ما تداعيات هزيمة "قسد" على الاتفاق الإسرائيلي-السوري؟

لا تزال هناك عقبات تعترض التوصل إلى اتفاق

رويترز
رويترز
دروز في وقفة احتجاجية عند الحدود بين إسرائيل وسوريا في مجدل شمس، بالقرب من خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل وسوريا، 16 يوليو 2025

ما تداعيات هزيمة "قسد" على الاتفاق الإسرائيلي-السوري؟

لم يُسفر استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا في باريس مطلع هذا الشهر عن اتفاق رسمي، لكنه على ما يبدو أفضى إلى جملة من التفاهمات. لم تحظَ تلك الاجتماعات بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الإسرائيلية آنذاك، إلا أن الملف عاد إلى صدارة العناوين في الأيام الأخيرة، خصوصا في ظل القتال الدائر بين الأكراد والنظام السوري، والمكاسب العسكرية التي أحرزها الأخير.

بوجه عام، أبدت وسائل الإعلام الإسرائيلية قدرا متزايدا من الارتياب حيال الرئيس أحمد الشرع، مركّزة في تغطيتها المتكررة على ماضيه الجهادي، وعلى علامات الاستفهام التي تحيط بنواياه وقدرته على مراعاة المصالح الأمنية لإسرائيل.

بالنسبة إلى جوهر المحادثات بين الطرفين، ينبغي التشديد على عدة نقاط، كما تعكسها تقارير الإعلام الإسرائيلي: إنشاء آلية تهدف إلى منع سوء التقدير، إضافة إلى عقد اجتماعات دورية على نحو منتظم، اتُفق على اتخاذ إجراءات متبادلة لبناء الثقة بين الطرفين.

بالنسبة إلى حماية الأقلية "الدرزية" في جنوب سوريا، يبدو أن الطرفين اتفقا على اعتبار ذلك شأناً سورياً داخلياً يُحل دون تدخل خارجي أو استخدام للقوة. وفي بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورد أن "الاتفاق نص على مواصلة الحوار من أجل دفع الأهداف المشتركة قدما وصون أمن أقلية الدروز في البلاد".

لا تتضمن تقارير الإعلام الإسرائيلي أي تفاصيل بشأن نطاق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي سيطرت عليها عقب انهيار النظام السوري السابق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. وذكر مسؤول أميركي رفيع، لم يُكشف عن اسمه، أن الولايات المتحدة اقترحت على الطرفين إنشاء غرفة عمليات مشتركة في الأردن، إلى جانب إقامة منطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود.

حظي وقف إطلاق النار بين النظام السوري والأكراد باهتمام واسع، مع تركيز ملحوظ على "هزيمة الأكراد" وتداعياتها المحتملة على إسرائيل من جهة، وعلى تركيا من جهة أخرى

في الأيام الأخيرة، وفي سياق الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام السوري والأكراد، برزت أربع نقاط أساسية:

أولا، اشتد الارتياب تجاه حكم الشرع على نحو ملحوظ، لا سيما في ما يتعلق بالمخاطر التي قد تهدد المصالح الحيوية لإسرائيل في حال انسحبت من الأراضي التي أحكمت سيطرتها عليها في هضبة الجولان عقب انهيار نظام الأسد. وعلى نحو موازٍ، أبدت مصادر عسكرية إسرائيلية بارزة قلقها من انسحاب إسرائيلي مفرط، سواء خشية تهريب السلاح، بما في ذلك إلى "حزب الله"، أو خوفا من عودة عناصر إسلامية متشددة إلى مناطق لا يفرض فيها النظام الجديد سيطرة كاملة.

ثانيا، حظي وقف إطلاق النار بين النظام السوري والأكراد باهتمام واسع، مع تركيز ملحوظ على "هزيمة الأكراد" وتداعياتها المحتملة على إسرائيل من جهة، وعلى تركيا من جهة أخرى، حيث صُوِّرت الأخيرة بوصفها المستفيد الأكبر من مجريات الأحداث.

