كان الكاتب المسرحي الأميركي آرثر ميلر يقول إنه يكاد يجزم أنه عندما يسقط ديكتاتور أو تحدث انقلابات، فثمة مناخ ملائم لإعادة إنتاج مسرحية "البوتقة".
في إسطنبول، حيث انكشفت ممارسات القمع في الأشهر الأخيرة، ربما أصيب الجمهور، الذي كان ينتظر إعادة تقديم هذه المسرحية، بخيبة أمل. هل يبعث تقديم نسخة أمينة من الأصل برسالة قوية بما فيه الكفاية؟
عندما دعاني صديق تركي لحضور مسرحية "البوتقة" لآرثر ميلر التي عرضت على مسرح بلدية إسطنبول الكبير، انتابني الفضول على الفور. لا يسعني إلا الاعتراف بأن حماستي كانت نابعة من ارتباط محلي عميق. وبما أنني نشأت على بعد نصف ساعة فقط من "سالم" في ولاية ماساتشوستس حيث تدور أحداث مسرحية ميلر، فقد شعرت بأن فرصة الوقوف على تراثي الثقافي تطل علي في هذا المكان القصي، وهي بالتأكيد فرصة غنية ولا تفوت. بعيدا من هذا الارتباط الغريب (فبعد كل شيء، لقد هربت بعيدا)، فإن توقي إلى مسرحية ذات صلة غريبة بالواقع المعاصر تعد بنقد الواقع السياسي الراهن، أشعلت حماستي أيضا.
استعادة المكارثية
ماذا يعني تقديم عمل تتجاوز حدود دلالاته السياسية، التي كانت عندما قدم لأول مرة نقدا للمكارثية في خمسينات القرن الماضي، إلى سياق آخر يتاجر فيه الساسة بلا رحمة بالخوف من الغرباء والاختلاف؟ بصراحة أكبر: كيف ستبدو هذه المسرحية التي تعرض في إسطنبول، حيث لا يزال عمدة المدينة يقبع في السجن، ويواجه أحكاما ذات دوافع سياسية يبلغ مجموعها 2352 عاما؟
"البوتقة" دراما تاريخية تدور أحداثها في نيو إنغلند البيوريتانية خلال محاكمات الساحرات في "سالم" عام 1692، وتتناول الهستيريا الجماعية وقضايا الأخلاق. جون بروكتور، بطل المسرحية الذي ارتكب إثما رغم أنه يتميز بالنزاهة والقوة، يخون زوجته مع أبيغيل الخادمة الشابة. لا تقرر أبيغيل المطرودة من منزل بروكتور، والمدفوعة بمشاعر جارفة من الحسد، الاحتفاظ بجون لنفسها فقط، بل والتخلص من زوجته إليزابيث في الوقت نفسه. يطالعنا ميلر بأحداث مسرحيته في الغابة، حيث تُحضر أبيغيل مجموعة من الفتيات لاستدعاء الشيطان كي يساعدها في التخلص من إليزابيث، قبل أن يكشفها عمها، القس صموئيل باريس.


