الأردن وسقف النار

معركة لا تُخاض في السماء فقط

الأردن وسقف النار

الكل يتحدث عن ضربة متوقعة تستهدف إيران، ضربة أخيرة أو قاضية، حرب لا أحد يعرف حدودها ولا شكلها في أي لحظة من توقيت الشرق الأوسط المضبوط على الاشتعالات.

الترقب هو عنوان المرحلة الآن، وهو ترقب ممزوج بيأس وقلق وكثير من الاحتقانات والخنادق المتقابلة في إقليم يحاول إعادة ترتيب ذاته بكل ما فيه من متناقضات.

وفي لحظات ما قبل الضربة، لا يكون السؤال الأهم من سيضرب؟ بل من سيحدد السقف بعد الضربة، ومن يملك القدرة على منعه من أن ينكسر. فالضربات العسكرية، مهما بدت حاسمة، لا تفتح الحروب وحدها، لكن سوء إدارة ما بعدها يفعل ذلك، والعراق نموذج مفتوح للتأمل منذ الضربة الأولى بدايات الألفية حتى اليوم.

السقف في أدبيات الردع ليس خطا أحمر مرسوما، ولا اتفاقا مكتوبا بين خصوم يعرفون أن لا ثقة بينهم، بل تفاهم ضمني هش، يتشكل من السلوك لا من التصريحات، ومن نوع الهدف لا من لغة البيانات، هو المساحة التي تسمح لكل طرف بأن يقول لجمهوره إنه رد، دون أن يفرض على الطرف الآخر ردا يجر الجميع إلى ما لا يريدون. لذلك، لا يُعلَن السقف، بل يُقرأ، من حجم الضربة، من طبيعة الهدف، ومن الإشارات التي تليها، أكثر مما يُقرأ من الضربة نفسها.

غير أن هذا السقف، مهما بدا منطقيا على الورق، ينكسر في الواقع لأسباب تتجاوز الرغبة في الحرب! وهو ينكسر حين يسيء طرف قراءة رسالة الطرف الآخر، وحين تتعدد غرف القرار داخل الدولة الواحدة، فيختلط العسكري بالسياسي، ويتقدم المزاج الشعبي على الحسابات الباردة، وينكسر أكثر عندما يدخل الوكلاء على الخط، لأن الوكيل لا يملك ترف إدارة التوازنات، ولا يدفع كلفة الانفلات، لكنه قادر على فرض كل انفلات ممكن ليستمر في وجوده ونموه.

في المواجهة المحتملة بين واشنطن وطهران، تتجمع كل هذه العناصر في لحظة واحدة، فالولايات المتحدة قادرة على بدء الضربة، وقادرة على تحديد سقفها العسكري، لكنها لا تملك وحدها سقف الإقليم، فبمجرد أن تبدأ الجولة، تتوزع القدرة على التحكم بين البيت الأبيض والبنتاغون، وبين تل أبيب التي تراقب كل تفصيل، وبين طهران التي تجيد اللعب عند حافة الهاوية، وبين وكلاء يعرفون أن ضربة واحدة قد تعيد خلط الأوراق.

إيران، بخبرتها الطويلة في الردع غير المتكافئ، لا تبحث عن نصر عسكري مباشر، بل عن رد يحفظ صورتها ويمنع تثبيت معادلة أنها تلقت الضربة وسكتت، لذلك تميل إلى الرد غير المباشر، المدروس، الذي يرفع الكلفة دون أن يفتح باب الحرب الشاملة.

غير أن هذه المقاربة نفسها تحمل خطرا مضمرا، لأن الرد غير المباشر يمر عبر أطراف لا يخضعون دائما لإيقاع المركز، وقد يتحولون من أداة ضبط إلى سبب انفلات لا يمكن بأي حال حساب تداعياته، فهو ببساطة انفلات مطلق.

أما إسرائيل، فهي الطرف الأكثر حساسية لمسألة السقف، فهي تدفع باتجاه ضربة سريعة تُنهي الجولة، لكنها تخشى في الوقت نفسه من سقف مرتفع يفتح الجبهات دفعة واحدة، لذلك تحاول إبقاء المعركة محدودة، لكنها تبقى جاهزة لتوسيعها إذا شعرت أن الرد جاء من أكثر من اتجاه، أو أن صورة الردع بدأت تتآكل من جديد.

