مقتدى الصدر وسؤال العودة للسياسة مجددا

إعادة الحسابات

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أنصار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر يسيرون حاملين صوره والأعلام الوطنية خلال مسيرة تدعو لمقاطعة الانتخابات البلدية العراقية لعام 2023

مقتدى الصدر وسؤال العودة للسياسة مجددا

ترددت في الآونة الأخيرة تصريحات وتقارير صحافية عن عودة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر إلى المشهد السياسي بعد حوالي أربع سنوات من العزلة التامة الإرادية مع تياره، إثر أزمة سياسية بسبب حكومة شكلها تضم أبرز المكونات والطوائف، وهو ما أدى إلى اندلاع مواجهات مسلحة مع فصائل مرتبطة بقوى شيعية أخرى.

لم يُعلن الصدر رسميا عودته إلى وقت كتابة هذا التقرير، ولكننا نحلل عودته المحتملة خاصة بعد قراره مطلع العام بإعادة هيكلة "سرايا السلام"، الجناح المسلح الذي جمده عام 2015، وبالتزامن مع عودة محتملة هي الأخرى لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي المدعوم من إيران.

هناك عاملان رئيسان أيضا دفعا زعيم التيار الصدري لإعادة هيكلة "سرايا السلام"، واحد داخلي عراقي، ناتج عن شعور التيار بتراجع نفوذه وأدواره وسطوته على مؤيديه، بسبب عزلته الإرادية السياسية والعسكرية منذ سنوات، والآخر جيوسياسي، مرتبط بتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة.

وبحسب الباحث المختص في شؤون الجماعات المسلحة في العراق إبراهيم يوسف مراد، فإن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة (56 في المئة) شكلت صدمة للتيار الصدري. فمنذ أن أعلن الصدر انسحابه من العملية السياسية بشكل كامل في شهر أغسطس/آب من عام 2022، وقدم أعضاء البرلمان العراقي من التيار الصدري استقالتهم من عضوية البرلمان، كان التعويل السياسي للتيار الصدري قائم على إحداث صدمة في المناخ السياسي، والإيحاء بعدم شرعية القوى المنخرطة في العملية السياسية، بسبب قلة تمثيلهم الشعبي.

فزعيم التيار مُقتدى الصدر رفض المشاركة في الانتخابات الأخيرة رغم كل التدخلات والوساطات، مطلقا خطابات قطيعة جذرية مع العملية السياسية والقائمين عليها، متهما إياهم بالفساد والتسبب بكوارث البلاد.

يقول مراد: "الصدر حينما كان يفعل ذلك، كان يعتقد أن دعوته للمقاطعة سيُستجاب لها بشكل واسع، وتالياً ستُسحب الشرعية من الفاعلين السياسيين الراهنين، القوى الشيعية تحديدا. فالتيار الصدري كان يعتقد أن مقاطعته ستدفع لأن تكون نسبة المشاركة أقل بكثير مما كانت عليه في انتخابات عام 2021 (41 في المئة)، لكن العكس هو الذي حدث، ما كشف تراجعا كبيرا في دور التيار وسطوة زعيمه على مؤيديه وعموم الرأي العام (الشيعي)".

الصدر حينما كان يفعل ذلك، كان يعتقد أن دعوته للمقاطعة سيُستجاب لها بشكل واسع، وتاليا ستُسحب الشرعية من الفاعلين السياسيين الراهنين، القوى الشيعية تحديدا

يعتقد مراد أن هناك انطباعا سائدا في المشهد السياسي بأن خروج التيار الصدري من العملية السياسية كان بضغط إيراني واضح، لكن تبدو الفرصة سانحة اليوم للعودة مجددا خاصة في ظل ضعف كبير يعتري النفوذ الإيراني إقليميا.

ويضيف: "حينما وصلت المزاحمة السياسية والأمنية بين التيار وغيره من القوى العراقية المقربة إلى لحظة الصِدام المباشر داخل العاصمة بغداد، مارست إيران أقصى درجات الضغط على السيد الصدر، وقدم السيد الصدر إشارات على ذلك طوال الشهور التالية. فالصدر وقتئذ، ومعه كل تياره السياسي، حمل في ذاته نُدبة تجاه إيران، التي حرمته من الظفر بالسلطة، رغم حصوله على أكبر كتلة نيابية (70 مقعدا من أصل 329 مقعدا) في انتخابات عام 2021، وقدرته على تشكيل التحالف الثلاثي العابر للحساسيات الأهلية، مع (الحزب الديمقراطي الكردستاني) وحزب (تقدم)، إلا أن الإرادة الإيرانية منعته من ذلك تماماً".

الإرث القديم

تناقضات التيار الصدري مع القوى الشيعية النظيرة بدأت منذ أواخر عام 2011، حينما خرجت القوات الأميركية من العراق بشكل نهائي وقتئذ. فالتيار كان يرى في نفسه التيار السياسي الوحيد الذي "قاوم" الاحتلال الأميركي في العراق، لكن مع خروج القوات الأميركية، تمكنت القوى والتيارات "المهادنة" للاحتلال الأميركي من البقاء في السلطة. فالتيارات الشيعية الثلاثة الفاعلة وقتئذ، أي حزب "الدعوة" بقيادة المالكي، و"المجلس الأعلى" بقيادة عمار الحكيم، و"القائمة العراقية" برئاسة السياسي المدني إياد علاوي، تمركزوا في بُنى الحكم عقب انتخابات عام 2010، وفعليا تمكن حزب "الدعوة"، وبدعم واضح من إيران، من تحجيم باقي القوى الشيعية المشاركة في العملية السياسية.

