لحظة مفصلية في الضفة الغربية... إسرائيل تحوّل المستوطنين إلى مشترين

مسار إجباري

رويترز
رويترز
امرأة فلسطينية تنتظر عند موقف حافلات بجانب أعلام إسرائيلية، قرب بلدة اللبن الشرقية بين نابلس ورام الله

لحظة مفصلية في الضفة الغربية... إسرائيل تحوّل المستوطنين إلى مشترين

أرسلت حكومة بنيامين نتنياهو إشارة واضحة إلى تحول بنيوي عميق في إدارة احتلال الضفة الغربية، عندما سمحت لمواطنيها، أي للمستوطنين عمليا، بشراء الأراضي بشكل مباشر، ولا سيما من الفلسطينيين، على نحو يحاكي آلية شراء العقارات داخل إسرائيل ذاتها.

ومن خلال إلغاء قواعد تاريخية شكّلت على مر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أداة رقابة قانونية وعاملا رادعا قبل إبرام صفقات نقل الملكية، تمضي إسرائيل في تنفيذ مشروع استراتيجي أوسع يهدف إلى إعادة رسم المشهدين الجغرافي والسياسي بطريقة تقوّض عمليا أي أفق لمفاوضات يمكن أن تفضي إلى قيام دولة فلسطينية.

وبدأت إسرائيل العمل علنا بعد "السابع من أكتوبر" على توسيع نطاق أنظمتها الإدارية والقانونية والتنفيذية داخل الضفة الغربية بأسلوب يذيب الحدود الفاصلة بين مناطق النفوذ التي أرستها اتفاقيات أوسلو: المنطقة "أ" الخاضعة لسيطرة كاملة للسلطة الفلسطينية، والمنطقة "ب" التي تجمع بين الإدارة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، والمنطقة "ج" الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وبموجب إجراءات جديدة أقرها المجلس الوزاري الأمني، أضحت إسرائيل تتمتع بصلاحيات واسعة أيضا في المنطقتين "أ" و"ب"، ما يقوض عمليا الإطار القانوني الذي تأسس عام 1993.

وتتسارع كذلك عملية نقل صلاحيات التخطيط والبناء في محيط المواقع الدينية اليهودية والمسيحية في الخليل وبيت لحم من البلديات التابعة للسلطة الفلسطينية إلى ما يُسمى "الإدارة المدنية الإسرائيلية".

لكن السؤال الجوهري هنا هو كيف سيتمكن الفلسطينيون، بعد عقود من الاحتلال الذي أعاد تشكيل القوانين والأنظمة الإدارية على نحو يترك أثره في أجيال متعاقبة، من إثبات ملكيتهم لأراضيهم؟ 

وفي أثناء كتابة هذه السطور، صادقت الحكومة الإسرائيلية أيضا على خطة تقضي باعتبار مساحات واسعة من الضفة الغربية المحتلة "أراضي دولة" إذا عجز الفلسطينيون عن إثبات ملكيتهم لها. ووصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش هذه الخطوة بأنها امتداد "لثورة الاستيطان من أجل السيطرة على جميع أراضينا".

ولكن السؤال الجوهري هنا هو كيف سيتمكن الفلسطينيون، بعد عقود من الاحتلال الذي أعاد تشكيل القوانين والأنظمة الإدارية على نحو يترك أثره في أجيال متعاقبة، من إثبات ملكيتهم لأراضيهم؟ ولا سيما أن كثرة منهم قد اضطروا، تحت ضغط النمو السكاني المتسارع، إلى إضافة طوابق جديدة إلى منازلهم أو توسيعها في نطاق أراضيهم من دون الحصول على تصاريح. وخلال زياراتي الميدانية المتكررة خلال العامين الماضيين للضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، التقيت بعضهم، فاشتكى هؤلاء من أن السلطات الإسرائيلية لم تضع لهم يوما نظام تخطيط بديل يتيح تطوير أحيائهم أو تنظيمها بما يلبي احتياجات أسرهم. ونتيجة لذلك، يواجه عشرات الآلاف منهم اليوم خطر هدم منازلهم.

ويعني ذلك أن هؤلاء الفلسطينيين عالقون في حلقة بيروقراطية محكمة، نسج النظام الإسرائيلي خيوطها بنفسه، إذ يقيّد سبل الوصول إلى الحقوق أو يغلقها، ثم يطالبهم بإثباتها، وهو يدرك تماما صعوبة تحقيق ذلك.

