جيل ليبوفتسكي من "عصر الفراغ" إلى "أوديسة القوة الفائقة"

الفيلسوف الذي تؤرقه تحولات عصرنا

MARTIN BUREAU / AFP
MARTIN BUREAU / AFP
الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفيتسكي خلال مشاركته في ورشة عمل بجامعة HEC في 27 أغسطس 2003، Jouy-en-Josas

جيل ليبوفتسكي من "عصر الفراغ" إلى "أوديسة القوة الفائقة"

بصدور كتابه الأحدث في الشهر الأول من عام 2026، "أوديسة والقوة الفائقة" (Odyssée et surpuissance - 2026)، يبدو أن الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفتسكي (1944) أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة غرونوبل، قرر أن يغلق قوس "الخفة" ليفتح أفقا أكثر حدة وخطورة. ففي هذا العمل الجديد، لم يعد ليبوفتسكي يكتفي برصد سيولة المجتمع واستهلاكه العابر، بل ينتقل إلى تحليل "القوة الفائقة" التي تمنحها التقنية والذكاء الاصطناعي للإنسان المعاصر، محولا حياتنا إلى "أوديسة" تقنية كبرى تضع الوجود البشري نفسه على المحك.

يدعونا هذا المنعطف الجديد في فكره لإعادة قراءة المسار الطويل الذي سلكه ليبوفتسكي منذ بداياته. فقبل أن يصل إلى تساؤلات "القوة الفائقة" والذكاء الاصطناعي، كان أرسى دعائم فهمنا للعالم المعاصر عبر مفاهيم بدت وقتها ثورية، من "عصر الفراغ" إلى "مملكة الزائل". وبين تلك البدايات وهذا العمل الأخير، تبرز محطات مفصلية شكلت وعينا بالأنوثة، والاستهلاك، والأصالة، وهي المحطات التي خضت غمارها ليس كقارئة فحسب، بل كمترجمة عاشت مع نصوصه وتلمست تحولاتها العميقة.

عصر "الانفجار الكبير": حين تتحول الحداثة إلى حضارة القوة الفائقة

يتجاوز ما يطرحه ليبوفتسكي في هذا العمل، مجرد التحليل السوسيولوجي المعتاد. فهو يصف لحظة تشبه "الانفجار الكبير" الذي يعيد رسم معالم الحضارة الإنسانية برمتها. نحن نعيش، وفق تعبيره، لحظة تحول وجودي تزعزع أركان العلم، والتكنولوجيا، والبيئة، وحتى الهوية الفردية. في كتابه "أوديسة والقوة الفائقة"، يرسم ليبوفتسكي ملامح هذه المرحلة الجديدة التي يطلق عليها "حضارة القوة الفائقة" La civilisation de la surpuissance، وهي المرحلة التي تدفع فيها جميع الحدود البشرية إلى أقصى مداها، ليصبح المجهول هو عنوان المستقبل في مجالات الذكاء الاصطناعي، وغزو الفضاء، والتلاعب بجوهر الحياة ذاتها.

هذه الخفة التي وعدنا بأنها طريق التحرر من الأيديولوجيات الثقيلة والواجبات القمعية، سرعان ما تحولت إلى نوع جديد من الاستبداد: أن نكون مبتهجين على الدوام

في هذا المشهد المهيب، لا يغفل ليبوفتسكي عن المفارقة التي تلازمه دوما: فبقدر ما تتمدد الرأسمالية لتشمل الكوكب بأسره، محولة كل رغبة وحلم بشري إلى سلعة، تبرز هشاشات جديدة وغير مسبوقة. فبينما يمتلك الإنسان أدوات "القوة الفائقة"، يجد نفسه محاصرا بأزمات بيئية تهدد الكوكب، وانعدام أمن جيوسياسي، وتراجع في الحيوية الديمقراطية أمام زحف القوميات والشعبويات. إننا، بحسب رؤيته، لا نعيش مجرد تغيير في الأنماط، بل نعيش مخاض حضارة غير مسبوقة، تجبرنا على البحث عن مفاتيح جديدة للمستقبل في تقاطع شائك بين التاريخ والأنثروبولوجيا.

