ما لا يُرى في صور غزة... فلسطينيون بلا هوية ولا أوراق ملكية

العودة بلا دليل

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مبان مدمرة في حي الزهراء، جنوب غرب النصيرات وسط قطاع غزة، في 6 فبراير2026

ما لا يُرى في صور غزة... فلسطينيون بلا هوية ولا أوراق ملكية

غزة - في حرب الإبادة على قطاع غزة، لم تحترق المنازل أو تتعرض أخرى للتدمير والتجريف فقط، بل اختفى بعضها دون حتى أن يبقى له أثر أو دليل على وجوده السابق، ووصل الأمر إلى تمزق واحتراق وربما اختفاء حقائب جلدية صغيرة أو ملفات بلاستيكية تحمل داخلها ما هو أثمن من الذهب بالنسبة للكثير من الفلسطينيين.. "سندات الملكية للمنزل أو الشقة أو قطعة أرض، ورقة حصر الإرث، ورخصة البناء، البطاقة الشخصية، شهادة الميلاد، عقد الزواج، وحتى الشهادات الجامعية". كانت تُجمّع في حقائب صغيرة توضع في مكان معلوم لدى غالبية أفراد الأسرة لحملها سريعا في أي طارئ، إلا أن البعض لم يتذكرها أو اعتقد أنه عائد قريبا.

ربما انتهت الحرب، لكن القصف والتدمير لم ينته أو يتوقف حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي مضت عليه أربعة أشهر. عاد كثير من الغزيين لمناطق سكنهم لكن النسبة الأكبر لم تعد، وأصبح السؤال الأكثر شيوعا بعد العودة ليس "أين بيتي؟" بل "كيف أثبت أنه كان لي بيت هنا؟".

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت جهات رسمية في غزة أن النسبة الأكبر من الوحدات السكنية تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي منذ أكتوبر 2023. ووفق تقديرات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة وتقارير أممية لاحقة، فإن أكثر من 60–70 في المئة من المباني السكنية تضررت أو دُمّرت بدرجات متفاوتة، مع تسوية أحياء كاملة بالأرض، خصوصا في شمال وشرق القطاع.

من جهتها، حذرت وزارة الحكم المحلي وسلطة الأراضي الفلسطينية من أن تدمير المباني طال أيضا الأرشيفات المنزلية والوثائق العقارية الخاصة بالمواطنين، في وقت تعرّضت فيه مقار بلدية وسجلات محلية ومبانٍ وأرشيف غالبية الوزارات في غزة لأضرار أو تعطّل بفعل القصف وانقطاع الخدمات، أو حتى التدمير الكلي.

من جهتها، وبعد تصاعد التصريحات الإسرائيلية التحريضية على تهجير الفلسطينيين خلال الحرب إلى خارج القطاع، والدعوة إلى عودة الاستيطان، ومع فقدان جزء من الأرشيف الرسمي والفردي نتيجة القصف والتدمير، شددت الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، خلال بيان سابق، على رفضها "أي مساس بسجلات الأراضي أو استغلال حالة الحرب لإحداث تغييرات في الملكيات"، مؤكدة أن الحقوق "لا تسقط بفقدان الوثيقة، لكنها تحتاج إلى آليات حماية وتوثيق عاجلة".

أما الأمم المتحدة فقد أكدت في تقاريرها الإنسانية خلال الحرب، أن الدمار الواسع للبنية المدنية، بما فيها المساكن والمقار الحكومية، يهدد قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية وإثبات حقوقهم المدنية والعقارية، ودعت في حينها إلى حماية السجلات الرسمية وتسهيل إعادة إصدار الوثائق.

التوغل البري في مناطق الشمال، خصوصًا أحياء الكرامة والسودانية، اللذين تعرضا لقصف إسرائيلي تدميري غير مسبوق، دُمّر على أثره عشرات الأبراج والمباني السكنية

حسين عدوان (48 عاما)، موظف حكومي وأب لأربع بنات، كان يملك شقة ويقطنها في برج سكني بحي الكرامة شمال غربي مدينة غزة، إضافة إلى أراضٍ في مدينة رفح جنوب القطاع. يقول إنه ولد وترعرع في رفح بعدما لجأت عائلته اللاجئة من قرية بربرة إلى القطاع عام 1948، واضطر إلى الانتقال والعيش في غزة بعيدا عن أسرته بسبب عمله قبل أكثر من 20 عاما.

