برحيل الكاتب السعودي سعيد السريحي (مولود في جدة عام 1953، وغيبه الموت يوم الأربعاء 11 فبراير/شباط الحالي، يطوى فصل طويل من تاريخ الجدال الثقافي في السعودية. يمتد هذا الفصل عبر عقود من الكتابة والاشتباك والمساءلة، من قاعة الدرس إلى صفحات الصحافة، ومن النقد الأكاديمي إلى السجال العام. يغيب الجسد، وتبقى الأسئلة التي أثارها حية في قلب النقاش الثقافي: سؤال الخطاب، سؤال المعنى، سؤال العلاقة بين الفكر والمؤسسة، وسؤال الرواية حين تتقدم لتغدو مرآة للمجتمع وهو يتحول.
تأتي هذه القراءة في لحظة الفقد، محاولة الاقتراب من مشروع فكري تشكل على تماس دائم مع اللغة والسلطة والتحول، ورصد مسار عقلٍ اختار أن يقرأ الثقافة من داخل توترها، وأن يرافق تحولاتها وهو يكتبها ويحللها في آن واحد.
حين يستعاد اسم سعيد السريحي، تراه يستدعى غالبا في سياق معاركه الثقافية، أو في سياق الجدل الذي أحاط بأطروحته الجامعية، أو في سياق كتابه عن خطاب الصحوة. غير أن هذه الاستعادات، على أهميتها، تحجب ما هو أعمق في مشروعه: انشغاله المبكر بفكرة "الخطاب" قبل أن تتبلور هذه الكلمة في التداول النقدي المحلي باعتبارها مفتاحا لقراءة الثقافة.
في سيرة سعيد السريحي تتجاور الحقول: الصحافة إلى جانب النقد، الشعر إلى جانب السيرة، الرواية إلى جانب التفكيك الفكري. وهذا التنوع يعكس مسارا متكاملا لوعيٍ يرى أن الفكرة تحتاج إلى أكثر من صيغة كي تختبر وتعلن وتراجع.
من سؤال البلاغة إلى وعي الخطاب
شكل كتابه "شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد"، خطوة أولى في تثبيت حضوره النقدي. غير أن أهميته تكمن في انتقاله من تحليل الصور والأساليب إلى تحليل بنية الحكم النقدي ذاته. في كتابه ذاك، توجه إلى الشاعر باعتباره نقطة توتر في تاريخ القول العربي. كان يقرأ أبا تمام من خلال الصراع الذي أثاره: صراع الرؤية، صراع الذائقة، صراع التأويل. وكان السريحي يقترب من سؤال سيلازمه لاحقا: كيف يصنع المعنى؟ ومن يملك حق تسميته؟


