كيف يعيش مثقفون عرب نهارات شهر رمضان وأماسيه

حين يتباطأ الزمن وتصفو الروح وتتبدل الأولويات

 Lina Jaradat
Lina Jaradat

كيف يعيش مثقفون عرب نهارات شهر رمضان وأماسيه

طوال أيامه الثلاثين، يعيد شهر رمضان صوغ الأمزجة، فالحساسية تزداد، والمشاعر تصبح أكثر شفافية، كأن الروح تصفى لتلتقط ما كان مخفيا في زحمة الأيام. أفكار المبدعين في رمضان تميل إلى العمق لا الكثرة، ليظهر أثر الصوم في تهذيب اللغة، ونزوع النصوص نحو الصدق والإيجاز والسكينة.

كثير من الكتاب يلاحظون أن الكتابة في هذا الشهر تتخفف من القسوة، وتقترب من الحكمة، وأن الإبداع يتحول من فعل اندفاعي إلى فعل وعي ومساءلة.

هذا التحول الروحي الداخلي يصنع نصوصا مختلفة، تحمل أثر الجوع كاختبار إنساني، وأثر الليل كمساحة خصبة للبوح. لذلك، لطالما كان رمضان موسما خاصا لإعادة تشكيل مزاج الكاتب، وإعادة توجيه فكره، وفتح نوافذ جديدة للإبداع أكثر قربا من الإنسان والروح.

الصوم كنس للروح

ترى الشاعرة السودانية روضة الحاج أن رمضان حالة روحانية عالية، "وخصوصيته لدينا كمسلمين، تجعله ضيفا عزيزا ننتظره كل عام بشوق، لذلك من الطبيعي أن يختلف فيه إيقاع أيامنا ويتغير".

أفضل أن أجدد في رمضان خلايا الروح وبسط القلب وأن أزود النفس ما يتيسر من كرمه الروحي

روضة الحاج

وتؤكد أنه يساعدها في ممارسة خاصة أسمتها "كنس الروح"، الذي يتطلب خلوة ولو كانت جزئية: "في رمضان لا أشغل نفسي كثيرا بالكتابة الإبداعية رغم أن طبيعة الشهر تغري بذلك، لكنني أفضل أن أجدد فيه خلايا الروح وبسط القلب وأن أزود النفس ما يتيسر من كرمه الروحي، ما وسعني ذلك".

  FAYEZ NURELDINE / AFP
مسلمون من السعودية ومن جنسيات مختلفة يفطرون في جامع تركي بن عبد العزيز الكبير بالرياض خلال رمضان، 21 يونيو 2015

وتضيف: "لا أحب الدعوات الرمضانية وهي كثيرة جدا عندنا كسودانيين، وجزء أصيل من عاداتنا الرمضانية الموروثة التي انتقلت معنا إلى مهاجرنا ومنافينا. ولكنني أضطر لتلبية بعضها أحيانا. ولو كان الأمر ممكنا لظللت في داري طوال الشهر الكريم ألتزم عاداتي دون انقطاع".

ترتيب الحياة

من جانبها توضح الكاتبة والناقدة السينمائية السعودية إيمان الخطاف أن يومها في رمضان يميل إلى البطء والعمق معا، محيلة ذلك إلى طبيعة عملها، تقول: "يتجه اهتمامي في هذا الشهر إلى متابعة الأعمال الدرامية، ومنحها مساحة أوسع من المشاهدة، مقارنة بالأعمال السينمائية، كما ينعكس هذا التحول مباشرة على الكتابة، إذ تصبح التقارير الفنية والدرامية هي المساحة الأساس لكتاباتي خلال الشهر، سواء عبر قراءة الأعمال نفسها أو محاورة الفنانين وصناعها. كما ينتقل المشهد عندي من السينما إلى التلفزيون، ومن الشاشة الكبيرة إلى المسلسل اليومي، مع بقاء السؤال النقدي حاضرا حول السرد والشخصيات واللغة البصرية".

رمضان فرصة للتأمل، ولإقامة علاقة أصفى مع النص والصورة والوقت، والتأمل الأبعد في ما تصنعه الدراما والفن في حياتنا


إيمان الخطاف

وتعتبر الخطاف أن رمضان "يعيد ترتيب الأولويات في حياتي، حيث يمنح العائلة مساحة أوضح، ويجعل الوقت المشترك أكثر حضورا، ويثير الحماسة نحو المهام المنسية. وهذا أظنه جزءا من طاقة رمضان المحفزة على العطاء. وكذلك يظهر الاختلاف عن بقية الشهور في المزاج العام أكثر من التفاصيل اليومية، كما يمنحني هذا الشهر فرصة للتأمل، ولإقامة علاقة أصفى مع النص والصورة والوقت، ولمراجعة دوري ككاتبة وناقدة بين المتابعة اليومية والتأمل الأبعد في ما تصنعه الدراما والفن في حياتنا".