ديكتاتورية الابتسامة وتفكيك عصر "الخفة"

لم تأت محطة ليبوفتسكي الأخيرة في الحديث عن القوة الفائقة من دون طريق طويل من تفكيك الحداثة وتشريح تحديات انسان ما بعد الحداثة. ففي عالم يتسارع نبضه الى درجة اللهاث، لم تعد القوة تقاس بالصلابة، بل بـ"الخفة". لقد وضعنا ليبوفتسكي ، منذ كتابه التأسيسي "عصر الفراغ" (L'Ère du vide - 1983) ، وصولا إلى تأمله العميق في "الخفة" (De la légèreté - 2015) ، أمام مرآة تعكس تحولنا الجماعي نحو مجتمع يقدس "اللاثقل". لكن هذه الخفة التي وعدنا بأنها طريق التحرر من الأيديولوجيات الثقيلة والواجبات القمعية، سرعان ما تحولت إلى نوع جديد من الاستبداد: استبداد ناعم، يفرض علينا أن نكون مبتهجين، مستهلكين، و"خفيفين" على الدوام.

غلاف كتاب "الخفة"

وعليه، نعيش اليوم في ظل "ديكتاتورية الابتسامة"، حيث أصبح الحزن تهمة، والعمق عائقا أمام تدفق الإنتاج والاستهلاك. في هذا العصر، يمنع الفرد من "النبش في الذات" أو التوقف الطويل أمام جراح الوجود. فكل حدث يجب أن يكون سريعا، مرحا، وقابلا للتفنيد في اللحظة التالية. لقد انتقلنا من قسوة "الواجب" إلى قسوة "المتعة"، حيث يطالب الإنسان المعاصر بأن يكون سعيدا بالإكراه، مما خلق إنسانا "هشا" يهرب من مواجهة ظله الكامن خلف قشور الاستهلاك.

وهنا، تبرز قيمة الاشتباك مع فكر ليبوفتسكي من زاوية "السير العكسي". فبينما كان يصف سيرورة الحداثة الفائقة وتأثيراتها في "تأنيث العالم" أو "ديمقراطية الموضة"، نجد أنفسنا اليوم مدفوعين لممارسة فعل ثوري مضاد. إن محاولة المرء أن يكون "عميقا" في زمن السطحية، أو "مخلصا لحقيقته" في زمن الأقنعة الرقمية والتريندات العابرة، لم تعد مجرد خيار فكري، بل أصبحت فعلا من أفعال المقاومة. إنها "ثورة العمق" ضد سيرورة السيولة التي حللها ليبوفتسكي، حيث يصبح الإصرار على المعنى، وتأمل الألم، والتمسك بالجوهري، هو السبيل الوحيد لاستعادة إنسانيتنا التي كادت أن تذوب في أحماض الخفة المفرطة.

غلاف كتاب "المرأة الثالثة"

المرأة الثالثة: تحليل التحول الأنطولوجي

هذا المنطق الذي يحكم مجتمعاتنا المعاصرة، لا يتجلى في شيء كما يتجلى في تحولات وضع المرأة، وهو ما شرحه ليبوفتسكي ببراعة في كتابه العمدة، "المرأة الثالثة" (La Troisième femme - 1997). هنا، لا يكتفي بتأريخ تحرر المرأة، بل يحلل تحولها "الأنطولوجي" الذي جعل من الأنوثة المختبر الأكبر لقيم الحداثة الفائقة. فبعد قرون من "المرأة الأولى" المحكومة بالقدر والمكانة المتوارثة، و"المرأة الثانية" التي احتفى بها عصر النهضة كأيقونة جمالية وصورة مثالية في الفن والتماثيل مع إبقائها خارج سياق الفعل الاجتماعي، تطل علينا "المرأة الثالثة"، وهي المرأة التي بدأت معركتها الحقيقية من أجل الاستقلالية ونيل الحقوق السياسية والذاتية، لكنها وجدت نفسها في اللحظة ذاتها واقعة تحت طائلة "إغواء" المنطق الاستهلاكي الذي لا يرحم.