الأردن، في هذه اللحظة الإقليمية الحساسة، لا يقدم نفسه دولة اشتباك، بل دولة إدارة مخاطر، وهذه ليست صيغة ضعف، بل صيغة بقاء يتقن الأردن لغتها منذ تأسس

وسط هذه الخرائط المتداخلة، لا يكون السقف قرارا سياديا صافيا، بل نتيجة شد وجذب بين قرارات متعددة، بعضها عقلاني، وبعضها انفعالي، وبعضها خارج السيطرة أصلا.

في هذا المشهد المتعدد والمتشابك بالغ التعقيد في معطياته الكثيرة، يبرز الأردن كحالة مختلفة، لا لأنه خارج الجغرافيا، بل لأنه في قلبها، دولة لا تملك ترف رفع السقف، ولا مصلحة لها في كسره، وتعرف أن أي فراغ أمني في الإقليم لا يبقى فراغا، بل يتحول سريعا إلى فوضى تبحث عن مكان.

منع الفراغ الأمني في الحالة الأردنية ليس شعارا سياسيا، بل سياسة عملية، ويتلخص أساسا في حماية المجال الجوي من التحول إلى ممر للصواريخ، وكذلك ضبط الحدود أمام ارتدادات العراق وسوريا، ويمتد ليشمل عملية تأمين البنية التحتية الحيوية في زمن تصبح فيه الكهرباء والاتصالات أهدافا بحد ذاتها، وهو قبل ذلك كله، قرار واع بعدم الانجرار، دون أن يعني ذلك غياب الجاهزية أو التردد في حماية السيادة.

لكن الضربة لا تختبر الدفاعات الجوية وحدها، بل تختبر ما هو أعمق، وهذا الأعمق عنوانه في المزاج الداخلي. وفي زمن الضربات، تتقدم المزايدات بسرعة، وتنتشر الشائعة أسرع من البيان، ويتحول القلق المشروع إلى مادة استقطاب، وهنا تصبح إدارة الداخل وضبطه بهدوء شديد جزءا من الردع، لا ترفا سياسيا.

إدارة المزاج الداخلي لا تعني إسكات الناس، ولا تبرير السياسات، بل تعني منع تحويل القلق إلى شرخ، والاختلاف إلى تخوين، والنقاش إلى أداة ضغط على القرار الوطني، وهي إدارة لا تنجح بالخطاب العالي، بل بالخطاب الواضح، القصير، غير الاستفزازي، وبشفافية محسوبة تملأ الفراغ دون أن تكشف ما لا يجب كشفه.

الدولة التي تفشل في ضبط مزاجها الداخلي، تُدفع تدريجيا إلى خيارات لا تريدها، إما إلى سقوف أعلى باسم الرد، وإما إلى صمت مكلف باسم الحكمة. أما الدولة التي تدير مزاجها بعقل بارد، فتحتفظ بحق القرار، حتى وهي محاطة بعواصف لا تملك السيطرة عليها.

لهذا، فإن معركة السقف لا تُخاض في السماء فقط، بل في الداخل أيضا، وضبط السقف الخارجي يبدأ من تثبيت المصلحة الوطنية كمرجعية جامعة، ومن حماية الأمن دون أن تتحول الدولة إلى طرف في صراع الآخرين، ومن تفكيك الاستقطاب قبل أن يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي أو أمني.

الأردن، في هذه اللحظة الإقليمية الحساسة، لا يقدم نفسه دولة اشتباك، بل دولة إدارة مخاطر، وهذه ليست صيغة ضعف، بل صيغة بقاء يتقن الأردن لغتها منذ تأسس.

فالدول التي تعيش في قلب الإقليم لا تنتصر برفع السقوف، بل بمنعها من الانكسار، ولا تحمي نفسها بالضرب، بل بالحكمة التي تعرف متى تمسك القرار، ومتى تترك الآخرين يستهلكون أوهام القوة.

font change