدير التقنيات المتقدمة. وبذلك، تجد دول الخليج في الصين شريكا قادرا على تسريع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فيما تجد الصين في الخليج منصة استراتيجية للتمويل والتطبيق والتوسع العالمي، في معادلة تبادلية تعيد رسم ملامح النفوذ التكنولوجي في النظام الدولي.

استثمارات ضخمة

في الرياض، تجسد شراكة Alibaba Cloud مع شركة الاتصالات السعودية STC مثالا واضحا على هذه الديناميكية العملية، حيث بلغت قيمة الصفقة نحو 894 مليون ريال سعودي، أي ما يعادل 238 مليون دولار، لتطوير بنية تحتية سحابية متكاملة تتيح للقطاعين الحكومي والخاص نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بسرعة وكفاءة. هذه البنية التحتية لا تقتصر على استضافة البيانات وتشغيل الخوارزميات فحسب، بل تشمل منصات تحليلية متقدمة، وأدوات إدارة الأمان السيبراني، ودعم قدرات التعلم الآلي، مما يجعلها أساسا لتطوير مشاريع المدن الذكية، والحكومة الرقمية، والخدمات الذكية في القطاعين التجاري والحكومي.

أما في أبو ظبي، فيبرز صندوق MGX، الذي يدير ما يقارب 100 مليار دولار، كأداة تمويل استراتيجية تستهدف البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل مراكز البيانات، شبكات الاتصال، ومراكز الابتكار التكنولوجي.

واس
صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

هذا الصندوق يتيح استثمارات ضخمة في المشاريع الصينية المبتكرة، مع إمكان تطبيقها مباشرة في السوق الخليجية، مما يعزز سرعة الانتقال من الفكرة إلى التطبيق الفعلي، ويخلق نموذجا مستداما للشراكة بين رأس المال والخبرة التقنية.

وفي قطاع التنقل الذكي، دخلت شركات صينية بارزة مثل Baidu وPony.ai وWeRide في شراكات تشغيلية مع جهات في السعودية والإمارات خلال عامي 2025 و2026، متماشية مع أهداف المدن الكبرى في المنطقة مثل دبي وأبوظبي، التي تسعى إلى دمج النقل الذاتي بنسبة 15 إلى 25% من حركة النقل في حلول 2030. تشمل هذه الشراكات نشر أساطيل من المركبات الذاتية القيادة، منصات تشغيل ذكية، ونظم مراقبة وتحليل البيانات لحركة المرور، مما يمكن السلطات المحلية من اختبار واعتماد تقنيات جديدة قبل تعميمها على نطاق أوسع.

في جوهر هذه الشراكة، هناك مصلحة متبادلة واضحة، فالصين تستفيد من رأس المال الخليجي الكبير وسرعة اعتماد التقنيات في بيئة جاهزة للتوسع، بينما تحصل دول الخليج على حلول صينية جاهزة للتطبيق تضمن تحقيق عوائد اقتصادية ملموسة بمليارات الدولارات

وفي مجال الاتصالات، تعاونت شركة "هواوي" الصينية مع مشغلي الاتصالات الخليجيين لنشر شبكات 5G و5G-A، الأمر الذي أسهم في تقليل تكاليف النشر بشكل ملحوظ، تحسين كفاءة الطاقة، وتوفير قدرة استيعابية أكبر للشبكات لتلبية متطلبات الذكاء الاصطناعي، السيارات الذاتية القيادة، والمدن الذكية. هذا التعاون يسمح للمؤسسات الحكومية والخاصة في الخليج بالاعتماد على بنية تحتية قوية ومرنة دون التعرض للتأخير الناتج من العقوبات أو الشروط الغربية المتعلقة بالتقنيات الحساسة.