غلاف كتاب "مملكة الزائل"

في هذا السياق، يبدو "تسليع المرأة" عند ليبوفتسكي عملية ناعمة ومعقدة، فهو لا يحدث عبر القسر، بل عبر الغواية. وفي هذا الصدد يستكمل تحليله المتعدد الأوجه والزوايا من خلال كتابه  "مملكة الزائل" (L'Empire de l'éphémère - 1987)، الذي يتناول أثر الغواية على المرأة، حيث تحولت العناية بالذات والجمال والأناقة من طقوس اجتماعية طبقية إلى "واجبات فردية" يومية.

يبدو "تسليع المرأة" عند ليبوفتسكي عملية ناعمة ومعقدة، فهو لا يحدث عبر القسر، بل عبر الغواية

فأصبحت "المرأة الثالثة" التي نالت استقلاليتها، مطالبة اليوم بأن تكون ناجحة وفاعلة، ولكن عليها أيضا أن تظل "خفيفة" وجميلة وفقا لمعايير سوق لا تتوقف عن الدوران. هنا يصبح الجسد الأنثوي "رأسمالا جماليا" يجب استثماره وتجديده باستمرار، تماما كما تتجدد خطوط الموضة في "زوالها المتجدد".

مفارقة يطرحها ليبوفتسكي تكمن في أن هذا "التسليع" يرتدي قناع التحرر. فالموضة والجمال الحيوي الخفيف في عصر "المرأة الثالثة"، يمثلان جزءا من "هويتها الاختيارية" ومشروعها الشخصي، إلا أنهما في الوقت ذاته يمثلان ديكتاتورية طاغية، حيث لا مكان للثقل الوجودي أو علامات الزمن، وإلا وجدت المرأة نفسها خارج "كادر" شاشة العالم التي تفرض معاييرها السائلة.

بين "مملكة الزائل" التي جعلت من كل شيء موضة عابرة، وبين "المرأة الثالثة" التي تبحث عن موطئ قدم في هذا العالم المتغير، يبدو أن ليبوفتسكي يمنحنا الأدوات الفلسفية لنفهم لماذا اتخذت حياتنا هذا المسار نحو "الخفة". إننا لا نسير ضد ليبوفتسكي، بل نبني على تشريحه الدقيق للواقع، لنبحث عن كيفية استعادة ثقلنا الروحي ومعانينا العميقة من داخل هذه الديناميكية المتسارعة التي وصفها ببراعة.

غلاف كتاب "أفول الواجب"

فخ الرفاهية: أنطولوجيا القلق في مجتمع فرط الاستهلاك

لا يكتمل تشريح ليبوفتسكي لعصرنا دون التوقف عند ما يمكن أن نسميه "المفارقات الكبرى" التي تحكم وعي إنسان اليوم. أولى هذه المفارقات تبرز في كتابه "أفول الواجب" (Le Crépuscule du devoir - 1992)، الذي يرصد فيه تحولا جذريا في الضمير الجمعي. فيرى أننا انتقلنا من "عصر الواجب" الصارم الذي يقدس التضحية والالتزام الجماعي، إلى عصر "ما بعد الأخلاق"، حيث أصبحت الأخلاق نفسها تخضع لمنطق الخفة. نحن لا نعيش في مجتمع "منفلت" أو بلا قيم، بل في مجتمع يرفض "الأخلاق المؤلمة"، فنتعاطف مع القضايا الإنسانية الكبرى، وننشغل بقضايا البيئة وحقوق الآخر، لكننا نمارس هذا التعاطف بشرط ألا يعطل مسيرتنا نحو "المتعة الشخصية" أو يفرض علينا تضحيات كبرى تقيد حريتنا الفردية.

