يصدر قريبا كتاب "أحداث وذكريات" للرئيس السوري الراحل شكري القوتلي، الذي قام بإعداده المؤرخ السوري سامي مروان مبيّض، بمبادرة من "مؤسسة الرئيس شكري القوتلي" التي تولت مهمة جمع أوراق الرئيس الراحل والحفاظ على إرثه الوطني، تكريماً لرجل طالما عرف بـ"أبو الجلاء" في سوريا، وبـ"المواطن العربي الأول" بعد قيام الوحدة السورية-المصرية عام 1958.
قبل وفاته عقب نكسة حرب يونيو/حزيران عام 1967، أودع القوتلي أوراقه الخاصة أمانة عند أسرته التي حافظت عليها طيلة سنوات طويلة، لكن الظروف التي مرت بها الأسرة– إضافة لظروف سوريا في ظل "البعث"- حالت دون نشرها إلا في عام 2026، المصادف للذكرى الثمانين لجلاء الاحتلال الفرنسي عن سوريا في شهر أبريل/نيسان المقبل.
والمعروف أن الرئيس شكري القوتلي كان أحد رموز الحركة الوطنية في سوريا، سواء ضد العثمانيين أو الفرنسيين، قبل انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1943. فقد جلت القوات الفرنسية عن سوريا في عهده عام 1946، وجدد له لولاية ثانية عام 1948 قبل الانقلاب عليه واعتقاله عام 1949. عاش سنوات المنفى بين سويسرا ومصر، ثم عاد إلى سوريا وانتخب رئيساً لولاية ثالثة عام 1955، قبل أن يتنازل عن منصبه لصالح الرئيس جمال عبد الناصر عام 1958.
ومن أبرز محطات مسيرته السياسية الوطنية كانت علاقته الوثيقة بالملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي تعرف إليه في مطلع العشرينات وبقي على تحالف متين معه حتى رحيل الأخير عام 1953. شهد ولادة الدولة السعودية الحديثة، وحافظ على علاقة متينة مع الملك سعود والملك فيصل، يوم كان الأخير وزيراً للخارجية ثم ولياً للعهد.
يخصص القوتلي في كتابه أربعة فصول كاملة عن علاقته بالسعودية والملك عبد العزيز، فيها تفاصيل متناهية الدقة، حصلت عليها "المجلة" لتضعها أمام القراء في ذكرى يوم التأسيس السعودي يوم 22 فبراير/شباط 2026.

يقول الرئيس القوتلي: "كان الملك عبد العزيز رحمه الله في مقدمة الناس ذكاءً ودهاءً ووعياً وإدراكاً، وكان فارساً من الفرسان قلّ أن تلد الأمهات مثله شجاعةً وبطولةً. وكان إلى جانب كل ذلك أبيّاً، حَمِيّاً، ذا وفاءٍ وأرْيَحِيّة، وقد أقام ملكه بحدّ السيف على التوحيد وما جاء في كتاب الله وسنَّة رسوله، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وبنى ملكه الواسع الشاسع في نجد والحجاز لبنةً لبنةً، حتى أصبح هذا الملك العظيم يضم أكثر من نصف شبه الجزيرة، يمشي المرء في ملكه من أوّله إلى آخره، فلا يتعرّض له أحد بأذى أو سوء، ولا باعتداء وسلب، ولا بضرب وقتل، كما كانت الحال في تلك المفاوز المخيفة خلال مئات السنين".
بدأت العلاقة بينهما عام 1923، يوم سمع القوتلي عن الملك عبد العزيز من الأديب اللبناني أمين الريحاني بعد أن قام الأخير بزيارته في الحجاز... يقول: "كنا نبحث عن زعيم عربي كبير تلتف حوله الأمة العربية، فيقودها إلى تحقيق آمالها الوطنية وأمانيها القومية. تساءلنا: أين هو هذا الزعيم، ومن يكون؟" أجابه الريحاني: "لا أحد بالمطلق سوى عبد العزيز آل سعود. أوتي الرجل صفات خارقة، وأعتقد أنه سيكون للعرب منه كل خير".
أفرد بعدها طريقة الوصول للملك قائلاً: "تركبون البحر من بيروت إلى السويس، ومنها تدخلون البحر الأحمر إلى عدن، ومن عَدَن تُبْحرون إلى بومباي في الهند، وهناك تجدون باخرة صغيرة تذهب كل خمسة عشر يوماً مرّة من بومباي إلى البصرة، ومن البصرة تمتطون الإبل إلى الرياض".



