كارين جينينغز لـ"المجلة": علينا ككتاب أن نطيع النص

ترى أن الكتابة عذاب دائم

كارين جينينغز

كارين جينينغز لـ"المجلة": علينا ككتاب أن نطيع النص

رسخت كارين جينينغز، الروائية الجنوب أفريقية المولودة عام 1982، حضورها كصوت أدبي عالمي عبر أعمالها التي تشتبك مع التاريخ والذاكرة والهوية. درست الأدب الإنكليزي والكتابة الإبداعية في جامعة كيب تاون، وحصلت على الدكتوراه في الكتابة الإبداعية. يمتد مشروعها السردي بين الرواية والسيرة الذاتية والقصة القصيرة والكتابة التجريبية، في سعي واضح لتجاوز الحدود الصارمة بين الأنواع الأدبية. وصلت روايتها "جزيرة" إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر العالمية عام 2021، كما رشحت روايتها الأحدث، "بذور ملتوية"، للقائمة الطويلة لجائزة المرأة للرواية 2025. هنا حوار معها.

أثناء كتابة روايتك الأولى، قبل أن تحظي بالتقدير أو الطمأنينة، ما الذي دعمك عاطفيا خلال هذه العملية؟

لا أعتقد أن التقدير كان له تأثير كبير على عملية الكتابة نفسها. الكتابة صعبة دائما، وهذا لا يتغير. لو كانت سهلة، لربما استسلمت منذ زمن. لم أكتب يوما وأنا أطمح للنجاح أو الشهرة. هذا لا يعني أنني لا أرغب في التقدير وأقدره، لكنه ليس الدافع الأساسي. أكتب لأن الكتابة حاجة يفرضها علي حدسي. هذا هو الدافع الداخلي الذي يدفعني، ومن الصعب تجاهله. مع ذلك، أقول إن الكتابة أصبحت في الواقع أصعب مع مرور الوقت. حدسي يطالبني بالمزيد، يريدني أن أتحسن، أن أفعل ما هو مستحيل، أن أضع الكلمات في سياقها. إنه عذاب دائم... قد يبدو هذا مبالغا فيه، لكنه حقيقتي.

الماضي السياسي

في رواية "بذور ملتوية"، لا يتلاشى الماضي السياسي في غياهب التاريخ، بل يعيد تشكيل الحاضر باستمرار. هل كنت تشير إلى أن العدالة الانتقالية قادرة على معالجة الأحداث والوقائع، بينما تبقي على الجروح النفسية والعاطفية العميقة دون ذكرها؟

نعم، الماضي حاضر دائما، سواء أكان ماضي الأفراد أم الجماعات. كلما تعمقت في قراءة تاريخ جنوب أفريقيا، ازداد إدراكي لمدى ندوب مئات السنين من العنف التي تثقل كاهلنا. لا يقتصر هذا العنف على عنف المستعمرين البيض ضد السكان الأصليين السود، بل يشمل أيضا قسوة البريطانيين المروعة تجاه الهولنديين/البوير. أعود دائما إلى فكرة أن العنف يولد العنف، أو كما كتب جيمس جويس في روايته "عوليس": "التاريخ كابوس أحاول الاستيقاظ منه".

منحت الرواية مساحات سردية متوازية لشخصيات شكلها التاريخ نفسه، لكنها تختلف في موقعها الأخلاقي. هل كنت تسعين إلى تفكيك ثنائية الضحية والجاني، أم إلى اختبار حدود التعاطف عندما تصبح الذاكرة نفسها عبئا مشتركا؟

لطالما اهتممت بالفرد وعلاقته بعالمه الداخلي والخارجي. يحمل كل من العالم الداخلي والخارجي الماضي، لكن الأفراد يستجيبون بشكل مختلف لهذين العالمين ولهذا التاريخ. الأخلاق أيضا موضوع جدير بالتأمل، في أنفسنا، وفي من نحبهم أو نظن أننا نعرفهم.

كلما تعمقت في قراءة تاريخ جنوب أفريقيا، ازداد إدراكي لمدى ندوب مئات السنين من العنف التي تثقل كاهلنا

 لنفكر، على سبيل المثل، في كل هذه الأسماء التي ظهرت مع الكشف "البطيء" عن ملفات إبستين. أشخاص كنا نعجب بهم أو نظنهم ذوي أخلاق سليمة، نكتشف فجأة أنهم أصدقاء مقربون لأشخاص نعرف أنهم مدانون أخلاقيا. هل هذا يجعلهم غير أخلاقيين، هل يجعلهم متواطئين؟ هل يمكن لشخص يصاحب أشخاصا سيئين أن يتمتع بأخلاق حسنة؟ هذه كلها أمور رائعة وصعبة للاستكشاف عند الكتابة، لا أحد منا كامل. كلنا ناقصون. والسؤال هو كيف يحدد ذلك مكانتنا في العالم وعلاقتنا بالآخرين.