Omar AL-QATTAA / AFP
مصلٍّ يقرأ القرآن في مسجد العمري التاريخي بمدينة غزة في أول أيام رمضان، 1 مارس 2025

ومن الكويت، يقول الروائي عبدالله البصيص إنه لا يكتب خلال شهر رمضان، بل يعود إلى قراءة أمهات النصوص الدينية التراثية، "وعادة أقضي الأيام الأولى مع الأهل والأقارب، ثم زيارات الأصدقاء. أجده فرصة لإعادة التفكير في الحياة خارج روتينها الذي اعتدناه طوال السنة". مؤكدا أن عاداته الرمضانية "تختلف، وتنتقل من دائرة واسعة إلى مكان خارج الدائرة، يفقد فيها الصباح أهميته، ويزدهر معها الليل. رمضان يريك الأشياء أقرب مما تبدو عليه، لهذا تحس أن كل شيء قريب منك".


شفافية عالية

أما الشاعر والروائي السعودي إبراهيم الوافي فيتوقف عند أدق التفاصيل التي يحدثها شهر رمضان فيه، حيث يتبدل إيقاع يومه "كأن الزمن نفسه يصوم معي، فيخف صخبه، وتصبح الساعات أكثر شفافية، كأنها تنقى من شوائب العجلة".

ويقول الوافي إن طقوسه الرمضانية لا تختلف كثيرا، إذ أنه يستيقظ مبكرا ولكن بنية مختلفة، لا ليسبق النهار، بل ليرافقه بهدوء: "تختلف طقوسي قليلا في هذا الشهر لأنني أسمح للحياة بأن تكون أبطأ وأصدق، وأسمح لنفسي بأن أكون أبا قبل أن أكون كاتبا، في هذا التوازن البسيط بين المائدة والكتاب، بين ضحكة ابن وحنان ابنة، أكتشف أن الإبداع الحقيقي ليس ما نكتبه، بل ما نعيشه من لحظات خالصة تشبه الدعاء، وتبقى في القلب أطول من أي نص".

رمضان يريك الأشياء أقرب مما تبدو عليه، لهذا تحس أن كل شيء قريب منك


عبدالله البصيص

ويؤكد أنه يترك للقراءة التاريخية أو الدينية أن تفتح عليه نافذة الروح، وللقهوة أن تكون أقل إلحاحا، بينما الكتابة لا تمثل في هذا الشهر واجبا مهنيا، "بل هي ضيف خفيف يطرق الباب لتخرج الكلمات أكثر صفاء وأقل ضجيجا، كأنها تعتذر عما فيها من غواية طوال العام".

ويخلص إلى أن "إيقاع السهر أيضا يتغير، فلا يعود الليل مجرد مساحة للكتابة أو التأمل، بل يتحول إلى حديقة عائلية مضاءة بصوت الضحك ورائحة الشاي، ومناقشة المسلسلات الرمضانية، ومن لحظة الإفطار إلى صلاة العشاء، أشعر أنني أستعيد المعنى الأول للزمن، زمن الاجتماع لا الإنجاز، وزمن الوجوه لا الصفحات، حيث الجلسة مع الأبناء، وتبادل الأحاديث الصغيرة، ومتابعة مسلسل ما بعد الإفطار أو انتظار مباراة كرة قدم، كلها تصير طقوسا دافئة تعيد ترتيب القلب قبل أن تعيد ترتيب اليوم".

Khaled DESOUKI / AFP
شباب مصريون يزيّنون شارعهم استعدادا لشهر رمضان في حدائق المعادي بالقاهرة، 21 أبريل 2020

ويختم الوافي بالقول: "لا يبدو رمضان بالنسبة إلي انقطاعا عن الكتابة، بل تصحيح لمسارها، في بقية الشهور أكتب لألحق بالفكرة قبل أن تهرب، أما في رمضان فأترك الفكرة تلحق بي حين تشاء، أقرأ أكثر مما أكتب، وأصغي أكثر مما أقول، وكأن الشهر يعيدني إلى الدرس الأول: أن اللغة لا تثمر إلا حين تسقى من نبع الروح".