وهكذا يجد الفلسطينيون أنفسهم في دوائر متتابعة من نزع الملكية، تفضي كل واحدة منها إلى الأخرى، بينما يستند النظام إلى قوانينه الخاصة باعتبارها دليلا على أن تلك الحقوق لم تكن قائمة في أي وقت.

المصالح أولا وقبل كل شيء

على الصعيد الإقليمي، تظهر أدبيات العلاقات الدولية ميلَ القوى الكبرى، حين تتزاحم الأولويات، إلى التساهل مع سياسات يعتمدها حلفاؤها في محيطهم الإقليمي، أو إلى تجاهلها عمدا، مقابل تأمين تعاونهم في ملفات استراتيجية أكثر إلحاحا.

وفي هذا السياق، يبرز ترابط محتمل بين المفاوضات الأميركية-الإيرانية الساعية إلى تجنب انفجار مواجهة أوسع في المنطقة، وبين الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة واسعة النطاق في الضفة الغربية المحتلة.

وتتمحور فرضيتي، التي قد يثبت عدم دقتها أو ترفضها الأطراف المعنية، حول صورة من صور المقايضة السياسية. فإذا سمحت إسرائيل، على سبيل الافتراض، لواشنطن بالمضي في المحادثات النووية وتجنبت حربا مع إيران، فقد تخفف الولايات المتحدة من مستوى تدقيقها، أو على الأقل تخفض من حدة ردها إزاء السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

قد يتصدر احتواء خطر التصعيد النووي أو بالصواريخ الباليستية ومنع اندلاع حرب إقليمية سلّم الأولويات، متقدما على أي مواجهة مع إسرائيل بشأن سياساتها في الضفة الغربية

ومن منظور الولايات المتحدة، قد يتصدر احتواء خطر التصعيد النووي أو بالصواريخ الباليستية ومنع اندلاع حرب إقليمية سلّم الأولويات، متقدما على أي مواجهة مع إسرائيل بشأن سياساتها في الضفة الغربية، لا سيما إذا كان ذلك ينذر بخلاف علني مع حليف رئيس. وأعلنت واشنطن في أكثر من مرة معارضتها لضم إسرائيل الضفة الغربية.

غير أن السياسة، في جوهرها، إدارة لتعارض المصالح، والدول تتحرك بدافع صون مكاسبها الاستراتيجية أكثر مما تتحرك بدافع العاطفة.

أزمة اقتصادية مقصودة

لا يقل المشهد الاقتصادي في الضفة الغربية المحتلة قتامة، إذ تجاوزت السياسات الإسرائيلية كونها مؤشرا ماليا على مستقبل ضاغط للاقتصاد الفلسطيني، واكتسبت دلالة سياسية صريحة. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحتجز إسرائيل عائدات مالية تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، بما يشمل الرسوم الجمركية والضرائب المقتطعة من أجور العمال الفلسطينيين. وتشكل هذه الأموال ركيزة أساسية في موازنة السلطة.

واستخدمت إسرائيل هذا الإجراء سابقا على فترات متقطعة، لكنه تحول إلى نهج مستمر، ولا سيما في ظل القيادة الحالية لوزارة المالية الإسرائيلية برئاسة بتسلئيل سموتريتش، ما أفضى في النهاية إلى شبه شلل في قدرة السلطة الفلسطينية على أداء وظائفها، فلم تدفع سوى نحو 60 في المئة من رواتب القطاع العام، وشهدت بعض الأشهر تأخيرا في الصرف أو انقطاعا كاملا.

رويترز
مستوطنة إسرائيلية بالقرب من بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة

ولا تقتصر التداعيات على العجز المالي المباشر، إذ ينطوي الضغط المالي الممتد على خطر تقويض شرعية السلطة الفلسطينية في نظر جمهورها. وخلال الحوارات التي أجريتها في رام الله وبيت لحم والقدس الشرقية المحتلة، برز تصاعد واضح في مشاعر الإحباط الشعبي من أداء السلطة.

واتسعت هذه المشاعر، التي كانت في السابق محصورة في تذمر مكتوم، لتتحول إلى حالة أعم وأكثر جلاء، يغذيها الضنك الاقتصادي، ويعمقها الإحساس بالجمود السياسي وضعف الحوكمة.

لذا، فاجتماع هذه الضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية، مقترنا بالمقايضات الجيوسياسية المفترضة في سياق هذا التحليل الآخذة في التشكل، يرسم ملامح انعطاف محوري في مسار القضية الفلسطينية، انعطاف يتجاوز شخص نتنياهو نفسه، حتى ولو اعتقد الكثيرون أنه حول إسرائيل إلى "دولة منبوذة" في أقل من ثلاثة أعوام.

font change