دور أميركا في توحيد سوريا بعد سقوط "قسد"... دون حرب

دعم توحيد الدولة السورية

إدواردو ريمون/المجلة
إدواردو ريمون/المجلة

دور أميركا في توحيد سوريا بعد سقوط "قسد"... دون حرب

تتبوأ سوريا اليوم موقعا محوريا في الجهد الدولي الرامي إلى إعادة استقرار الشرق الأوسط، عقب الحرب التي اندلعت إثر الهجوم الذي نفذته حركة "حماس" ضد إسرائيل في 2023. فالانتصار الذي حققته إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤهما الإقليميون على إيران ووكلائها يفتح نافذة لاحتمال قيام سلام مستدام ومسار تنموي طويل الأمد في المنطقة.

الخطوة الأهم التي يمكن للمجتمع الدولي اتخاذها تتمثل في دعم توحيد الدولة السورية على أساس عملي وقابل للاستمرار. غير أن تحقيق هذا الهدف، وتفادي الانزلاق مجددا إلى حرب أهلية، يقتضي من دمشق اعتماد مقاربة منفتحة تجاه المكونات القومية والدينية، والابتعاد عن القمع العنيف، والشروع في نموذج للحكم المحلي يضمن الحقوق الثقافية والسياسية، وينص على انتخاب المحافظين ورؤساء البلديات وسائر المسؤولين المحليين، ويخضع أجهزة الشرطة والميزانيات المحلية لرقابة ديمقراطية. ورغم أن هذا المسار غير شائع في الشرق الأوسط، فإنه وارد في الدستور العراقي، وقد أظهر درجة معتبرة من الفاعلية منذ عام 2006 في المناطق غير الكردية. أما إقليم كردستان العراق فيعمل وفق ترتيبات دستورية مختلفة لا تنطبق على الحالة السورية.

في هذا السياق، يستطيع المجتمع الدولي أن يؤدي دورا مساعدا وفعالا. فإذا نجحت الولايات المتحدة في حشد الدول الإقليمية والدولية المؤثرة لربط المساعدات الاقتصادية والدعم الدبلوماسي المقدم لدمشق بالتزام واضح بمعايير الحكم المحلي واحترام حقوق الإنسان، فمن المرجح أن تبدي السلطات السورية استعدادا للتجاوب. وفي المقابل، فإن الفشل في دمج الأقليات ضمن الدولة السورية الجديدة بصورة كاملة وتعاونية من شأنه إعادة فتح مسارات صراع داخلي، وهي مسارات ستسعى إيران وروسيا وتنظيم "داعش" إلى استغلالها. وهذا مآل يتناقض مع التضحيات التي قدمها السوريون على مدى سنوات طويلة.

لا تزال محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية قائمة، مع إدارة محلية فاعلة وبقايا مهمة من "قوات سوريا الديمقراطية"

المسألة الكردية

أكثر القضايا الداخلية إلحاحا أمام سوريا والمجتمع الدولي في المرحلة الراهنة تتعلق بكيفية دمج المناطق الكردية، وعناصر "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ذات الغالبية الكردية، والإدارة المحلية، ضمن إطار الدولة السورية. فالقتال الذي اندلع في حلب مطلع يناير/كانون الثاني بين القوات الحكومية والقوات الكردية أسفر بسرعة عن تفكيك الجزء الأكبر من قوة "قوات سوريا الديمقراطية" وإدارتها المحلية، مسَرِّعا، عبر مواجهات محدودة، تحقيق قدر كبير من أهداف اتفاق مارس/آذار الموقع بين الرئيس الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي.

وقد تلاشت في هذه العملية معظم عناصر القوة التي وُصفت سابقا بأنها غير طبيعية في بنية "قوات سوريا الديمقراطية" والإدارة الكردية، بما في ذلك السيطرة على أكثر من مليون عربي في محافظتين، والتحكم بمعظم حقول النفط السورية، وامتلاك قوة عسكرية قوامها نحو مئة ألف مقاتل تضم كتلا واسعة غير كردية. ومع ذلك، لا تزال محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية قائمة، مع إدارة محلية فاعلة وبقايا مهمة من "قوات سوريا الديمقراطية". ولا يزال وقف إطلاق النار بين الأكراد ودمشق ساريا، وقد بدأ تنفيذ الاتفاق المعلن في 30 يناير/كانون الثاني.