غلاف روية "جزيرة"

جزيرة

تدور أحداث رواية "جزيرة" في بلد أفريقي لم تذكري اسمه، ومع ذلك هي تتناول بعمق الواقع الاجتماعي والسياسي. إلى أي مدى كنت مهتمة بمعالجة ظروف مجتمع محدد، وإلى أي مدى سمحت لك الرمزية بالتعبير عن نفسك عبر سياقات ولحظات تاريخية متعددة؟

كان هذا قرارا صعبا. أجريت بحثا مكثفا في التاريخ الأفريقي، وفي بعض الأحيان شعرت برغبة ملحة في تحديد زمان ومكان الجزيرة. لكن في كل مرة حاولت فيها ذلك، كانت القصة تتقلص في جملة واحدة، وتقتصر على ذلك الزمان والمكان، وعلى حقائق ومواقف وأشخاص يطغون على جوهر القصة. في النهاية، النهج الأكثر غموضا ورمزية واستعارة جعل القصة أكثر عالمية. من الطريف أن غلاف الترجمة الروسية يحمل صورة رجل ذي ملامح روسية واضحة. سألني أحدهم إن كان ذلك يزعجني. في الواقع، أظهر لي ذلك أن القصة يمكن اعتبارها ذات صلة عالمية. وربما يكون هذا مناسبا، بطريقة ما، لحالة روسيا الراهنة وتاريخها المضطرب في ما يتعلق بالترابط بين السياسة والمجتمع والاقتصاد والعنف.

كيف تعاملت مع ترجمة التواريخ الشاسعة إلى تفاصيل طقوسية في حياة صموئيل اليومية؟

تحدثت سابقا عن الكتابة كعذاب، ودعيني أخبرك، كانت كتابة "جزيرة" عذابا. كنت أستيقظ في الساعة 3:45 صباحا لأبدأ الكتابة في الساعة 4 صباحا. كنت أشعر أنني ذاهبة إلى المشنقة. كان الأمر فظيعا، فظيعا، فظيعا. كان من الصعب محاولة اختزال فترات تاريخية شاسعة ومهمة إلى لحظات جوهرية. لم أكن أرغب في تقليل شأن أي شيء أو تحقيره. أردت كل شيء، أردت أن ينظر إلي كشخصية قوية ومهمة، وكجزء لا يتجزأ من حياة صموئيل، حيث يتصادم العالم الداخلي مع العالم الخارجي، وأردت أن تكون الرواية خانقة. أردتها قصيرة، بحيث يمكن قراءتها في جلسة واحدة، ليجد القارئ نفسه محاصرا في عالم صموئيل، في ماضيه وحاضره ومخاوفه وأفعاله. لم يكن هذا ليتحقق في رواية تمتد لأسابيع أو شهور أو عقود، أو تمتد لمئات الصفحات. أردتها سريعة وقوية.

كارين جينينغز

كرامة الكاتب

في إحدى مقابلاتك، قلت إن الكتاب لا يكتبون بدافع الشهرة أو المال، بل بدافع الحاجة إلى أن يقرأوا. هل تعتقدين أن الجوائز الأدبية تساعد في حل هذا التناقض، أم أنها تضيف مجموعة مختلفة تماما من التوقعات؟

لن أدعي أنني "أسمى" من المال. بالطبع من الجيد امتلاك المال! لكن الكتابة لا تتعلق بالمال بالنسبة إلي. ما تضفيه الجائزة الأدبية أو المبيعات الجيدة على الكاتب هو العيش بكرامة. وهذا هو الأهم من وجهة نظري. قضيت سنوات طويلة أحاول أن أصبح كاتبة، وكنت دائما أبحث عن منح أو وظائف بسيطة هنا وهناك لأتمكن من تدبير أموري. أبلغ من العمر 43 عاما، وقد بدأت أخيرا أول وظيفة دائمة لي.

لا أحد منا كامل. كلنا ناقصون. والسؤال هو كيف يحدد ذلك مكانتنا في العالم وعلاقتنا بالآخرين.

 أحتاج إلى العمل لأعيش، وآمل أن أستمر في الكتابة. خلال عشرين عاما من البحث، أحدثت المنح والجوائز المالية فارقا كبيرا، لأنها أظهرت وجود ثقة بي وبكتاباتي، كما أنها أنقذتني من الاقتراض من والدتي أو البحث في خزائن أختي عن الطعام والملابس، أو الاعتماد على طليقي لإعالتي.