أ.ف.ب
دورية للقوات الإسرائيلية على السياج الحدودي مع سوريا قرب قرية مجدل شمس في هضبة الجولان المحتلة، في 23 يوليو 2025

ثالثا، تصاعد القلق بشأن مصير أقلية الدروز في ضوء نتائج المواجهة بين النظام السوري والأكراد، وبرزت أيضا مخاوف من احتمال أن توافق الحكومة على التراجع عن دورها في حماية مجتمع الدروز والتخلي عن نفوذها في هذا الملف.

رابعا، يتصل تفصيل مهم بالفجوة التي أبرزتها وسائل الإعلام بين المؤسسة الأمنية في إسرائيل والقيادة السياسية. ووفقا للتقارير، يسعى الجيش إلى الحفاظ على هوامش أمنية أوسع، محذرا من احتمال وقوع مفاجآت أخرى قد تصدر عن الحدود السورية.

لا يعني ذلك بالضرورة تراجع فرص التوصل إلى اتفاق أمني بين البلدين، غير أن ثمة تداعيات عدة تستدعي التمعن فيها بعناية.

لا تزال هناك عقبات تعترض التوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا. ورغم أن هذه العقبات لا تبدو عصية على المعالجة، فإن تجاوزها يتطلب وضوحا أكبر، خصوصا في ظل المستجدات المرتبطة بالأكراد

ستخضع إسرائيل الاتفاق الأخير بين الشرع والأكراد لفحص دقيق، لا سيما من حيث ما إذا كان يُعد استسلاما فعليا من جانب الأكراد. ويحمل هذا التطور انعكاسات بالغة الأهمية على موقف إسرائيل تجاه حماية أقلية الدروز، فضلا عن السكان الأكراد.

ويكتسب العامل التركي أهمية بالغة وحساسية شديدة، إذ يتعين على صناع القرار في إسرائيل إجراء تقييم معمق لما ينطوي عليه من دلالات تتعلق بانخراط تركيا المتزايد في سوريا، وتداعيات ذلك على المدى البعيد.

إذا تحقق تقدم نحو اتفاق أمني مع سوريا، سيكون على القيادة السياسية في إسرائيل أن تروّج له بطريقة أكثر جدية مما كان عليه الحال في السابق. كما أن التطورات السياسية الداخلية، بما في ذلك احتمال إجراء انتخابات مبكرة، تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق.

أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأميركي توم باراك في القصر الرئاسي بدمشق في 18 يناير 2026

ويشكل العامل الأميركي عاملا حاسما كذلك. إذ تدرك إسرائيل بوضوح رغبة الرئيس دونالد ترمب في ترسيخ حكم الشرع في سوريا، إلى جانب وعيها بتأثير كل من السعودية وتركيا في توجهات الإدارة الأميركية.

ومع ذلك، وهذه نقطة بالغة الأهمية، حين يتعلق الأمر بالمصالح الأمنية التي تعتبرها إسرائيل حيوية، فإن واشنطن تُصغي بعناية فائقة. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة التطورات الأخيرة في سوريا، والطريقة التي تُفهم بها في القدس، سواء أصابت في تقديرها أم جانبت الصواب.

في المحصلة، لا تزال هناك عقبات تعترض التوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا. ورغم أن هذه العقبات لا تبدو عصية على المعالجة، فإن تجاوزها يتطلب وضوحا أكبر، خصوصا في ظل المستجدات المرتبطة بالأكراد. ورغم أن الإطار الاستراتيجي الأساسي ما زال ثابتا، فإن واقعا إقليميا شديد التقلب خلال العامين الماضيين يفرض اتباع دبلوماسية دقيقة ومتزنة. كما أن الحكومة بحاجة إلى إطلاق حملة مدروسة تكسب من خلالها دعم الرأي العام الإسرائيلي لأي اتفاق محتمل مع سوريا.

font change

مقالات ذات صلة