نتعاطف مع القضايا الإنسانية الكبرى، وننشغل بقضايا البيئة وحقوق الآخر، لكننا نمارس هذا التعاطف بشرط ألا يعطل مسيرتنا نحو "المتعة الشخصية"

كما أصبحت المسؤولية "فردية" تماما، وبات على الإنسان المعاصر أن يخترع معناه الخاص كل يوم وسط ركام من السلع والخيارات.هنا تبرز المفارقة الثانية التي ركز عليها ليبوفتسكي في أعماله، وتحديدا في تحليل مجتمع "فرط الاستهلاك" (L'Hyperconsommation). يرى ليبوفتسكي أننا انتقلنا من استهلاك "المكانة" (حيث نشتري لنبدو أفضل أمام الآخرين) إلى "استهلاك التجربة العاطفية" (حيث نشتري لنشعر بأنفسنا). في هذا العصر، زادت وتيرة شراء السلع والخدمات والمتع بشكل غير مسبوق، وأصبح التسوق علاجا يوميا للملل. مع ذلك، وبشكل مفارق، لم يسبق للإنسان أن عاش هذا القدر من "التعاسة الوجودية" والهشاشة النفسية. فبينما يمتلك إنسان ليبوفتسكي كل أدوات الرفاهية ووسائل الراحة، نراه يتردد بشكل مكثف على العيادات النفسية، ويبحث عن التوازن في أقراص "البروزاك" أو في دورات "التنمية الذاتية" التي تحولت هي الأخرى إلى سلعة استهلاكية.

مفارقة الرضا: لماذا تكتظ العيادات النفسية في عصر الوفرة؟

لم تؤد زيادة الخيارات إلى زيادة الرضا، بل أدت إلى "قلق الاختيار". ففي عالم يحثك باستمرار على أن تكون "سعيدا"، "شابا"، و"ناجحا"، يصبح الحزن أو الفشل ليس مجرد قدر، بل "خطأ شخصيا" لا يغتفر. هذا ما يسميه ليبوفتسكي بالوجه المظلم للحداثة الفائقة التي تتحول فيها "الخفة" التي حلمنا بها إلى "ثقل نفسي" ينوء به الكاهل. ليجد الفرد الذي تحرر من قيود المجتمع والتقاليد، نفسه وحيدا تماما في مواجهة مرآته، مطالبا بتحقيق "كمال" مستحيل تفرضه شاشات الدعاية الملونة.

هكذا، تتحول "مملكة الزائل" من ساحة للعب والحرية إلى مختبر للقلق المزمن. إن إنسان ليبوفتسكي هو إنسان "مفرط" في كل شيء، في استهلاكه، في فردانيته، وفي قلقه أيضا، وهذه المفارقة ليست خطأ في النظام، بل هي "بنية النظام" نفسه. نحن نشتري لنملأ "الفراغ" الذي تخلفه الخفة، وكلما زاد استهلاكنا، زاد شعورنا بخفة المعنى، مما يدفعنا مجددا نحو دائرة البحث عن خلاص كيميائي أو استهلاكي جديد.

غلاف كتاب "تقديس الأصالة"

"تقديس الأصالة": في البحث عن المعنى خلف أقنعة الحداثة

بعد عقود من التنظير لسيولة الموضة وهشاشة القيم، فاجأنا ليبوفتسكي في عمله "تقديس الأصالة" (Le Sacre de l'authenticité - 2021) برصد ظاهرة تبدو للوهلة الأولى مناقضة لمسار "الخفة" الذي ألفناه في كتاباته، وهي هوس إنسان الحداثة الفائقة بـ"الأصالة". فبعدما استنزفتنا دورات الزوال المتلاحقة، بتنا نشهد عودة قوية الى كل ما هو "حقيقي" و"طبيعي" و"صادق". لم يعد الفرد يكتفي بالسلعة اللامعة التي لا روح لها، بل صار يبحث عن المنتج "الحرفي"، والغذاء "العضوي"، والتجارب "الواقعية" التي تمنحه شعورا بالاتصال بجوهر الأشياء بعيدا من ضجيج التصنيع الزائف.

