عرض مسرحي تركي يستعيد رائعة آرثر ميلر عن الاضطهاد السياسي

دراما تاريخية قدمت للمرة الأولى خلال المكارثية

NESHAN NALTCHAYAN / AFP
NESHAN NALTCHAYAN / AFP
آرثر ميلر يلقي محاضرة في مركز كينيدي بواشنطن حول "السياسة وفن التمثيل"، 26 مارس 2001

عرض مسرحي تركي يستعيد رائعة آرثر ميلر عن الاضطهاد السياسي

كان الكاتب المسرحي الأميركي آرثر ميلر يقول إنه يكاد يجزم أنه عندما يسقط ديكتاتور أو تحدث انقلابات، فثمة مناخ ملائم لإعادة إنتاج مسرحية "البوتقة".

في إسطنبول، حيث انكشفت ممارسات القمع في الأشهر الأخيرة، ربما أصيب الجمهور، الذي كان ينتظر إعادة تقديم هذه المسرحية، بخيبة أمل. هل يبعث تقديم نسخة أمينة من الأصل برسالة قوية بما فيه الكفاية؟

عندما دعاني صديق تركي لحضور مسرحية "البوتقة" لآرثر ميلر التي عرضت على مسرح بلدية إسطنبول الكبير، انتابني الفضول على الفور. لا يسعني إلا الاعتراف بأن حماستي كانت نابعة من ارتباط محلي عميق. وبما أنني نشأت على بعد نصف ساعة فقط من "سالم" في ولاية ماساتشوستس حيث تدور أحداث مسرحية ميلر، فقد شعرت بأن فرصة الوقوف على تراثي الثقافي تطل علي في هذا المكان القصي، وهي بالتأكيد فرصة غنية ولا تفوت. بعيدا من هذا الارتباط الغريب (فبعد كل شيء، لقد هربت بعيدا)، فإن توقي إلى مسرحية ذات صلة غريبة بالواقع المعاصر تعد بنقد الواقع السياسي الراهن، أشعلت حماستي أيضا.

استعادة المكارثية

ماذا يعني تقديم عمل تتجاوز حدود دلالاته السياسية، التي كانت عندما قدم لأول مرة نقدا للمكارثية في خمسينات القرن الماضي، إلى سياق آخر يتاجر فيه الساسة بلا رحمة بالخوف من الغرباء والاختلاف؟ بصراحة أكبر: كيف ستبدو هذه المسرحية التي تعرض في إسطنبول، حيث لا يزال عمدة المدينة يقبع في السجن، ويواجه أحكاما ذات دوافع سياسية يبلغ مجموعها 2352 عاما؟

"البوتقة" دراما تاريخية تدور أحداثها في نيو إنغلند البيوريتانية خلال محاكمات الساحرات في "سالم" عام 1692، وتتناول الهستيريا الجماعية وقضايا الأخلاق. جون بروكتور، بطل المسرحية الذي ارتكب إثما رغم أنه يتميز بالنزاهة والقوة، يخون زوجته مع أبيغيل الخادمة الشابة. لا تقرر أبيغيل المطرودة من منزل بروكتور، والمدفوعة بمشاعر جارفة من الحسد، الاحتفاظ بجون لنفسها فقط، بل والتخلص من زوجته إليزابيث في الوقت نفسه. يطالعنا ميلر بأحداث مسرحيته في الغابة، حيث تُحضر أبيغيل مجموعة من الفتيات لاستدعاء الشيطان كي يساعدها في التخلص من إليزابيث، قبل أن يكشفها عمها، القس صموئيل باريس.

دراما تاريخية تدور أحداثها في نيو إنغلند البيوريتانية خلال محاكمات الساحرات في "سالم" عام 1692، وتتناول الهستيريا الجماعية وقضايا الأخلاق

تلي ذلك سلسلة من الاتهامات بممارسة السحر. ومن المفارقات أن المرء لا يشنق بسبب اعترافه بالذنب، بل الإنكار في حد ذاته يعتبر دليلا على الذنب. بيد أنه لا وجود للساحرات أصلا. تضيء المسرحية في نهاية المطاف على فكرتها الجوهرية: خنق المنطق وتغييب العقل في ظل نظام أخلاقي ضيق الأفق، حيث تتحول الأوهام الخاصة والأحقاد الشخصية إلى حقيقة عامة، لتكون العواقب وخيمة: تشنق عشرات الفتيات البريئات المتهمات بالسحر حتى الموت، في عنف مروع يتجلى بكل بشاعته في الفصل الثالث عندما تقع أعيننا فجأة على أكياس تتدلى من سقف المسرح، في إشارة إلى النساء المشنوقات، وهن يتمايلن ببطء، جيئة وذهابا.

