"هامنت" مشروع تحفة سينمائية سقط في الابتذال العاطفي

اللجوء إلى الميلودراما بهدف استدرار الدموع

Focus Features
Focus Features
ملصق فيلم "هامنت"

"هامنت" مشروع تحفة سينمائية سقط في الابتذال العاطفي

تفتح المخرجة كلوي تشاو (صاحبة "أرض البداوة"، 2020) أحدث أفلامها "هامنت" بلقطة سماوية لبطلة الفيلم آغنيس (جيسي باكلي) وهي تحتضن التراب عند شجرة عملاقة. في أسفل الشجرة تجويف ضخم، وتبدو آغنيس خارجة للتو من رحم الشجرة، تنام كطفلة رضيعة غير مدركة لما يجري من حولها. إنها بداية شاعرية تأملية لفيلم يريد أن يفرض الإحساس به قبل مشاهدته، فلا يضع السرد كأولوية، إنما يكتفي بتقديم شخصيات يتفاعل بعضها مع بعض، وسط كمّ هائل من المشاعر التي تعصف بحياتهم.

يدخل "هامنت" موسم الجوائز كمرشح قوي بعد فوزه بجائزة "غولدن غلوب" لأفضل فيلم درامي وحصوله على ترشيحات أوسكارية لأفضل فيلم وأفضل ممثلة رئيسة وأفضل نص مقتبس، كما حصل على ترشيح في الفئة الجديدة، "أفضل اختيار للممثلين" (Casting). الفيلم مقتبس عن رواية بالعنوان نفسه للكاتبة ماغي أوفاريل التي شاركت تشاو في كتابة السيناريو، ومن بطولة جيسي باكلي وبول ماسكال وإيميلي واتسون وجو آلوين.

منظور الزوجة

يتبع الفيلم حياة ويليام شيكسبير، رفقة زوجته وأطفاله، ويصب تركيزه على منظور الزوجة آغنيس، وعلى الصعوبات الكامنة في مشاركة الحياة الزوجية مع فنان معذب لا يملك إلا أن يبذل نفسه في فنه وجعله أولويته الأهم. مشهد آغنيس الافتتاحي في الغابة، بدا مقدمة مثالية لشخصيتها، فهي ورثت عن أمها هذا الاتصال السماوي بالطبيعة، وقدرتها على المعالجة بالأعشاب، ونفورها من المدن الكبيرة، وحبها للبقاء في الخلاء، حتى اكتسبت سمعة بأنها ساحرة. يرافقها في هذه العزلة الخضراء صقرها المدلل الذي لا يحب الغرباء.

بداية الفيلم جاءت باعثة على التفاؤل بأننا أمام عمل فريد: عمل يتبع مشاعر شخصياته ولا يلتزم صوتا سرديا خطيا صارما ينتقل من النقطة أ إلى النقطة ب. مشاهد آغنيس وشكسبير معا وهما غارقان في الحب، جاءت دون تمهيد مسبق من النص، وقد ذكرنا المناخ العام، وأداء الممثلين، ولو نسبيا، بأسلوب تيرانس مالك.

بداية الفيلم جاءت باعثة على التفاؤل بأننا أمام عمل فريد: عمل يتبع مشاعر شخصياته ولا يلتزم صوتا سرديا خطيا صارما ينتقل من النقطة أ إلى النقطة ب

في هذه المرحلة يبدو العمل بديعا بصريا، في تكامل مذهل بين الصوت والصورة، وبين الطبيعة الخلابة والإضاءة الطبيعية والتصميم الصوتي الذي يجعلك تشعر أنك في قلب الغابة. حتى أزياء الممثلين تنجح في تحقيق هذا التكامل: آغنيس تحديدا تظهر بشكل براق وسط الغابة وكأن انتماءها بدأ من هذه الغابة وسوف يعود دائما إليها. في هذا السياق، لا يبدو السبب الذي يجعل آغنيس وشكسبير يحبان أحدهما الآخر بهذا الشغف، مهما أو يتطلب شرحا منطقيا، لأن تشاو رفقة المصور السينمائي لوكاس زال، استطاعا خلق جو مشحون يجعلنا نشعر بذلك عوضا عن فهمه.

Focus Features
من "هامنت"

مع تتالي الأحداث، يضع الفيلم آغنيس في مركز السرد أكثر فأكثر، ويبدأ بإبعاد شخصية شكسبير، وهنا لا يعود من مجال للشك بأن أقوى ما يمتلكه الفيلم في صالحه هو الرائعة جيسي باكلي، بأدائها الذي تراوح بين الرصانة والدقة، وبين كونه مسرحيا في مشاهد أخرى، لتصبح هي حجر الأساس ومحركة الإيقاع والجو العام.