لم يعد الفرد يكتفي بالسلعة اللامعة التي لا روح لها، بل صار يبحث عن المنتج "الحرفي"، والغذاء "العضوي"، والتجارب "الواقعية" التي تمنحه شعورا بالاتصال بجوهر الأشياء

يرى ليبوفتسكي أن هذا "التقديس" الجديد ليس ارتدادا الى الماضي أو حنينا الى تقاليد الأجداد، بل هو ذروة الفردانية المعاصرة. فالإنسان الذي استرد ملكية قراره وهويته، بات الآن يطالب بحق إضافي: الحق في أن يكون "نفسه" بعيدا من القوالب المعلبة. الأصالة هنا أصبحت مشروعا وجوديا، رغبة في العثور على "أنا" لا تذوب في زحام الأنماط الجاهزة، بل تسعى لتجذير وجودها في تجارب شخصية فريدة تعيد الى الواقع اعتباره.

MARTIN BUREAU / AFP
الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفيتسكي خلال مشاركته في قمة "الترف والإبداع" في مجلس الشيوخ بباريس، 15 أكتوبر 2001

لكن ليبوفتسكي، ببراعته المعهودة في كشف التناقضات، لا يغفل عن "المفارقة" حتى هنا، فـ"الأصالة" نفسها تم استيعابها داخل المنطق الاستهلاكي وتحولت إلى "موضة" جديدة. لقد باتت الشركات تبيع لنا "الصدق" في علب فاخرة، وتمنحنا السياحة "تجارب أصيلة" مبرمجة مسبقا. مع ذلك، يرى ليبوفتسكي في هذا التحول اعترافا ضمنيا بأن الإنسان لم يعد يحتمل العيش في الفراغ. إنه يبحث عن "معنى" يتجاوز مجرد الاستهلاك العابر، حتى وإن اضطر إلى البحث عنه داخل أدوات الاستهلاك نفسها. إنها محاولة إنسانية دؤوبة لاستعادة توازن الوجود في عالم لم يعد يتوقف عن التغير.

  ما وراء المرآة: هل ثمة مخرج؟

في نهاية المطاف، لا يقدم لنا جيل ليبوفتسكي حلولا جاهزة أو "مانيفستو" للنجاة، بل يقدم تشريحا باردا، ولكنه مخلص، لواقعنا المعقد. إن أهمية العودة الى فكره اليوم، وتحديدا من خلال نصوص مثل "المرأة الثالثة" و"مملكة الزائل"، تكمن في كشف ذلك الخيط الرفيع الذي يربط حريتنا الشخصية بعبوديتنا الجديدة لمنطق السوق.

قراءة فكره اليوم هي دعوة لاستعادة "الثقل" الجميل في حياتنا، ليس عبر العودة للماضي، بل عبر فهم الحاضر بعمق يكسر حدة المرايا الزائفة

لم يكن ليبوفتسكي "مبشرا" بالسطحية بقدر ما كان محذرا من "فقدان الوزن" الروحي. إن "المرأة الثالثة" التي نالت استقلالها، وإنسان "ما بعد الواجب" الذي تخلص من القيود، كلاهما يقف اليوم أمام تحد وجودي: كيف يمكن بناء "معنى" صلب في عالم سائل؟ وكيف يمكن ممارسة الحرية دون السقوط في فخ القلق الذي تنصبه العيادة النفسية ومجتمع فرط الاستهلاك؟

قد يكون ليبوفتسكي أعلن أفول الواجب التقليدي، لكنه وضع بين أيدينا "مسؤولية" من نوع جديد، مسؤولية الوعي بشروط عصرنا. ومن هنا، فإن قراءة فكره اليوم هي دعوة لاستعادة "الثقل" الجميل في حياتنا، ليس عبر العودة الى الماضي، بل عبر فهم الحاضر بعمق يكسر حدة المرايا الزائفة.

font change