مع ذلك، تبقى الأداة الأساسية لعملية الدمج هي اتفاق الشرع–مظلوم الموقع في 18 يناير/كانون الثاني. وتحقيق تقدم ملموس في هذا المسار هو المهمة الأبرز في سوريا، بل ينافس تنفيذ المرحلة الثانية من خطة غزة والمحادثات المتعلقة بإيران بوصفه الملف الأكثر حساسية على مستوى الشرق الأوسط.

أولى الإشكاليات الواردة في الاتفاق تتعلق بالمادة الخامسة، التي تنص على دمج عناصر "قوات سوريا الديمقراطية" في القوات المسلحة السورية. ويشكل هذا تحولا عن التصور السابق الذي كان يقوم على دمج هذه القوات كوحدات كاملة داخل الجيش السوري. وهذا التعديل الأخير، المنسوب إلى مطالب تركية، يفتقر إلى قابلية التطبيق، كما أظهرت تجربة دمج عناصر "الصحوات" السنية فرديا في الجيش العراقي. فالجندي الفرد لا يمكنه أداء مهامه العسكرية على النحو المطلوب، بما تنطوي عليه من التزامات وانضباط وتضحيات، من دون وجود ثقة متبادلة بين القادة والجنود، وكذلك بين الجنود أنفسهم.

أ ف ب
دبابة أميركية قرب بئر نفطي في ريف الحسكة شمال شرقي سوريا في ديسمبر 2022

 

منع عودة إيران عسكريا أو اقتصاديا أو سياسيا ينبغي أن يتصدر أولويات السوريين والمنطقة. ونظرا لحجم النفور الذي تثيره إيران لدى شريحة واسعة من السوريين، بمن فيهم الشرع، يبدو هذا الهدف قابلا للتحقق

تشمل النقاط الأخرى في الاتفاق التي تتطلب عملا وجهدا، التي تقر بالحقوق اللغوية والثقافية والقانونية للأكراد، في تكرار لمرسوم رئاسي أصدره الشرع في اليوم نفسه. غير أن هذا المرسوم لا يبيّن الكيفية التي يمكن من خلالها تثبيت هذه الحقوق ضمن الإطار القانوني السوري القائم، أو إدراجها في دستور جديد، ولا يوضح ما إذا كان ذلك مطروحا فعلا.

لا تملك الولايات المتحدة القدرة على فرض حلول على البنى الداخلية للدول، وهو درس تعلمته واشنطن مرارا. غير أن بوسعها، إلى جانب الدول الصديقة، التحدث بصوت واحد حول الخطوط التي لا يمكن تجاوزها. ويبدأ ذلك برفض واضح لأي عودة للاقتتال بين الحكومة المركزية والميليشيات المحلية، على غرار ما شهدته السويداء في الصيف الماضي. كما يقع على عاتق المجتمع الدولي الدفع نحو تقليص الوجود الأمني المركزي في مناطق الأقليات، والعمل على تشكيل أجهزة شرطة محلية تخضع لإدارة محلية.

في المقابل، يتعين على الأكراد والدروز وسائر الأقليات التخلي عن الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، والسماح للقوات الحكومية بحرية الحركة داخل مناطقهم بعد تنسيق محلي مسبق، وهي مسألة كانت موضع توتر في مراحل سابقة مع كل من الأكراد والدروز.

ومع أن تقديم مقترحات بشأن طبيعة العلاقات الداخلية يظل أمرا مشروعا من جانب الداعمين الدوليين، كما في التجارب المشار إليها في العراق، فإن أي طرف خارجي لا ينبغي أن يتمسك بخطته الخاصة أو أن يربط دعمه بفرض تصور بعينه.

ومرة أخرى، يقع على عاتق المجتمع الدولي الإصرار على حد أدنى من السلوكيات المقبولة، وفي مقدمتها الامتناع عن استخدام القوة غير المبررة ضد الأقليات أو ضد أي مواطن. وهذا الحد الأدنى يحمل طابعا جوهريا، ويتعين ربطه بالمساعدات الخارجية، والدفع به بصورة جماعية من قبل جميع الأطراف الداعمة.

