بعد خمسة وأربعين عاما يتذكر الشاعر العراقي هاشم شفيق أيامه في باريس التي يصفها بالبوهيمية، حيث عاش آنذاك أكثر من عام يبحث عن حياة مختلفة عن تلك التي عاشها في بغداد التي كانت ترزح تحت سطوة سلطة حددت للناس ماذا يقولون وماذا يفعلون.
الكتاب الذي يحمل عنوان "باريس... الحنين إلى الأوقات البوهيمية"، وصدر عن "دار المدى" في بغداد، يعيدنا إلى ذلك الزمن الذي كان فيه الخروج من العراق بمثابة نجاة، فرأينا عشرات الشعراء والكتاب والفنانين يغادرون إلى مختلف بقاع الأرض، وإن كانت بعض العواصم مثل باريس ولندن وبيروت ودمشق مثلت الوجهات الرئيسة لأكثرهم.
وبالرغم من العدد الكبير وقتها (1978) للمغادرين، إلا أن تلك لم تكن سوى الموجة الأولى من هجرات سوف تتواصل مع التحولات العاصفة التي شهدها العراق.
فبالرغم من الحركة الثقافية اللافتة في العاصمة العراقية، إلا أن الأجواء سادها القلق والخوف من الاعتقال، بعد مصادرة حرية الرأي، فبرزت "الرقابة في كل مفاصل الحياة اليومية العراقية، وظهر المخبرون السريون ورجال المخابرات، إذ راحوا يتغلغلون في كل مكان وزاوية وطريق، مراقبين هذا وذاك، محصين أنفاسه وحركاته، ثم متبعين حياته عبر مكان سكنه، ومكان عمله، أو مكان دراسته ومن ثم إقامته في هذا الحي وذاك الزقاق. مخبرون وباعة ضمير وفاشيست، وأنت بين هؤلاء تتحرك يوميا، وعلى مقربة من مقر دائرة الأمن العامة، والمركز الرئيس لجهاز المخابرات".
جوع وتشرد
منذ الصفحات الأولى ندرك أننا أمام شاعر مفتون بباريس، بشعرائها وكتابها وفنانيها، وبشوارعها وأزقتها، لكن هذا الانطباع لن يبقيه فيها، فسوف يذهب إلى بيروت ودمشق ونيقوسيا قبل أن يصل إلى لندن ويستقر هناك، حيث يجدها أكثر ألفة ورحمة بسكانها من باريس. مع هذا، كان الضمان بالنسبة إليه في باريس "هم الأصدقاء الكثر، ففيها كان الشعراء والرسامون والكتاب والفنانون العراقيون والعرب الكثيرون، فهي مدينة نور وعمل وسياحة وصحافة مهاجرة، فضلا عن كونها مدينة موضة، وطرز، وهي كذلك عاصمة للثقافة والفن والأزياء والعطور".