مصدر سكينة

ويسرد الكاتب والناقد المسرحي السعودي يحيى العلكمي تغيراته الرمضانية من زواياه الأعمق، واصفا أن شهر رمضان يحل عليه بوصفه محطة سنوية لمراجعة إيقاعاته اليومية، وإعادة تنظيم علاقته مع الوقت والكتابة والحياة. وأن رمضان يدفع بالإبداع "إلى اتخاذ شكلا أكثر هدوءا وتركيزا، حيث تتبدل فيه الأولويات ويخف الضجيج المحيط بالفعل الكتابي".

رمضان ليس انقطاعا عن الكتابة، بل تصحيح لمسارها، في بقية الشهور


إبراهيم الوافي

يقول العلكمي: "تبدأ الساعات الأولى بعد الفجر بهدوء، ذهني يساعد على القراءة المتأنية، قراءة تهدف إلى تعميق الرؤية وتوسيع الأفق المعرفي. في هذه الفترة، تكون النصوص أكثر قدرة على ملامسة الداخل، بعيدا من الاستعجال الذي تفرضه أيام العام الأخرى. أما الكتابة فتأتي غالبا في لحظات مركزة، لا في جلسات مطولة، خصوصا في أوقات السحر، حين يهدأ العالم، وتصفو الفكرة، وتستقيم الجملة".

REUTERS/Jayanta Dey
طفل مسلم يتعلّم قراءة القرآن في مدرسة دينية خلال شهر رمضان قرب أغارتالا في الهند، 29 مايو 2017


أما فكرة السهر في رمضان فهي تحمل طابعا مختلفا، إذ يرتبط باللقاءات العائلية والزيارات الاجتماعية التي تشكل جزءا أصيلا من روح الشهر، "هذه اللقاءات لا تقطع صلتي بالكتابة، وإنما تمدني بخبرة إنسانية حية، وتعيدني إلى جوهر الحكاية الأولى: الإصغاء إلى الناس ومشاركة تفاصيلهم اليومية. في هذا السياق، تتعزز العلاقة بين الكاتب بعامة وأسرته، ويمنح الوقت قيمة تتجاوز الحسابات اليومية المعتادة".

وحول عاداته الرمضانية يقول العلكمي: "أجد أن عادات رمضان تختلف عن بقية الشهور في مستوى الوعي والاقتصاد في الجهد، فيقل فائض الكلام، وتتراجع الكتابة المتعجلة، ويحل محلها ميل واضح إلى التخفف والتركيز. عادة ما أخصص وقتا ثابتا للقراءة الروحية، وفي مقدمتها القرآن الكريم، بوصفه مصدرا للتوازن والصفاء، وانعكاسا مباشرا على لغة الكتابة وحسها".

ويضيف: "رمضان، في نهاية الأمر، ليس شهرا استثنائيا عابرا، وإنما مساحة سنوية لإعادة تعريف العلاقة مع الذات، ومع العائلة، ومع الكلمة، حيث تتعلم الكتابة أن تولد من السكينة، ويستعيد الوقت معناه الأعمق".


تشكيل الوقت

ويرى الكاتب والإعلامي السعودي عبدالله الحسني أن رمضان يعيد ترتيب فوضاه، وتشكيل زمنه لتصبح فيه الساعات ليست مجرد عقارب وقت تتعاقب وتمضي بل تخلق طمأنينتها في كل حركة تدورها. وأن أيامه تلج حياته بطريقة عادية، واستثنائيته ليست عليه وحده بل على جميع من يجالسهم من الكتاب والفنانين والمبدعين.

في رمضان الزمن أقل استعجالا وأكثر تلبثا، فلا تعاش الأيام الثلاثون كما تعاش سواها، بل تصغي، وتختبر


عبدالله الحسني

ويتابع الحسني: "كأني بالشهر يزداد بهاؤه واعتماله وأثره، ليمنح الوقت روحا إضافية مفعمة، تخلخل رتابته، ليجعل داخلي لكل ساعة وزنا، ولكل لحظة معنى مضاعفا. أضف إلى ذلك الأثر الذي يتجاوز البعد الفيزيائي، لأعيش معه في رمضان معنى مختلفا، حتى يبدو اليوم وكأنه خلق من مادة أخرى، حيث تتزاحم المعاني في ساعاته، لا الأحداث، ويغدو الزمن أقل استعجالا وأكثر تلبثا، فلا تعاش الأيام الثلاثون كما تعاش سواها، بل تصغي، وتختبر".
ويوضح أن "سكينة رمضان تحفز ولا تكبل، ليصبح فعل الكتابة والقراءة في آن طقسا احتفائيا، ويصبح في ذات الوقت التنقل بينهما تفكيرا ابداعيا، وفريضة التفكير عبادة غير معلنة. أحاول فيه التقشف في الكتابة، وأسلك طريق البطء المتعمد، حتى تنضج الفكرة، وألبسها الزي اللفظي الذي يليق بقدسية توقيتها، أو ما أعتقد أنه خليق بها".