خرج مع أسرته في الأيام الأولى للحرب وذهب بعيدا إلى رفح، حيث عائلته الممتدة "أخذت أشياء خفيفة لمدة يومين وروحت"، يقول لـ"المجلة". لكن القصف اشتدّ، وبدأ التوغل البري في مناطق الشمال، خصوصًا أحياء الكرامة والسودانية، اللذين تعرضا إلى قصف إسرائيلي تدميري غير مسبوق، دُمّر على أثره عشرات الأبراج والمباني السكنية، من بينهم البرج الذي كان يسكنه.

أ.ف.ب
أنقاض المباني المدمرة في حي الزهراء، جنوب غرب مدينة النصيرات وسط قطاع غزة، في 6 فبراير 2026

يشير عدوان إلى أنه خرج من منزله وهو يحمل بطاقاتهم الشخصية فقط، فيما ترك حقيبة جلدية صغيرة، كانت تحتوي على كل أوراقهم الهامة، فقدها في قصف شقته "شهادات ميلاد البنات، شهادتي الجامعية أنا وزوجتي، سند ملكية الشقة، أوراق أراضٍ في رفح، والأهم منهم فقدت وثائق قديمة تعود إلى ما قبل 1948 تثبت ملكية جدي لأراضٍ في بلدة بربرة المحتلة"، حسب وصفه.

بعد أكثر من عام على الحرب، تمكن من العودة إلى مكان شقته لكنه لم يعثر على شيء، وجد البرج كومة من ركام أسمنتي

بعد أكثر من عام على الحرب، تمكن من العودة إلى مكان شقته لكنه لم يعثر على شيء، وجد البرج كومة من ركام أسمنتي.. "الشنطة صارت تحت الركام… يمكن اتحرقت، يمكن تمزقت. ما بعرف". وبات اليوم، لا يملك ما يثبت ملكيته للشقة، ولا تفاصيل رقم القطعة أو رقم البناية، حسب ما يقول، ويخشى أنه إذا ما فُتح باب التعويض أو إعادة الإعمار، سيُطلب منه ما لا يملكه "ورقة إثبات ملكية".

تحدث عدوان بحرقة عن ضياع سندات الملكية، حتى عن ملكيات الأراضي في رفح التي وصف مصيرها "بالغامض"، كون الجيش الإسرائيلي لا زال يسيطر على كامل المدينة. وبحسب المعلومات المتوفرة عبر وسائل إعلامه أن رفح وبعدما دمرّ معظم مبانيها ومساكنها، عمل على تجريفها ومسح معالم أجزاء واسعة من أحياء المدينة بشكل كامل وحولها إلى قطعة أرض جرداء بلا معالم تساعد ملاكها الأصليين على معرفة أملاكهم وفرزها بسهولة.

ويشير إلى أنه، يركز تفكيره حاليا في كيفية إثبات ملكيته للشقة التي تعرضت للتدمير، حتى لا يفقد حقه في التعويض أو الإعمار، معبرا عن حيرته الأكبر في كيفية الحصول على وثاق ملكيات جده منذ ما قبل إعلان دولة إسرائيل، حيث كان يمتلك أوراقا ثبوتية رسمية منذ الانتداب البريطاني على فلسطين.

أ.ف.ب
مبان مدمرة في حي الزهراء، جنوب غرب النصيرات وسط قطاع غزة، في 6 فبراير2026

أما قصة أسماء المجدلاوي (32 عاما)، أقل مأساوية من عدوان. توضح أسماء أنها نزحت وزوجها وأطفالهم من مخيم جباليا شمال القطاع إلى الجنوب في الأيام الأولى للحرب، وأرسلت شقيقتها إلى منزلهم المستأجر، لجمع أوراقهم الثبوتية، حيث احتفظت شقيقتها بالأوراق في منزل العائلة الذي تعرض للاحتراق بسبب قصف إسرائيلي خلال عام 2024. حينها فقدت "الشهادات الجامعية، وشهادات الميلاد، وعقد الزواج، ووثائق إضافية".

تقول لـ"المجلة": "كنت محظوظة، كان عندي نسخة إلكترونية من أوراقي وشهاداتي". لكن شقيقتها (رضا 29 عاما) فقدت هويتها نتيجة احتراق المنزل، ما أدخلها في أزمة لاحقا. بعد أكثر من عام على الحرب، عادت وزارة الداخلية التابعة إلى حركة "حماس" لاستصدار أوراق إثبات شخصية (بدل فاقد) لكن البنوك الفلسطينية وبقرار من سلطة النقد الفلسطينية، رفضت الاعتراف بأي هويات صادرة بعد تاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولم يتمكن أصحاب الهويات البديلة من فتح حسابات بنكية أو إجراء أي معاملات مالية حتى يومنا هذا، في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون في غزة من عدم توفر سيولة نقدية وحاجتهم الماسة للدفع الإلكتروني لشراء احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب وملبس.

