مرحبا بكم في نظام "ماد ماكس" العالمي... عندما تتحرك شحنة يورانيوم دون رقابة

كيف تكشف قافلة يورانيوم منفلتة في النيجر عن انهيار النظام الدولي

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
شاحنة نقل في منجم كوميناك قرب أرليت، الذي أُغلق عام 2021 بعد عقود من استخراج اليورانيوم ويخضع حاليا لإعادة تأهيل، مارس 2023

مرحبا بكم في نظام "ماد ماكس" العالمي... عندما تتحرك شحنة يورانيوم دون رقابة

ينقل المجلس العسكري في النيجر شحنة من اليورانيوم صادرها من منجم فرنسي ضمن موكب مسلح ضخم يجوب منطقة الساحل، وسط مؤشرات على استعداده لمحاولة بيعها في الخارج أو إرسالها إلى روسيا. يجسد هذا الموكب- الذي وصفته وسائل إعلام فرنسية بأنه موكب على طراز "ماد ماكس"- مثالا صارخا على نظام دولي آخذ في التشكل من جديد بوتيرة متسارعة.

فالنظام الذي قادته الولايات المتحدة لعقود، ووضع القواعد والانضباط في صميم ترتيباته، يتفكك على مرأى من الجميع. في المقابل، تبرز أولويات جديدة قوامها السعي إلى السيطرة على مصادر الطاقة والمعادن الحيوية وممرات الشحن، والاستعداد لتجاوز المحظورات التي رسخها النظام السابق.

(أ.ف.ب)
لوحة توثق التحول البيئي لمنجم كوميناك قرب أرليت بعد إغلاقه وبدء إعادة التأهيل، مارس 2023

لا تزال العقوبات حاضرة كأداة لمعاقبة انتهاك المعاهدات، إلا أن تطبيقها بات متباينا على نحو لافت. ومع تعمق الضبابية في طبيعة التحالفات بين القوى الكبرى، تميل قوى متوسطة، بل وحتى دول صغيرة، إلى المجازفة بخرق القواعد، مدفوعة بقناعة متزايدة بأن العقوبات يمكن تلافيها.

تميل قوى متوسطة ودول صغيرة إلى المجازفة بخرق القواعد، مدفوعة بقناعة متزايدة بأن العقوبات في النظام العالمي يمكن تلافيها

أفادت مصادر متعددة بأن شحنة كبيرة من مركزات الكعكة الصفراء من اليورانيوم، وهي المادة الخام المستخدمة في إنتاج الطاقة النووية وتصنيع الأسلحة، تتحرك من مجمع مناجم أرليت في النيجر، في ظل نزاع محتدم بين المجلس العسكري الحاكم وشركة "أورانو"، شركة الطاقة ذات الغالبية الفرنسية التي كانت تملك الحصة الأكبر في المنجم.

واندلع هذا النزاع عقب استيلاء المجلس العسكري على السلطة في يوليو/تموز 2023، وإعلان سلطات النيجر تأميم المنجم رسميا في يونيو/حزيران 2025. وقدم المجلس العسكري هذه الخطوة بوصفها ضرورة لتعزيز السيادة وتحقيق التنمية، وصادر نحو 1,150 طنا متريا من اليورانيوم.

ثم، وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلن رئيس النيجر، الجنرال عبد الرحمن تشياني، أن بلاده ستطرح اليورانيوم الخاص بها في السوق الدولية. وفي الشهر نفسه، حذرت شركة "أورانو" من أن المجلس العسكري شحن أكثر من 1,000 طن من الكعكة الصفراء على متن عشرات الشاحنات. وأفادت تقارير من مصادر مفتوحة بأن هذه الشاحنات كانت تتجه نحو ميناء لومي في توغو، على الأرجح تمهيدا لبيع الشحنة إلى حكومة أجنبية. وتعتبر "أورانو" هذا التحرك نقلا غير قانوني، في حين حذر محللون من أن الموكب سيضطر لعبور مناطق غير آمنة تشهد نشاطا مكثفا لتمردات جهادية.