غلاف رواية "الأول من ديسمبر"

إلى أي مدى يعد التكثيف في استخدام اللغة علامة على نضج الكاتب، وإلى أي مدى يملي الموضوع نفسه ذلك؟

لاحظت أن أسلوب كتابتي يتطور. أعتقد أن جملي أصبحت أطول. لدي رواية جديدة ستصدر هذا العام، بعنوان "الأول من ديسمبر"، وأعمل على رواية أخرى. يبدو أن كلا الأسلوبين يميل أكثر نحو الجمل الطويلة، مما قد يزعج بعض القراء، لا أدري. أكتب كما أكتب لأن النص يفرض عليّ ذلك. لا أخطط له ولا أفكر فيه. لا أتبع قواعد. لم أفعل ذلك قط، ولكن هذا أيضا ليس واعيا. ببساطة، أفعل ما أشعر أنه صحيح. هذا كل ما يمكنني قوله. كل كاتب يلتزم تجاه النص الذي يكتبه. علينا كروائيين أن نطيع النص.

غلاف كتاب "سوارت بوي وتيتوس"

السيرة

يتنقل عملك بين كتابة السيرة الذاتية، "رحلات مع والدي"، والخيال المتعمق في التاريخ الاجتماعي والسياسي لجنوب أفريقيا. كيف شكل هذان الدافعان رحلتك الكتابية؟

لا أقضي وقتا طويلا في التفكير. أكتب ما تفرضه علي ذاتي، بقوة غريبة تحركني. في العام الماضي، أصدرت ما يمكن، على ما أعتقد، تسميته عملا تجريبيا (سوارت بوي وتيتوس)، وهو سرد يروى من خلال النثر والشعر والقوائم والوثائق. أحيانا أكتب مقالات أكاديمية، وأحيانا أخرى مقالات عفوية، وأحيانا قصصا قصيرة، وأحيانا شعرا. كل ما أكتبه يتشكل من خلالي، من خلال محاولاتي لفهم نفسي والآخرين. كيف نتفاعل بعضنا مع بعض، من خلال مكاني في العالم وكيف يعيش الأفراد في هذا العالم نفسه. دائما ما يكون هذا التفاعل ومحاولة فهم العلاقات المختلفة بين الداخلي والخارجي.

من هم الكتاب الذين أثروا فيك أكثر من خلال ما اختاروا إخفاءه بالصمت أو الإغفال أو ضبط النفس بدلا من الشرح؟

أعتقد أنني تعلمت ضبط النفس في الغالب من خلال الشعر. أحرص على قراءة الشعر يوميا. هناك الكثير من الشعر الرديء والكثير منه ينشر، بل حتى الشعراء الجيدون يكتبون قصائد رديئة. ربما تأثرت كثيرا بالشعر الياباني والصيني البسيط، ولكن أيضا بالقصائد التي تلتزم المتطلبات الشكلية للشعر الحر، أي الخماسي التفعيلة.

هناك الكثير من الشعر الرديء والكثير منه ينشر، بل حتى الشعراء الجيدون يكتبون قصائد رديئة

 أعتقد أن الشعر الذي يعمل ضمن حدود معينة يمتلك قدرة هائلة على التأثير. لا أعرف أي شعراء محددين يمكنني ذكرهم. أفتح كتابا، أقرأ قصيدة، أحبها أو لا، ثم أنتقل إلى غيرها. في شبابي، حاولت أن يكون لدي شعراء مفضلون، لكن ذلك لم يدم طويلا لأنني كنت دائما أجد شيئا لهم لا يعجبني، وحينها أشعر بالزيف حين أقول إنهم شعراء مفضلون. الآن أقرأ ما يعجبني وأستمتع به، دون الحاجة إلى ربطه بأحد.

نشرت مجموعة قصصية واحدة بعنوان "بعيدا عن الموتى". هل تتوقعين العودة إلى كتابة القصة القصيرة؟

في الواقع، كتبت نحو 17 قصة قصيرة في السنوات الثلاث الماضية. ربما علي أن أجمعها في مجموعة قصصية في وقت ما. لكن العودة إلى كتابة القصص القصيرة كانت صعبة للغاية. اضطررت لتغيير طريقة تفكيري وشعوري تماما لأتمكن من كتابة شيء متكامل ببضع كلمات فقط. العديد من القصص قصيرة جدا، أقل من ألف كلمة. أعتقد أن قصة واحدة فقط بينها تتجاوز أربعة آلاف كلمة.

font change