المجال الآخر الذي يستطيع المجتمع الدولي الإسهام فيه يتمثل في مساعدة سوريا على إدارة علاقاتها مع الدول الأربع المنخرطة عسكريا في الساحة السورية، وهي إيران وروسيا وتركيا وإسرائيل.

من الناحية المفهومية، تبدو إيران الحالة الأكثر وضوحا. فسقوط موطئ قدمها في سوريا شكل إحدى أبرز الهزائم التي تكبدتها خلال الحرب الممتدة لعامين عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وكما ورد في مقدمة هذه المقالة، فإن منع عودة إيران عسكريا أو اقتصاديا أو سياسيا ينبغي أن يتصدر أولويات السوريين والمنطقة. ونظرا لحجم النفور الذي تثيره إيران لدى شريحة واسعة من السوريين، بمن فيهم الشرع، يبدو هذا الهدف قابلا للتحقق، وإن تكن طهران قد بدأت بالفعل في إرسال إشارات متعددة تعكس سعيها إلى استعادة موضع قدم داخل الساحة السورية.

أ ف ب
جنود أميركيون في دورية قرب حقول النفط في السويدية بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا، 13 فبراير 2021

 

إذا انهار الحل التوافقي، وتوجهت دمشق إلى مهاجمة المناطق الكردية، فستجد تركيا نفسها في موقع المتهم، ما سينعكس سلبا على علاقاتها مع شركائها الأوروبيين ومع حلف "الناتو"

ولذلك، فإن أي انهيار في النظام العام، أو انقسام في بنية الدولة، أو عودة إلى أجواء الحرب الأهلية، قد يفتح أمام إيران نافذة لدعم أحد الأطراف أو أكثر، واستخدام هذا الدعم أداة لإعادة بناء نفوذ إقليمي يزعزع الاستقرار. وفي هذا السياق، يتركز جزء كبير من الجهد المطلوب من الولايات المتحدة وشركائها على الفاعلين الخارجيين الآخرين، وتحديدا موسكو وأنقرة والقدس، أكثر مما يتركز على دمشق أو طهران. فرغم أن إسرائيل وتركيا لا ترغبان في عودة إيران، فإن سياساتٍ سوريةً مفرطة الطموح من أي منهما قد تسهم في توليد حالة التفكك التي تسعى طهران إلى استغلالها.

الدور الخارجي

يبقى الدور الروسي في سوريا محدودا في المرحلة الراهنة، إذ يتركز على الحفاظ على قواعده العسكرية بدافع الهيبة أكثر مما هو لحاجة عملياتية مباشرة، وعلى السعي للحصول على مكاسب تتصل بملفات السلاح والنفط من دمشق. ولا تبدي حكومة الشرع، ولا الجارتان تركيا وإسرائيل، رغبة في معارضة هذا المستوى من الحضور الروسي. بل إن بعض الأوساط في إسرائيل وتركيا تنظر إلى الوجود الروسي بوصفه حاجزا أو عامل توازن في مواجهة الطرف الآخر. أما الولايات المتحدة، فلديها بصراحة أولويات سورية أكثر إلحاحا بكثير من ممارسة الضغط لإخراج روسيا، ويمكنها حتى استثمار تمسك موسكو بقواعدها لتحقيق مكاسب في ملفات تعد أكثر أهمية لواشنطن، بدءا من أوكرانيا وأمن أوروبا. وقد يتبدل هذا المشهد إذا تدخلت روسيا في الشؤون الداخلية السورية أو أسهمت بأي شكل في تسهيل عودة شريكتها إيران.