(أ.ف.ب)
سائقو شاحنات قرب قافلة إمدادات غذائية وصلت إلى نيامي من بوركينا فاسو في ظل العقوبات، أغسطس 2023

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد قصة جانبية، دراما غرب أفريقية مكتملة العناصر، بشحنة مشعة تشق طريقها عبر تضاريس محفوفة بالمخاطر. غير أن هذا التصور يغفل جوهر المسألة تماما. فالواقع أن هذا الموكب يمثل دراسة حالة لماهية النظام الدولي الجديد. حيث تتحول عمليات استخراج الموارد إلى محور في معادلات الجغرافيا السياسية، وتغدو الخدمات اللوجستية أداة من أدوات السيادة الوطنية، فيما يصبح الحد الفاصل بين التجارة المشروعة والجريمة مموها عن قصد. وفي هذا السياق، لم تعد أبرز ملامح الجغرافيا السياسية تتجلى في خطابات القمم أو مراسم توقيع المعاهدات، بل في رهانات عالية المخاطر وعالية العوائد تمضي قدما مهما كانت الكلفة.

شحنة كبيرة من مركزات الكعكة الصفراء من اليورانيوم، تتحرك من مجمع مناجم أرليت في النيجر للتصدير إلى الخارج لصالح مشتر غير معلن عنه

لنبدأ من مقامرة النيجر. فمنذ انقلاب عام 2023، سعى قادة البلاد إلى بناء شرعية جديدة من خلال رفض ما يرونه شكلا من أشكال التبعية الاستعمارية الجديدة للغرب. وفي هذا السياق، يبرز اليورانيوم بوصفه المورد الأشد رمزية في سردية السيادة، إذ يوفر للمجلس العسكري سلعة مربحة ومرتفعة الطلب في السوق الدولية.

ورغم أن السياسات القومية في إدارة الموارد ما بعد الاستعمار ليست بالأمر الجديد في المنطقة، فقد تجاهلت السلطات في النيجر الحجج القانونية التي تطرحها شركة "أورانو" بشأن حقوق الملكية، كما صرفت النظر عن مساعي التحكيم الدولي، مدفوعة بضمان وجود مشتر أجنبي غير معلن- يشتبه على نطاق واسع أنه روسيا-  على الرغم مما يحيط بذلك من إشكالات قانونية. في موازين النظام الدولي الجديد، حين تتقاطع القاعدة القانونية مع منطق النفوذ، تميل الغلبة لمن يملك أدوات النفوذ.

إضافة إلى ما سبق، هناك قضية الممر. شق الموكب طريقه بالفعل من مدينة أرليت إلى العاصمة نيامي، حيث تقف حاليا 34 شاحنة عند مطار نيامي. ويعد المسار الأكثر أمانا لنقل الشحنة من النيجر إلى المحيط الأطلسي هو الطريق الذي يمر عبر بنين. وعلى الرغم من أن البلاد شهدت بعض مظاهر التهديد الجهادي، فإن حجم التحديات الأمنية فيها يظل أقل بكثير مقارنة بجارتها بوركينا فاسو. غير أن اعتماد هذا المسار يفرض على حكومة النيجر إبرام اتفاق مع سلطات بنين لتأمين عبور الشحنة.

(أ.ف.ب)
رئيس المجلس العسكري في النيجر عبد الرحمن تياني يخاطب حشدا في نيامي بعد عام على الانقلاب، يناير 2026

أغلق الجنرال عبد الرحمن تياني الجانب النيجري من الحدود مع بنين عام 2023، مبررا قراره باتهام بنين باستضافة مواقع عسكرية فرنسية. غير أن أي اتفاق لعبور شحنة اليورانيوم عبر أراضي بنين سيتطلب من تياني تراجعا علنيا أمام حلفائه في بوركينا فاسو ومالي، وإقرارا ضمنيا بالاعتماد على حليف تحول إلى خصم. من هنا، لا يبدو مستغربا ما أوردته صحيفة "لوموند" الفرنسية عن ظهور بصمات النيجر في مختلف تفاصيل محاولة الانقلاب الفاشلة في بنين يوم 7 ديسمبر/كانون الأول. والأهم في سياق هذه الرواية، ما كشفه التقرير عن شروع السلطات النيجرية في إزالة الحواجز عند معبر الجسر الرابط بين غايا ومالانفيل، واستعداد مسؤولين لإعادة فتح الحدود في حال نجاح الانقلاب. وتكشف هذه المعطيات بوضوح نية النيجر لتسريع عبور موكب اليورانيوم عبر أراضي بنين باتجاه ميناء كوتونو، بما يعكس اتساع تأثير التنافس على الموارد الطبيعية في إعادة تعريف مفهوم السيادة. أما وقد فشل الانقلاب، فمن المرجح أن يبحث المجلس العسكري في النيجر عن مسارات بديلة.