إفراط ميلودرامي

لكن عند منتصف الفيلم تقريبا، وتحديدا بعد مشهد ولادة التوأم الذي بلغ أقصى درجات الميلودرامية (وهي نقطة إيجابية حتى الآن خصوصا في مشهد يجمع جيسي باكلي وإيميلي واتسون)، تتغير أولويات الفيلم. بعد الحدث الرئيس، وهو وفاة هامنت الابن الصغير، تتحول الرغبة في استكشاف الشخصيات بشكل غير تقليدي، كما رأينا في البداية، إلى توجه لوضعها في مشاهد طويلة مفرطة في الميلودرامية بهدف استدرار أكبر قدر  من دموع المشاهدين.

مشاعر الفقد والخسارة تخلف وراءها فراغا مخيفا، وهو ما يتبدى تحديدا حينما تلد آغنيس توأميها، ويُعتقد أن ابنتها جوديث لم تنجُ من الولادة. ذاك المشهد وتلك الصدمة التي يخلفها خبر عدم نجاة الطفلة، وما تقدمه جيسي باكلي حينما تتلقى هذه الأخبار، جميعها كافية جدا لعصر قلوبنا بالألم. لكن، بعد وفاة هامنت يقرر الفيلم أن ما قدمه ليس كافيا، وأن كل ممثل يحتاج إلى مشهد فردي يقدم فيه كل ما يستطيع في سبيل تجسيد الحزن الذي تشعر به الشخصية، سواء كان ذلك من خلال دموع صامتة أو صراخ وعويل.

إنه تحول مؤسف، علما أن النبرة المسرحية في السرد ليست بالضرورة قرارا خاطئا، خصوصا عندما نتكلم عن عمل، شكسبير هو من شخصياته، ولكن ما كان يقدمه الفيلم في النصف الأول هو أكثر إثارة للاهتمام دون شك، حيث النظرة أكثر شمولية وعمقا لتجارب الحب والفقد وكيف يمكن أن ننجو كأفراد أو كعائلة خلال هذه التجارب. بعد ذلك يتدهور الفيلم إلى محاولات مبتذلة متكررة لإجبار المشاهدين على ذرف الدموع ومحاولة إعطاء كل ممثل مشهدا يمكن عرضه في حفل جوائز الأوسكار أثناء سرد أسماء المرشحين.

تنجو جيسي باكلي من هذا الابتذال بسبب قدرتها على تلوين دورها بألوان عدة، فهي متحفظة ورزينة في حين، وعاصفة بالمشاعر في حين آخر، وحينما نشاهد هذه التحولات أمامنا، نفهم ذلك بالكامل ولا نستنكره، فقط عندما يبالغ الفيلم في الإبحار في مشاعر الفقد، لاستجلاب عواطف المشاهدين، يبدأ أداء باكلي بالذبول.

Focus Features
أحد مشاهد "هامنت"

ولعل ضحية توجهات الفيلم الميلودرامية هو بول ماسكال في دور شكسبير، إذ لا يبدو أنه قادر على كسر القوالب المعتادة لأدواره. فهذا الممثل الذي كان أحد الوجوه الصاعدة واقتحم الساحة السينمائية بقوة، بأدائه العميق والغني بالتفاصيل في فيلم Aftersun، أصبح يقدم نسخا واهية من نفسه في كل دور جديد يقدمه، مبالغا في إظهار المشاعر، ومنخرطا في العديد من مشاهد البكاء حتى أصبحت معروفة مسبقا طبيعة الدور الذي سوف يقدمه.

بعد وفاة هامنت يقرر الفيلم أن ما قدمه ليس كافيا، وأن كل ممثل يحتاج إلى مشهد فردي يقدم فيه كل ما يستطيع في سبيل تجسيد الحزن الذي تشعر به الشخصية

المفارقة هي أنه أثناء فشل الفيلم في استعطاف المشاهدين من خلال المشاهد المسرحية الميلودرامية، كان ماسكال قدم أحد أكثر المشاهد تأثيرا وصدقا، بالتحديد مشهد دفن العائلة لصقر أغنيس. هنا، تخسر آغنيس ذكرى عزيزة لوالدتها تتمثل في كائن رافقها لسنوات، ولكنها ترفض أن تظهر مشاعر الحزن أمام أبنائها، وعوضا عن ذلك تحاول استحضار أفكار أكثر إيجابية في خصوص الموت، وكيف أنه ليس النهاية الحتمية ويمكن دائما التطلع لما يتبعه. المؤثر هنا -بالإضافة إلى التصوير المبهر- هو معرفتنا كمشاهدين مسبقا بما يعنيه هذا الصقر لآغنيس، فأول مشهد في الفيلم جمعها به، وبسبب ما رأيناه من حبها لهذا الصقر، ندرك تماما مقدار ما تكابده وهي تحاول إخفاء حزنها أمام أطفالها الثلاثة. إنها مشاعر الأمومة الناضجة في أوج عطائها، حيث تقدم الأم مصلحة الأبناء وتستغل كل فرصة لتسخير الحياة لصالحهم حتى في أحلك الظروف.