.أ.ف.ب
جناح شركة "هواوي" الصينية في المؤتمر العالمي للهواتف الذكية، وهو أكبر تجمع سنوي لصناعة الاتصالات المقام في برشلونة، 26 فبراير 2024

في جوهر هذه الشراكة، هناك مصلحة متبادلة واضحة، فالصين تستفيد من رأس المال الخليجي الكبير وسرعة اعتماد التقنيات في بيئة جاهزة للتوسع، بينما تحصل دول الخليج على حلول صينية جاهزة للتطبيق تضمن تحقيق عوائد اقتصادية ملموسة بمليارات الدولارات، مع خفض أخطار التأخير والسياسات الغربية المعقدة. إنها صيغة تعاونية حيث يشتري طرفٌ الوقت والحجم، فيما يشتري الطرف الآخر النتائج والعوائد، مما يجعل التعاون بين الصين ودول الخليج نموذجا متطورا للشراكة الاقتصادية والتكنولوجية الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.

من يملك مفاتيح التحكم؟

تظهر التجارب الدولية أن الأخطار المرتبطة بالتعاون التكنولوجي مع الصين تتجاوز مجرد الاصطفاف السياسي، لتصل إلى تصميم وتشغيل الأنظمة نفسها. القانون الصيني للاستخبارات الوطنية لعام 2017 يلزم الشركات المحلية التعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات، مما يعني أن أي مكون شبكي أو سحابي أو بصري تقدمه شركة صينية يمكن نظريا أن يكون قابلا للوصول من قبل بكين. وعندما تستخدم هذه المكونات كأساس للبنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الاتصالات، السحابة الحكومية، المدن الذكية، الموانئ، أو منشآت الطاقة، يصبح السؤال "من يملك مفاتيح التحكم؟" و"تحت أي قانون يعمل هذا المزود؟" سؤالا لا يمكن تجاهله.

على مستوى الشبكات، أبرزت أزمة الجيل الخامس الخاصة بشركة "هواوي" جوهر المشكلة. القضية لم تكن مجرد منافسة بين مزودين، بل تتعلق بالبنية العميقة لنواة الشبكة وواجهاتها. كشفت مراجعات أمنية في أوروبا وجود مزيج من الأبواب الخلفية المتعمدة، وآليات صيانة عن بعد، وبروتوكولات تحديث تمنح المزود قدرة وصول مستمرة وبصورة منخفضة الظهور إلى حركة البيانات. حتى لو قدم هذا الوصول تحت غطاء "الدعم الفني"، فإنه يسمح بجمع البيانات الوصفية، قراءة الإعدادات، ورسم خرائط لحركة المرور. وفي الخليج، حيث تعتبر شبكات 5G و5G-A العمود الفقري لرقمنة الحكومة والصناعة، فإن أي تسرب في طبقة واحدة قد يمنح القدرة على مراقبة أو حتى التحكم في اتصالات حساسة على نطاق واسع.

أما على مستوى السحابة ومراكز البيانات، فقد كشف حادث مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا عام 2018 مدى خطورة الثغرات البنيوية. بعد تشغيل المقر الجديد الذي بني وجهز عبر مقاول صيني، أفادت تقارير بأن خوادمه كانت تنقل البيانات ليلا إلى شنغهاي على مدى خمس سنوات، كما بقيت حسابات الإدارة عن بعد مفعلة، مما منح المزود قدرة وصول مستمرة إلى النظام. بغض النظر عن دقة كل التفاصيل، فإن الدرس التقني واضح: أي مزود أجنبي يحتفظ بحسابات إدارية مميزة أو بإعدادات جدار ناري افتراضية، يتحكم بشكل فعلي في سيادة البيانات، ويصبح الاعتماد على البنية التحتية محكوما بخطوط الوصول هذه.

في المدن الذكية الخليجية، حيث تدمج بيانات المرور والصحة والطاقة والتعليم في بحيرات بيانات موحدة، يصبح أي منفذ صيانة غير مراقب خطرا سياديا بالغ الخطورة. فحتى خطأ صغير أو اختراق محدود على مستوى صيانة النظام، قد يمنح رؤية بانورامية لجميع العمليات الحيوية، بما في ذلك المعلومات الشخصية والحكومية، وبالتالي تحويل ما يبدو كخدمة تقنية إلى أداة ذات أبعاد استراتيجية وأمنية كبيرة.