رغم التحديات الأمنية يشق موكب الشاحنات المحملة باليورانيوم طريقه من مدينة أرليت إلى مطار نيامي، حيث تقف حاليا 34 شاحنة بانتظار نقلها للخارج

ينطوي مسار آخر، أكثر خطورة، على عبور الشحنة من النيجر إلى جنوب شرق بوركينا فاسو، ثم إلى شمال توغو، وهي منطقة تتعامل فيها جماعات مسلحة مع الطرق السريعة القليلة باعتبارها مصادر للإيرادات وأدوات للضغط. فعلى سبيل المثال، شهد الطريق الرابط بين نيامي والحدود البوركينية هذا العام سلسلة من الهجمات المتكررة نفذتها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم "القاعدة". وزاد من تعقيد المشهد ما تردد عن لجوء الجماعة إلى تجريب متفجرات تطلق عبر طائرات مسيرة، في تطور يعيد تشكيل البيئة التكتيكية على نحو يبعث القلق لدى من لا يزال يتصور أن تأمين المواكب ممكن بالوسائل التقليدية. وفي ظل النظام الدولي الناشئ، تنتقل ابتكارات ساحات القتال، من أوكرانيا وغيرها، بسرعة لافتة، في ظل غياب فعلي لأي رد غربي فاعل، سواء من واشنطن أو بروكسل أو باريس.

يشكل أي هجوم يشنه المتمردون على "موكب اليورانيوم" لحظة مفصلية في الصراع الطويل الذي تخوضه المنطقة مع الجماعات الجهادية، وهو صراع أفضى إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية واضطرابات مزمنة في حركة التجارة. وستكون عواقب أي استهداف على مسار بوركينا فاسو كارثية، خصوصا على المدنيين. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تتمكن الجماعات الجهادية من الاستيلاء على جزء من الشحنة، أو حتى على اليورانيوم بأكمله. ورغم أن هذا الاحتمال كان كفيلا بإثارة ذعر عالمي خلال تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية، يدرك الخبراء اليوم أن اليورانيوم منخفض الجودة لا يملك قيمة عسكرية أو إرهابية تذكر، كما أن بيعه أو تخصيبه أو نقله ينطوي على تعقيدات تقنية كبيرة. ومع ذلك، فإن وقوع مثل هذا السيناريو سيشكل كارثة لكل من روسيا والنيجر، وكذلك للسلطات في بوركينا فاسو، إذ سيكشف بوضوح عن عجز جماعي في تأمين مورد حساس بهذا الحجم. إلا أن الأثر الأكبر سيقع، على الأرجح، على المدنيين، لا سيما إذا تعرضت الشحنة لهجوم على طول الطريق، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسرب يزيد من تلوث اليورانيوم محليا، وهي مشكلة بيئية قائمة أصلا حول مناجم النيجر منذ سنوات.

ورغم كلفته الباهظة، يظل النقل الجوي خيارا أخيرا مطروحا أمام موكب الشحنة، سواء عبر التوجه من نيامي إلى لومي، أو مباشرة إلى روسيا مرورا بمدينة بنغازي في ليبيا، ثم عبر القاعدة الجوية الروسية في سوريا. وعادة لا تُنقل مركزات الكعكة الصفراء جوا نظرا لوزنها الكبير وطبيعتها الخطرة، غير أن هذا المسار، إن اعتمد، سيتطلب من الطائرات الروسية تنفيذ نحو 20 رحلة بين نيامي ولومي، باستخدام أكبر طائرة شحن عسكرية تمتلكها روسيا، "أنتونوف-إن-124". وسيكون هذا الخيار مكلفا للغاية وسيستغرق وقتا طويلا، فضلا عما ينطوي عليه من مخاطر متوقعة في مجال الطيران، إضافة إلى احتمالات تسرب اليورانيوم أو تعرض الطائرات لأعمال تخريب أو هجمات بطائرات مسيرة أثناء الإقلاع أو الهبوط.