REUTERS/Maja Smiejkowska
كلوي جاو وماغي أوفاريل مع طاقم "هامنت" في العرض الأول ضمن مهرجان لندن السينمائي، 11 أكتوبر 2025

شكسبير مجهولا

إذا شاهدت الفيلم دون أن تقرأ شيئا عنه أو تشاهد أي عرض تشويقي، فإن هوية ويليام شكسبير سوف تكون مجهولة. كل ما تعرفه أن أحد أبطال الفيلم اسمه ويل، فنان مخلص لفنه ومستعد لإعادة ترتيب أولويات حياته بالكامل ووضع عائلته جانبا، في سبيل صنع فنه، وسوف يلتهمه تأنيب الضمير وهو يقوم بذلك. لا أعلم إذا كان إخفاء الهوية بهذا الشكل مقصودا أم لا، لكن الكشف عن هوية شكسبير أتى في مشهد مفرط في مسرحيته وميلودراميته، حيث يقف شكسبير وحيدا على حافة البحر وهو يردد أشهر عباراته "أكون أو لا أكون"، ويقدم بول ماسكال كل ما في استطاعته حتى يضفي روحا جديدة في مشهد امتص كل ما كان يمتلكه الفيلم من عمق  وغموض يحيط بشخصياته.

أقول ذلك لأن الفيلم ذكر اسم شكسبير علنا بعد مشاهد عدة أثناء بحث آغنيس وأخيها (جو آلوين) عن زوجها المختفي، وعندما يلقي أخوها السؤال على أحد الأطفال القاطنين في تلك المنطقة عن مكان سكن ويليام شكسبير، كان ذلك من شأنه جعل المشهد يمتلك عنصر مفاجأة لطيفا ويشد انتباه المشاهدين غير المدركين لهوية ويل الحقيقية.

يترابط الفيلم في نهايته مع تقديم شكسبير مسرحية "هاملت" لأول مرة: مشهد دخول الجمهور إلى المسرح مع الموسيقى الرائعة للملحن ماكس ريختر، كان على قدر من الملحمية والحتمية يجبر المشاهد على التفكير في أهمية الحدث، وأنه يتخطى كونه مسرحية تعرض لأول مرة. إننا أمام جرح ويليام شكسبير العميق، الذي لا يراه أحد سوى آغنيس.

Focus Features
مشهد من الفيلم

مما يضفي مزيدا من الأهمية على هذا المشهد، أنه حتى إدراك آغنيس المتأخر لحقيقة مشاعر الفقد التي يتكبدها ويل، كانت تلومه على غيابه المتكرر عن العائلة، وتلومه لعدم استسلامه للهم والغم اللذين التهماها بعد وفاة هامنت. ها هي الآن وهي تشاهد نتيجة عمله المضني الدؤوب تدرك أنه سلم نفسه بالكامل لمشاعر الفقد، وتمرغ فيها حتى أصبحت جزءا من كينونته. قد لا يعاني شكسبير من الجرح نفسه الذي يؤرق مضجع آغنيس، لكنه قطعا جرح عميق ومؤذ لا يني يستهلكه كما يستهلك آغنيس جرحها الخاص.

Gareth Cattermole / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
كلوي جاو خلال جلسة بورتريه في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، 6 سبتمبر 2025

لكن، لأن الفيلم يأبى إلا أن يختار الاتجاه الأكثر ابتذالا في كل فرصة تسنح له، تقرر المخرجة كلوي تشاو في المشهد الذي تنفجر فيه كل المشاعر ويعتبر ذروة المسرحية، أن تجعل الموسيقى المصاحبة للمشهد هي أشهر معزوفات ماكس ريختر وأكثرها استهلاكا في الأوساط السينمائية والتلفزيونية، معزوفة On The Nature of Daylight، هذا الخيار محبط، ليس لأن هذه المقطوعة مستهلكة جدا فحسب، بل لأننا نعرف أن ماكس ريختر هو واضع موسيقى العمل، فلماذا لم يستفد منه ليقدم لحنا خاصا هنا، لا سيما أنه حتى ذلك المشهد قدم ألحانا أصلية رائعة في مقدمها مشهد دخول المسرح.

قد لا يعاني شكسبير من الجرح نفسه الذي يؤرق مضجع آغنيس، لكنه قطعا جرح عميق ومؤذ لا يني يستهلكه

بعد أن ينتهي فيلم "هامنت"، نقف حائرين أمام عمل كان يمكنه تقديم قصة شكسبيرية بنظرة مغايرة، ففي حين يضع المسرح كل مشاعر شخصياته تحت بقعة الضوء، كان يمكن هذا الفيلم أن يخفيها في تفاصيل صغيرة، وأن تتسرب بسبب عمقها، برغم كل الصلابة المصطنعة للشخصيات. بدأ الفيلم بمحاولة سردية جريئة تعتمد على الأحاسيس وتتجنب الحوارات، لكنه قرر التخلي عن ذلك بالكامل وأرغم شخصياته على التصريح بكل ما في مكنونها وتلقينها للمشاهدين تلقينا.

font change