تضطر رضا وعشرات المواطنين من استقبال رواتبهم الشهرية أو أي حوالة مالية مخصصة لهم من أقاربهم في الخارج، عبر حساب أحد الأقارب كحل مؤقت مثل "الأم، الأب، الأخ، الأخت، الزوج"، وهذا ما يدخلهم في إشكاليات من نوع آخر، على سبيل المثال، إذا ما استقبل شاب أو فتاة راتبه على حساب الأم أو الأب، ونتيجة ظروف طبيعية، تعرض للوفاة، سيصبح ما في حساباتهم البنكية إرث جماعي إلا إذا كان هناك إثبات قانوني أو اتفاق عرفي بين العائلة.

ربما يكون البعض قد وجد حلولا مؤقتة لما فقده من أوراق ثبوتية وملكيات، لكن هناك آخرين تجربتهم والحالة التي فُرضت عليهم أكثر تعقيدا

ربما يكون البعض قد وجد حلولا مؤقتة لما فقده من أوراق ثبوتية وملكيات، لكن هناك آخرين تجربتهم والحالة التي فُرضت عليهم أكثر تعقيدا. أحمد الشيخ خليل (42 عاما)، خرج وعائلته من منزلهم في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، أول أيام الحرب، وقصف منزله في اليوم الثاني من الحرب، حيث فقد كل إثباتاته الشخصية وأوراق الملكية وحصر الإرث وشهادات الميلاد وغيرها من الأوراق.

يقول لـ"المجلة": "طلعت من البيت دون أي إثبات شخصية، ولا عقد زواج، ولا حصر إرث". ويشير إلى أنه استخرج بديل البطاقة الشخصية، التي تمكنه من استخدامها داخليا، لكن ما يعتبره كارثة، فقده لأوراق القسمة الرضائية بينه وبين أعمامه وعماته في المنزل الذي ورثه عن والده المتوفي منذ 30 عاما "هادي الورقة كانت أهم ورقة في حياتي" يقول.

OMAR AL-QATTAA / AF
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة على شاطئ مدينة غزة، 13 يناير 2026، مع اشتداد الرياح الشتوية، في ظل دمار واسع خلّفته الحرب

وفي ظل الحديث عن مرحلة إعادة الإعمار، وإذا ما فُتح باب الإعمار سيطلب من الشيخ خليل، أوراق "إثبات ملكية الأرض، رخصة البناء، حصر الإرث، موافقات الورثة"، وهي الأوراق التي فقدها ولا يمكنه إعادتها بسهولة كونها لم توثق في جهات رسمية، وكانت مكتوبة بخط اليد ومختومة من محامٍ مُزاول- هكذا كان يتم الأمر قبل سنوات في غزة كما يشير.

ويضيف: "أغلب أعمامي وعماتي توفوا خلال السنوات الماضية، وعشان أعمل قسمة رضائية وحصر إرث جديد، أنا مضطر أعمل ورق مع أبناء أعمامي وبناتهم واللي أغلبهم متواجد بالخارج، يعني محتاج وقت طويل وتكاليف رسوم مالية من توكيلات وتواقيع وبريد وانتظار"، هذا كله في وقت تعاني منه المؤسسات الرسمية الخدماتية المحلية من مشاكل بروتوكولية في عملها نتيجة الحرب، إلى جانب عدم إقرارها أي إعفاءات للضرائب أو رسوم الجباية حتى بعد الحرب والإبادة التي لا زالت آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تتغلغل في حياة الغزيين.

تحدثت "المجلة" مع عدد من خبراء القانون والأراضي في غزة، حيث أكد جميعهم أنّ فقدان وثائق الملكية لا يعني سقوط الحق، لكن إثباته من الجهة القانونية يصبح أمرا معقدا، ومرهقا، خاصة في ظل تغيّر معالم الأراضي وتضرر أو تعطّل بعض الدوائر الحكومية والخدماتية، إلى جانب غياب الأرشفة الرقمية الشاملة قبل الحرب وتشابك الملكيات العائلية القديمة- مشاكل الميراث المتراكمة- ليبقى التحدي أمام الفلسطينيين في غزة، ليس في الصمود على أرضهم مع كل المخاطر والتهديدات، لكن في إثبات حقهم وملكيتهم لأملاكهم.

font change