Asif HASSAN / AFP
متسوقون يشترون التمر في سوق بكراتشي قبيل حلول شهر رمضان، 16 فبراير 2026.


ويشير الحسني إلى أن طقوسه "لا تبدأ مع الأذان فقط، بل مع الفكرة حين تطل برأسها وتبصر من نافذة وعيي لعلني أتماهى معها، وأتهيأ بدوري لمعانها في رأسي مع خيوط الفجر الأولى، حين يكون العالم أقل ضجيجا، وأقرب إلى صدقه الأول. من هنا أجد لنفسي المسوغ والمبرر المقنع في أن أقترف الكتابة والقراءة ببطء متعمد، وكأن الكلمات تصوم معي، متخففة من لوثة الاستعجال، طامحة الى التطهر من وعثاء طريق العجلة، وما قد يجلبه من تخبط في دروب المعاني المجدبة. وفي أجواء كهذه أستعيد صفاء اللحظة وأباشر ما تيسر لي من قراءة أو كتابة على ضوء خافت إلا من ضوء فكرة أو لمعة عبارة، تاركا المجال الوقتي النابض أن يقودني، وأفسح للهوامش أن تفتح طرقا جانبية في التأمل والتنقيح والكتابة. ولا يهم أن تكون الكتابة صاخبة متدفقة بقدر ما يهمني أن أنضج على نار تأمل هادئة".

ويخلص الحسني إلى أن الكتابة إن كانت "تأتي على خجل في هذا الشهر الكريم فإنني -تبعا لذلك- أميل الى المراجعة، وتشذيب العبارات أكثر، إلى جمل تشبه الدعاء أكثر مما تشبه الكتابة في أي نوع آخر. هذه طقوسي إن كان يمكن اعتبارها طقوسا، أما الأسرة فهي كانت- ولا تزال- بئر تحفيز أمتح منها آناء الليل وأطراف الشغف. أسرة غير متطلبة، تدرك فداحة الشوق الذي يتلبسني في طقسي القراءة والكتابة، وكأنها شريك فاعل غير متوج يتوارى مراقبا انبثاق حلم وعمل، أو اجتراح آفاق ابداع مختلف".


شهر الألفة   

يذهب الكاتب المسرحي السعودي إبراهيم الحارثي إلى أن رمضان عادة يمر مثل موسم فرح يعاد مرة في كل عام، يجتمع خلاله مع أبناء الحي الواحد في منطقتهم للبدء بتجهيزات استقباله.

Khaled DESOUKI / AFP
مسلمون مصريون يجتمعون حول موائد إفطار جماعي في المطرية بالقاهرة خلال رمضان، 6 أبريل 2023


يلفت إلى أنه فرصة لرصد أجمل ما فيه من نقاط توسع الألفة والمحبة عبر برامج الإفطار الجماعي، وتوزيع السلال الرمضانية، و كذلك الإفطار الخيري وغيره من الأمور التي تجعلنا نقترب كثيرا من ذواتنا ومن الآخرين لنكون معهم أقرب مما سبق.

رمضان فرصة لرصد أجمل ما فيه من نقاط توسع الألفة والمحبة عبر برامج الإفطار الجماعي

إبراهيم الحارثي

ويؤكد أن رمضان فرصة كبرى "أبدأ فيه بإدارة وقتي بشكل مختلف لاستشعار روحانيته العظيمة وجلال أيامه الكريمة، فأتجه صوب تخصيص وقت للقراءة و آخر لكتاباتي المسرحية، ولا تتعارض بطبيعة الحال مع خطط الشهر الفضيل التي تزخر فيها العبادات والخيرات، ومن المهم أيضا أن يكون هذا الشهر جامعا للأحبة، ولعلي أتذكر أن اجتماعنا عند والدي كان الأحب إلى قلبي، لكننا الآن نجتمع لندعو بالرحمة لكل من رحل عنا، وترك لنا بصمة واضحة في حياتنا".

font change

مقالات ذات صلة