Wikimedia Commons
مشهد من محاكمات الساحرات في "سالم"

النسخة التركية

اختار يغيت سرتديمير، الممثل والكاتب المسرحي التركي ومخرج مسرحية "مرجل الساحرات"، البقاء وفيا لنص ميلر الأصلي من حيث الحبكة والشخصيات مع بعض التعديلات الطفيفة. وألبس الشخصيات أزياء تاريخية تعكس ضبط النفس والصرامة الأخلاقية للبيوريتانيين، فارتدى الرجال ملابس طويلة فضفاضة بألوان داكنة، في حين ارتدت النساء فساتين عادية مع قبعات بسيطة. وكانت ديكورات المسرح تضج بالرمزية البيوريتانية أيضا، ففي ظل التباين بين الضوء والظلام، كانت هناك قاعة مشتركة في وسط المسرح محاطة بشجرتي دلب سامقتين على كلا الجانبين، مما أضفى جوا من الرعب على المسرح.

 by Ozan KOSE / AFP
الممثل والمخرج يغيت سرتديمير خلال جلسة تصوير في إسطنبول، 24 سبتمبر 2020، في ظل عودة المسارح للعروض الخارجية بعد الجائحة

على المستوى اللغوي، عمل ميلر جاهدا على ابتكار لغة درامية جديدة كليا، لغة تبدو عتيقة (بإدخال كلمات مثل  "aye" بمعنى نعم) لكنها تتدفق بسلاسة طبيعية. أما الترجمة التركية التي تعاون على إنجازها صباح الدين أيوب أوغلو وفيدات غونيول، فاستبدلت خطاب ميلر المنحوت ببراعة، بلغة تركية عامية بسيطة، وتجنبت المفردات العثمانية القديمة التي ربما كان استخدامها ليضفي إحساسا بالتاريخية نفسها. بيد أن الإشارات إلى اللاهوت المسيحي، ترجمت من خلال مصطلحات متجذرة في حقل مفاهيمي إسلامي، كمصطلح الزنا على سبيل المثل، معيدا صوغ المعتقدات البيوريتانية بمهارة، باستخدام معجم ثقافي ولاهوتي مختلف. هذا الخيار ليس مقصودا تماما، ولكن لم يكن ثمة مهرب منه، وكان في إمكان المترجمين والمخرج اللعب على هذا الاختلاف.

على الرغم من اختلاف أسلوب اللغة، حافظ ممثلو المسرحية على النبرة العاطفية الأصلية (مع تألق بوراك داود أوغلو في دور جون بروكتور، متفوقا على الجميع في دور البطولة). غير أن ارتفاع مستوى الصوت والوتيرة السريعة لمعظم الحوارات، التي وصلت حد الصراخ أحيانا، جعلا من الصعب متابعة أجزاء من الحوار، حتى بالنسبة إلى المتحدثين الأصليين باللغة التركية من بين الحضور، كما ذكر لي صديقي. وخلال ساعتين ونصف الساعة، اختبر العرض أيضا قدرة المشاهدين على التركيز: حيث غادر عدد كبير من الحضور خلال الاستراحة، بمن فيهم الجالسون أمامنا، بينما بدا أحد الحضور في الصفوف الأمامية أكثر انغماسا في "إنستاغرام" من انشغاله بالدراما الدائرة أمامه على خشبة المسرح.

عندما عرضت مسرحية "البوتقة" للمرة الأولى على مسرح برودواي عام 1953، قوبلت بالارتباك أيضا، وحتى بالازدراء، ووصفت بأنها فجة، وخاملة، وتشبه خطبة واعظة. إلا أن التاريخ أعاد صوغها لاحقا كعمل من أعمال المقاومة السياسية ضد حملة مطاردة الشيوعية التي شهدتها الولايات المتحدة.

التعديلات في الولايات المتحدة

خلقت هذه الحبكة المثيرة فرصا غنية لإعادة تقديم العمل وفق تفسيرات ورؤى جديدة، ولهذا السبب أعيد تقديم مسرحية "البوتقة" أكثر من مرة. ففي عام 2023 وحده، ظهرت ثلاث نسخ أعيد تخيلها من "سالم" على خشبة المسرح في الولايات المتحدة، جميعها من تأليف كاتبات، وقدم العديد منها قراءات متناغمة تتصدى لعالم ميلر الأخلاقي، من خلال إعادة الصوت إلى النساء اللواتي جرى تصويرهن لأمد طويل على أنهن هستيريات أو انتقاميات، وفي مقدمهن أبيغيل.