أ ف ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع يتصافحان خلال لقائهما في قصر الكرملين الكبير في موسكو في 15 أكتوبر 2025

أما تركيا، وكما كرر الرئيس ترمب في أكثر من مناسبة، فقد أدت دورا محوريا في سقوط نظام الأسد. وبهذا التحول، انتقلت سوريا من كونها مصدرا لتهديدات متعددة لأنقرة، شملت "حزب العمال الكردستاني" و"قوات سوريا الديمقراطية"، وإيران ووكلاءها، وتنظيم "داعش"، وروسيا، إضافة إلى نظام الأسد نفسه، إلى مكسب استراتيجي واضح يتمثل في حكومة صديقة في دمشق، وخروج إيران، ورحيل الأسد، وإضعاف "حزب العمال الكردستاني" و"قوات سوريا الديمقراطية"، واحتواء "داعش". غير أن هذا الموقع المتقدم الذي باتت أنقرة تشغله في العاصمة السورية يضع على عاتقها مسؤولية مباشرة تجاه المسار الذي ستتخذه سوريا في المرحلة المقبلة.

وتظل القضية الأكثر إلحاحا، كما سبقت الإشارة، مرتبطة بتنفيذ اتفاق دمج الأكراد. فإذا انهار الحل التوافقي، وتوجهت دمشق إلى مهاجمة المناطق الكردية، ولا سيما إذا شجع بعض الفاعلين في أنقرة هذا المسار، فستجد تركيا نفسها في موقع المتهم، ما سينعكس سلبا على علاقاتها مع شركائها الأوروبيين ومع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذين ينظرون بإيجابية إلى دور "قوات سوريا الديمقراطية" في محاربة "داعش"، إضافة إلى تداعيات محتملة على علاقتها بواشنطن، وخصوصا الكونغرس. ويضاف إلى ذلك أن تركيا، الواثقة بقدراتها العسكرية والمندفعة بزخم انتصاراتها، تقف اليوم بمحاذاة إسرائيل التي خرجت بدورها منتصرة في الساحة السورية، وهو وضع ينطوي على مخاطر انتقال التوترات الثنائية الأخرى، وفي مقدمتها ملف غزة، إلى المسرح السوري.

دفع التقدير العميق للدروز داخل إسرائيل- إلى جانب المخاوف من نيات الشرع- تل أبيب إلى التدخل لحماية جيب درزي صغير على طول الحدود

أمضت إسرائيل العام الماضي في إعادة تقييم علاقتها مع حكومة الشرع. فبعد مرحلة من التردد، رجحت القراءة الإسرائيلية أسوأ الاحتمالات، في ضوء الخلفية المرتبطة بـ"القاعدة" لدى الشرع وصلاته بتركيا المنافسة. وعلى هذا الأساس، أطلقت إسرائيل حملة عسكرية سيطرت خلالها على أراضٍ محاذية للجولان، واستهدفت جزءا كبيرا من القدرات العسكرية الثقيلة السورية. ومع اندلاع المواجهات صيفا على الحدود الإسرائيلية بين الدروز السوريين والقبائل العربية وقوات دمشق، سارعت إسرائيل إلى الاصطفاف إلى جانب الدروز. وقد دفع التقدير العميق للدروز داخل إسرائيل- إلى جانب المخاوف من نيات الشرع- تل أبيب إلى التدخل لحماية جيب درزي صغير على طول الحدود.

رويترز
عربات اسرائيلية قرب خط وقف اطلاق النار بين سوريا وهضبة الجولان التي تحتلها اسرائيل في 9 ديسمبر 2024

وساهم نجاح دمشق في تجنب تكرار ذلك العنف المروع، واستعدادها للتحقيق في أسبابه، إضافة إلى تحقيق تقدم محدود، ولا سيما خلال يناير/كانون الثاني، عبر محادثات أمنية سورية-إسرائيلية بوساطة أميركية، في تهدئة العلاقة الثنائية نسبيا. كما أن انهيار "قوات سوريا الديمقراطية" أزال نقطة ضغط محتملة كانت إسرائيل قادرة على استخدامها في مواجهة دمشق. ومع ذلك، تبقى العلاقات الثلاثية بين تركيا وسوريا وإسرائيل بحاجة إلى متابعة دقيقة ومستمرة.

وفي المحصلة، تظل الولايات المتحدة الجهة الوحيدة القادرة على القيام بهذه المهمة عبر استمرار انخراط دبلوماسي مكثف، مع وجود عسكري محدود داخل سوريا يوفر متابعة ميدانية مباشرة ويعكس التزاما أميركياً واضحا، ويتيح عند الضرورة الاضطلاع بدوريات فصل بين خطوط وقف إطلاق النار.

font change

مقالات ذات صلة