النظام الصيني "بايدو" لا يقدم فقط خدمات ملاحة مدنية بدقة تقارب عشرة أمتار، بل يوفر في خدماته المرخصة دقة دون السنتيمتر الواحد، إلى جانب قدرات متقدمة لمقاومة التشويش والتداخل، وهي خصائص ذات قيمة عسكرية وأمنية عالية

وفي مجال أنظمة المراقبة، تتضح الأخطار بصورة أكثر حساسية، لأن هذه الأنظمة تقع عند نقطة التقاء الأمن الفيزيائي بالبيانات الرقمية. شركات صينية كبرى مثل Hikvision وDahua توفر كاميرات مراقبة منخفضة التكلفة وواسعة الانتشار، لكنها تحمل تاريخا طويلا من الثغرات الموثقة، شملت إمكانات تنفيذ أوامر عن بعد دون مصادقة كافية، وكلمات مرور مدمجة لا يمكن تغييرها بسهولة، وواجهات برمجية مكشوفة تسمح بالوصول إلى بث الفيديو أو إعدادات النظام.

وعند دمج هذه الكاميرات مع خوارزميات ذكاء اصطناعي للتعرف إلى الوجوه ولوحات المركبات وتحليل السلوك، فإنها لا تعود مجرد أدوات مراقبة محلية، بل تتحول فعليا إلى شبكة حساسات استخباراتية موزعة عند كل تقاطع طرق، وكل مدخل منشأة، وكل بوابة ميناء أو مطار. وفي بيئات الخليج، حيث تدار منشآت النفط والغاز، والمطارات، والموانئ، والمناطق الصناعية عبر منصات تشغيل موحدة، تصبح المشكلة بنيوية لا موضعية؛ فاستبدال كاميرا أو تحديث برنامج لا يكفي، بل يتطلب الأمر فرض تجزئة صارمة للشبكات، وفصل أنظمة المراقبة عن الشبكات التشغيلية الحساسة، وتطبيق تشفير شامل من طرف إلى طرف، وإلغاء أي وصول عن بعد للمزود، مهما كان مبرره الفني.

AFP
شعار الشركة معروض في مقر "بايدو" في بكين

وتكشف أنظمة الملاحة وتحديد المواقع عن طبقة أدق وأكثر تعقيدا من الأخطار. فالنظام الصيني "بايدو" لا يقدم فقط خدمات ملاحة مدنية بدقة تقارب عشرة أمتار، بل يوفر في خدماته المرخص لها دقة دون السنتيمتر الواحد، إلى جانب قدرات متقدمة لمقاومة التشويش والتداخل، وهي خصائص ذات قيمة عسكرية وأمنية عالية.

الاختراق الكبير

وعند إدماج هذا النظام في سلاسل الإمداد الخليجية، أو في تشغيل الطائرات المسيرة، أو في إدارة حقول الطاقة والمنشآت البحرية، فإن أنماط الحركة والتوقيت والمسارات التشغيلية — وهي بيانات ثمينة في التحليل الاستخباراتي — تصبح قابلة للرصد أو الاستنتاج. والخطر هنا لا يكمن بالضرورة في "تجسس مباشر" أو نقل بيانات صريح، بل في الاعتماد البنيوي على نظام ملاحة لا تتحكم دولة المستخدم في مفاتيحه أو تحديثاته أو أولوياته التشغيلية، مما يفتح الباب نظريا لاحتمالات التعطيل الانتقائي، أو التلاعب في الدقة، أو خفض مستوى الخدمة في لحظات الأزمات السياسية أو العسكرية.