عندما عرضت "البوتقة" للمرة الأولى عام 1953، قوبلت بالارتباك وحتى بالازدراء، إلا أن التاريخ أعاد صوغها لاحقا كعمل من أعمال المقاومة السياسية

جاءت هذه التعديلات مدفوعة إلى حد كبير بالإحباط من جون بروكتور، البطل المتغطرس الذي اعترف ميلر صراحة بأنه صورة عنه: رجل يرتكب الخطيئة، ويعترف بها، ويدعي في النهاية السلطة الأخلاقية. وقد عكست مسرحية سارة روهل، "بيكي نيرس من سالم"، هذا النقد. إذ كتبت المسرحية ردا على كراهية النساء في عهد دونالد ترمب وخطاب "مطاردة الساحرات"، كما انبثقت أيضا من غضب روهل من السياسات الجندرية المتأصلة في "البوتقة".

بعد مشاهدتها لإعادة إحياء المخرج المسرحي البلجيكي إيفو فان هوف للمسرحية عام 2016، صدمت روهل من كيفية تصوير مسرحية ميلر للشابات بصورة جنسية، وتركيزها الزائف لأزمة "سالم" على رغبة أبيغيل المفترضة في بروكتور، رغم الحقيقة التاريخية التي تثبت أنهما لم يلتقيا قط. إن اعتراف ميلر نفسه بأن المسرحية ظهرت خلال انهيار زواجه ورغبته المتزايدة في ماريلين مونرو، زاد قناعة روهل بأن مسرحية "البوتقة" التي تدرس منذ زمن طويل باعتبارها رمزا سياسيا أميركيا لجلسات الاستماع حول "التهديد الشيوعي" في واشنطن في خمسينات القرن الماضي، تشوه التاريخ من خلال عدسة تبرير الذات الذكورية.

فرصة ضائعة

كانت هذه تجربتي الأولى في حضور مسرحية على مسرح بلدية إسطنبول، في حي الحربية التاريخي، وهو الحي نفسه الذي شهد تصوير المسلسل الكوميدي الشهير "Avrupa Yakası" أو "الجانب الأوروبي" بمنزله الخشبي الأحمر الشهير، الذي كان قبل فترة طويلة مقرا للأكاديمية العثمانية القديمة للتدريب العسكري ولقوات الاحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى. ورغم أن العرض لم يؤثر بي كما تفعل الأعمال الفنية الجيدة عادة، إلا أن التجربة كانت جديرة بالاهتمام، ولن أعتبرها مضيعة للوقت. وينبع حكمي هذا مما أشرت إليه سابقا، وهو قرار المخرج تقديم المسرحية بهذا الشكل الحرفي، وتوقعاتي وذوقي المسرحي، إلى جانب تراث تاريخي متجذر في ذهني ربما اندثر اليوم.

THOMAS COEX / AFP
بورتريه للكاتب الأميركي آرثر ميلر في باريس، 12 سبتمبر 2001

في نهاية المطاف، ثمة تراث عثماني وعربي غني في مجال الاقتباس الأدبي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث لم تترجم الأعمال الغربية فحسب، بل أعيد صوغها جذريا، على المستوى الأخلاقي والسردي والسياسي، كي  تتلاءم مع التاريخ المحلي. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، ترجمات رواية روبنسون كروزو، العثمانية والعربية، ففي بعض الإصدارات استبدلت بعض العناصر غير الملائمة ثقافيا، كالخنازير بالماعز. أما المثل الثاني، فهو أعمال الكاتب والمترجم المصري المؤثر مصطفى لطفي المنفلوطي. وعلى الرغم من أن هذا الأخير لم يكن يجيد الفرنسية، إلا أنه أعاد صوغ ترجمات موجزة لروايات فرنسية كان أصدقاؤه يتناقلونها شفهيا، ليحولها إلى نثر عربي عذب وبليغ، ولعل أشهر أعماله اقتباس رواية "بول وفيرجيني" لبرناردان دو سان بيار بعنوان "الفضيلة" عام 1915.

طمس إخراج سرتديمير الكثير من الرمزية السياسية التي جعلت من مسرحية "البوتقة" قادرة على التكيف مع الأحداث كما جعلتها قابلة لإعادة الصوغ

من خلال سعيه إلى إعادة إنتاج صورة نيو إنغلند البيوريتانية التي رسمها ميلر بأمانة ودقة متناهيتين، طمس إخراج سرتديمير الكثير من الرمزية السياسية التي جعلت من مسرحية "البوتقة" قادرة على التكيف مع الأحداث، كما جعلتها قابلة لإعادة الصوغ ومادة للتدريس على مر السنين. وفي وقت يتزايد فيه الضغط السياسي علينا لرؤية العالم بمنظور مانوي ثنائي، مما يفرض علينا الاختيار بين "نحن" الصالحين أو قوى النور و"هم" الأشرار أو قوى الظلام، كان في إمكان هذا العمل المسرحي أن يخلق تأثيرا إبداعيا حديثا يثير حماسة الجمهور. لكنه لم يستطع أن يثير فينا ذلك النوع من الاندماج وتركنا في حالة من عدم التأثر والحياد.

font change