(أ.ف.ب)
صورة أقمار صناعية تظهر طائرتي شحن عسكريتين في المنطقة العسكرية بمطار نيامي حيث علقت شحنة يورانيوم منذ أسابيع، يناير 2026

بغض النظر عن وسيلة الشحن، ستخلف شحنة اليورانيوم ارتدادات سياسية واسعة النطاق. فحتى في حال وصول الموكب أو النقل الجوي إلى لومي أو بنغازي من دون حوادث، فإن الرسالة التي ستتلقاها جيوش المنطقة واضحة: الموارد الطبيعية باتت متاحة لمن يملك القوة. مثل هذا التصور من شأنه أن يقوّض ما تبقى من استقرار لدى حكومات مدنية هشة أصلا، ويشجع على اتساع دينامية الانقلابات التي تشهدها المنطقة، حتى من دون تعرض الشحنة لهجوم مباشر.

اليورانيوم منخفض الجودة لا يملك قيمة عسكرية أو إرهابية تذكر، ولكن أي هجوم يشنه المتمردون على موكب اليورانيوم يشكل كارثة على المدنيين بسبب أي تسرب يزيد من التلوث

إذا بلغ الموكب مدينة لومي، انتقل الخطر من البر إلى البحر. فتصدير اليورانيوم عبر الموانئ يخضع، في ظل النظام الدولي التقليدي، لرقابة مشددة تتداخل فيها إجراءات التفتيش والتأمين، ورقابة دولة الميناء، وسلسلة من الأنظمة التي تضبط التجارة العالمية. أما في حال اختارت النيجر النقل الجوي المباشر من نيامي، فإن المخاطر تصبح أوضح ماديا، وتغدو مسارات الطيران عرضة للرصد. ورغم أن تهريب مواد نووية جوا يعد سابقة نادرة، فإن المجال الجوي قابل للضبط، سواء عبر دوريات القوات الجوية أو أنظمة الدفاع الجوي، التي تملك القدرة على الردع عند الحاجة. وتكمن هنا نقطة ضعف أساسية في مسار النيجر، إذ تعتمد الشحنات المشعة على خدمات قابلة للاستهداف، سواء بالضغط أو التسمية العلنية أو فرض العقوبات. لكن السؤال الأهم: من القوة الكبرى المستعدة لفرض هذا النوع من الالتزام بالقواعد؟ روسيا، بكل تأكيد، ليست من بينها.

ينقل هذا التطور القصة إلى واشنطن، وتحديدا إلى استراتيجية الأمن القومي الجديدة لعام 2025 في عهد إدارة دونالد ترمب. تشدد الإدارة على الأمن الاقتصادي، وسلاسل الإمداد، وضمان الوصول إلى المواد الحيوية، باعتبارها مصالح وطنية أساسية. كما تعكس ميلا متزايدا للتشكيك في جدوى الشراكات طويلة الأمد، سواء في أفريقيا أو غيرها، مفضلة نهجا قائما على انخراطات ظرفية ومؤقتة تُبنى وفق الحاجة، بدلا من التزامات مفتوحة الأمد. النظرية تبدو واضحة المعالم: التركيز على المصالح الملموسة، وتجنب المهمات المكلفة، وترك عبء النظام الدولي للآخرين، طالما أنه لا يخدم المصالح الأميركية الآنية بشكل مباشر.

تكشف قافلة النيجر طبيعة المفاضلات التي تفرضها هذه الانعطافة في السياسة الأميركية. ففي منطقة الساحل وسواها، يقتضي الوصول إلى الموارد الاستراتيجية القدرة على تأمين مواقع الاستخراج، وضمان سلامة ممرات النقل، والسيطرة على الموانئ، ومراقبة الشبكات المالية التي يمكن أن تحول تجارة محفوفة بالمخاطر إلى مصدر دخل وطني. وإذا ما تخلت الولايات المتحدة عن النظام العالمي القائم على القواعد، والذي ساهمت في بنائه بدرجة كبيرة، فإنها تفتح الباب أمام خصومها، بل وحتى أمام من يطمحون إلى شراكتها، لخوض مقامرات مضطربة وخطرة، تهيمن عليها أدوات المراوغة والإكراه.

يصعب تجاهل هذا التناقض، خصوصا عند مقارنته باستعداد الإدارة الأميركية لفرض إجراءات إنفاذ صارمة في نصف الكرة الغربي، بما في ذلك خطوات بارزة ضد شحنات فنزويلية خاضعة للعقوبات، ومن خلال اعتقال رئيس البلاد، نيكولاس مادورو. توصل هذه السياسات رسالة واضحة إلى الخصوم: بعض المناطق لا تزال تحظى بمتابعة أميركية حثيثة، فيما تعامل مناطق أخرى، مثل أفريقيا، على أنها هامشية.