أ.ف.ب
رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر خلال إلقاء كلمة في جامع الكوفة الكبير بمدينة النجف، وسط العراق، في 4 نوفمبر 2022

لكن عاملين أساسيين برزا في المشهد العراقي، تحديدا على المستوى الأمني، حجما من الفاعلية الميدانية التقليدية للتيار الصدري، والتي كان يستمدها من انخراط آلاف الضباط من الجيش العراقي السابق ضمن صفوفه، كما يتهمه مناهضوه السياسيون.

فالكثير من الفصائل والتيارات السياسية أنشقت عن التيار الصدري، بدعم واضح من هذه القوى السياسية الشيعية، ورعاية مباشرة من إيران، بغية تحجيم التيار، الذي كان يتخذ مواقف مختلفة عن الاستراتيجية الإيرانية داخل العراق. فتنظيم "عصائب أهل" الذي يقوده قيس الخزعلي، و"حركة النجباء" برئاسة أكرم الكعبي، و"ألوية جيش اليوم الموعود"، كانوا سابقا فصائل ضمن "جيش المهدي"، الذي كان الجناح العسكري للتيار الصدري، وتحول لاحقا وأصبح "سرايا السلام".

المشترك بين جميع حالات الانشقاق، أنها تمت بناء على خلافات بين قادة هذه التنظيمات وزعيم التيار مُقتدى الصدر، تحديدا فيما خص مسألة الخضوع والتماهي مع الاستراتيجية العسكرية والسياسية الإيرانية

لكن المشترك بين جميع حالات الانشقاق تلك، أنها تمت بناء على خلافات بين قادة هذه التنظيمات وزعيم التيار مُقتدى الصدر، تحديدا فيما خص مسألة الخضوع والتماهي مع الاستراتيجية العسكرية والسياسية الإيرانية في الداخل العراقي، حيث كان الصدر يتمايز عنها. لكن إيران، وفي مختلف حالات الانشقاق هذه، كانت تؤمن رعاية أمنية وعسكرية للمنشقين عن التيار الصدري، وتحولهم بالتقادم إلى قوى سياسية وعسكرية ميدانية، ودائما على حساب التيار الصدري.

أ.ف.ب
أنصار المرجع الشيعي العراقي مقتدى الصدر خلال احتجاجهم على ترشيح أحد فصائل المعارضة الشيعية لمنصب رئيس الوزراء، أمام مبنى البرلمان العراقي في المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد، في 25 أغسطس 2022

التغيير الآخر حدث عقب عام 2014، حينما تمكن تنظيم "داعش" من احتلال الكثير من مناطق العراق، وصدرت فتوى "الجهاد الكفائي" عن المرجع الأعلى السيد علي السيستاني. ففي ظلالها تشكلت فصائل "الحشد الشعبي"، وامتلك أغلبها بنى هيكلية ولوجستية واستخباراتية وعسكرية ومالية، مستقلة عن الدولة وأجهزتها ومؤسساتها العامة. هذه العامل دفع بعشرات الآلاف من الشُبان في المناطق الجنوبية لأن ينخرطوا في صفوف هذه التنظيمات، والكثير منهم كانوا مع أعضاء التيار الصدري، الذي كان يملك تنظيما مسلحا وحده.

خيارات محدودة

هذا العاملان يدفعان أصحاب القرار ضمن التيار الصدري للتفكير جدية بالعودة إلى العملية السياسية، لاعتقادهم بأن بقاء التيار ضمن مؤسسات وأجهزة الدولة سيساعد في تأمين القدرات المادية واللوجستية والسياسية لاستمرار التيار بالزخم التقليدي الذي كان عليه. فإلى جانب مؤسسات الدولة التي تستطيع استيعاب عشرات الآلاف من مناصري التيار ضمن صفوفها، ثمة العشرات من المؤسسات الخيرية والشعبية والاجتماعية التي يرعاها التيار، والتي تحتاج إلى تمويل مستدام وواضح، والناشطون فيها يمارسون غالبا أعمالا في الوظائف الحكومية، حتى يتمكنوا من تسيير تلك المؤسسات دون مقابل مالي.

لكن هذا لا يمنع أن هناك شكوكا في قدرة التيار على العودة السريعة إلى ما كان عليه قبل عام 2022، حيث كان يستحوذ على قرابة نصف التمثيل السياسي للشيعة في العراق. فالقوى الشيعية المقربة من إيران ضمن "الإطار التنسيقي" تستعد لتشكيل الحكومة الجديدة، وهي وصلت للحكم عبر انتخابات برلمانية شفافة في أواخر 2025، شارك فيها العراقيون بشعبية استثنائية، ولا تشهد البلاد أية أزمات سياسية أو أمنية أو حتى اقتصادية، وتاليا ليس للتيار أية قدرات على إثارة الشارع أو دفع السلطة للتراجع عن مواقفها والقبول بشروط التيار الصدري. وتبقى مسألة مواجهة النفوذ والتدخل الأميركي في الشأن العراقي قضية وحيدة يُمكن للتيار إثارتها من جديد.

font change