وتتعمق الأخطار أكثر عند النظر إلى سلسلة توريد العتاد نفسها. فحتى مع بقاء بعض الاتهامات محل جدل، أبرزت قضية "الاختراق الكبير" التي نشرتها "بلومبرغ" عام 2018 جوهر الإشكالية: لوحات الخوادم، ووحدات التحكم الأساسية، ومكونات الإدارة المنخفضة المستوى المصنعة في الصين يمكن — نظريا — أن تدمج فيها رقاقات دقيقة شبه غير قابلة للكشف، مصممة لفتح قنوات اتصال خفية أو تهريب البيانات. وبغض النظر عن صحة كل التفاصيل التقنية في تلك القضية، فإنها سلطت الضوء على هشاشة الثقة في سلاسل التوريد العالمية.

الطريق الآمن لا يكمن في القطيعة الكاملة ولا في الاندماج غير المشروط، بل في توازن هندسي صارم

وفي دول الخليج التي تضخ مليارات الدولارات في مراكز بيانات سيادية، وعنقوديات حوسبة فائقة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لا يمكن التعامل مع العتاد بوصفه "صندوقا أسود" بل يجب أن تصبح فواتير مكونات العتاد، والبرمجيات الموقعة رقميا، وعمليات التفكيك والفحص الجنائي العشوائي، ومطابقة الشرائح مع التصاميم المرجعية، متطلبات أساسية في أي مشروع وطني، لا كماليات يمكن الاستغناء عنها.

وكل هذه الأبعاد التقنية تترجم مباشرة إلى كلفة جيوسياسية واضحة حين تقرأ من زاوية واشنطن. فقضية شركة G42 في أبو ظبي قدمت نموذجا عمليا لهذا التداخل بين التكنولوجيا والسياسة. إذ وجد أحد أبرز كيانات الذكاء الاصطناعي في الخليج نفسه أمام معادلة صفرية تقريبا: إما تفكيك الشراكات مع موردين صينيين في الطبقات الحساسة والامتثال لمتطلبات الأمن الأميركية، أو خسارة الوصول إلى أحدث الشرائح الأميركية المتقدمة، والشراكات السحابية الغربية، ومنظومات البرمجيات الحرجة. ومع تخفيف الولايات المتحدة أخيرا قيود تصدير أشباه الموصلات المتقدمة لبعض الشركاء الخليجيين، ولكن بشروط واضحة تتعلق بالامتثال والتخارج من الأصول المرتبطة بالصين في المجالات الحساسة، أصبح الخيار اقتصاديا واستراتيجيا في آن واحد. فتح الباب للصين في الطبقات العميقة من الشبكات والسحابة والعتاد، يعني عمليا تعريض القدرة على الوصول إلى أحدث التقنيات الغربية لخطر التجميد أو الحرمان لسنوات مقبلة.

والخلاصة بالنسبة إلى دول الخليج أن الخطر الحقيقي ليس "مؤامرة" بالمعنى التقليدي، بل هندسة أنظمة. فالباب الخلفي قد يظهر في صورة "صيانة دورية"، والتجسس قد يتجسد في "نقل بيانات ليلي لأغراض النسخ الاحتياطي" والنفوذ قد يمارس عبر فرض "معيار ملاحة" أو "متحكم شرائح" لا يملك المستخدم سيادة عليه.

وعندما يقترن ذلك بشروط واشنطن في مجالات التكنولوجيا والاستخبارات والدفاع، قد تفوق التكلفة الطويلة الأمد لأي تعاون غير منضبط مع الصين المكاسب السريعة في التكلفة أو سرعة التنفيذ. الطريق الآمن لا يكمن في القطيعة الكاملة ولا في الاندماج غير المشروط، بل في توازن هندسي صارم يشمل فصل الموردين عبر الطبقات المختلفة (الشبكة، والسحابة، والعتاد، والملاحة)، إدارة سيادية كاملة للمفاتيح والهويات الرقمية، تفتيش وطني دقيق لقنوات الوصول عن بعد، حظر تصاعدي للمكونات غير الموثقة، وبنود خروج واضحة تتيح الاستبدال السريع دون شلل تشغيلي. فقط ضمن مثل هذه الهندسة المنضبطة، يمكن التعاون التكنولوجي أن يظل مكسبا استراتيجيا، لا عبئا سياديا.

font change