(أ.ف.ب)
شاحنات تنقل صخوراً غنية باليورانيوم من منجم أرليت المكشوف في صحراء النيجر، فبراير 2005

وفي نظام يعاد تشكيله، لا يُعد الإنفاذ الانتقائي تعبيرا عن الحياد، بل يفهم على أنه ترسيم لمناطق نفوذ، على نحو يعيد إلى الأذهان منطق القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وباختصار، تبدو الولايات المتحدة ميالة إلى ترك مساحة أوسع لفاعلين آخرين في أجزاء متزايدة من العالم.

في حال اختارت النيجر النقل الجوي المباشر لليورانيوم من نيامي، فإن المخاطر تصبح أوضح ماديا، وتغدو مسارات الطيران عرضة للرصد

ومع ذلك، يمكن لإدارة ترمب أن تعمل وفق قواعدها الجديدة، وأن تتعامل في الوقت نفسه مع قضية ملحة تتعلق بمادة خطرة.

فبصرف النظر عن الجهة التي تشرف على تنفيذ أي رد أميركي، يمكن أن تبدأ المعالجة عبر تصنيف الشحنة باعتبارها قضية امتثال دولي. تشكل المعابر الحدودية والمطارات والموانئ البحرية نقاط ارتكاز حاسمة، تتجسد فيها مختلف آليات النظام القائم على القواعد، وتُستخدم فيها أدوات الضغط على شركات التأمين، والممولين، والوسطاء، وشركات الخدمات اللوجستية والمينائية، وغيرها من الجهات التي تتيح، من خلال تعاونها أو صمتها، جعل التحايل على العقوبات أمرا ممكنا.

ثانيا، ينبغي أن يركز الرد الأميركي على المنافذ المحتملة لخروج الشحنة. فإذا كانت لومي هي الوجهة الفعلية، فإن قرارات توغو تكتسب أهمية خاصة. وينطبق الأمر نفسه على أي دولة  أخرى قد تتيح التزود بالوقود، أو إعادة الشحن، أو تأمين ملاذ آمن، بما في ذلك ليبيا أو سوريا أو تركيا، على طريق محتمل نحو روسيا. وفي هذا السياق، يمكن أن تثبت الدبلوماسية البرغماتية فعاليتها، إذ يشكل السماح باستخدام ميناء أو مطار ورقة تفاوض قابلة للتوظيف. ويمكن للولايات المتحدة أن تستند إلى أدوات مثل التعاون الأمني، وحوافز الاستثمار والتجارة، ومخاطر السمعة في أسواق الشحن العالمية، من دون الحاجة إلى ادعاء التزام شامل بإعادة بناء منطقة الساحل.

أخيرا، ينبغي أن يستند الرد الأميركي إلى الشفافية. فحتى إن تعذر منع رحلة واحدة، فإن تكرار الرحلات المطلوب في هذه العملية سيخلق نمطا مرئيا يمكن تتبعه، واعتراضه عبر قيود المجال الجوي، خصوصا من قِبل دول لا ترغب في أن تُستخدم أجواؤها لتهريب مواد نووية. وهذا مسار قابل للتفعيل، بالنظر إلى ما استثمر بالفعل- أميركياً ودولياً- في جهود كشف تهريب المواد النووية ومنعه. وفي النظام الدولي الآخذ في التشكل، لم تعد المعلومات أداة دعم، بل وسيلة نفوذ قائمة بذاتها.

(أ.ف.ب)
ثلاثون شاحنة وطائرة شحن عسكرية في مطار نيامي ضمن شحنة يورانيوم عالقة منذ أواخر نوفمبر الماضي، يناير 2026

الدرس الحقيقي في موكب "ماد ماكس" لا يقتصر على خطورة الوضع في غرب أفريقيا، بل في أن الولايات المتحدة تبدو مستعدة للمراقبة بصمت بينما يتبلور نظام دولي يكافئ من يجرؤ على شحن المواد الاستراتيجية عبر مناطق خارجة عن السيطرة، وسط تردد القوى الخارجية أو انصرافها التام. وإذا كانت واشنطن تطمح إلى سياسة خارجية تقوم على المبادئ، لا على منطق الإكراه وتقاسم النفوذ، فلا يمكنها اعتبار ما يحدث وكأنه مجرد تفصيل ثانوي، في نظام يعاد رسمه، ما يكسر القواعد ويقوّض الاستقرار، وهو ما يصوغ المشهد.

font change