أميركا السوداء المرحة في أعمال كيري جيمس مارشال

صورة تبتعد عما هو نمطي ومألوف

كيري جيمس مارشال في مرسمه

أميركا السوداء المرحة في أعمال كيري جيمس مارشال

عام 2016 أقام متحف الفن المعاصر في شيكاغو معرضا استعاديا لأعماله بعنوان "كيري جيمس مارشال: الإتقان". أما المعرض الذي تقيمه حاليا الأكاديمية الملكية بلندن لمارشال فإنه يحمل عنوان "االتواريخ" ويضم 70 لوحة من الحجم الكبير عرضت في عشر قاعات.

المعرض الأخير هو الآخر استعادي للفنان الأميركي المولود عام 1955. وإذا شئنا المقارنة بين المعرضين لا بد أن نتساءل "ترى ما هو عدد اللوحات التي ضمها ذلك المعرض الاستعادي الذي أقيم له في البلاد التي هي موضوعه وملعب أبطاله؟".

لعنوان المعرض الجديد، "التواريخ"، معنى المواقيت وهي المواعيد التي يقيم فيها سود أميركا احتفالاتهم بالحياة في سياق طقسي يمزج بين التقاليد الأفريقية والعادات التي طبعت بعد استعارتها من الحياة الأميركية الحديثة.

وزعت الأعمال بين عناوين عشرة: الاكاديمية، رجل غير مرئي، العبور الأوسط،، البانثيون، مشاهد قصيرة، هدايا، رسم الحياة الحديثة، أفريقيا من جديد، عاصفة الخليج، وأحمر أخضر أسود. وضم المعرض عمله الاهم، "المعرفة والعجب"، الذي نفذه عام 1995. تلك لوحة رسمت خصيصا لمكتبة عامة في شيكاغو غير أنها لم تبق أسيرة المكان الذي رسمت من أجله بسبب أهميتها الفنية فصارت تستعار كلما أقيم معرض استعادي لمارشال.

كيري مارشال يكاد أن يكون الفنان الأكثر تنوعا وشمولا في محاولة نقل صور حياة السود في أميركا

وعلى الرغم من أن اهتمام رسامي أميركا ذوي الأصول الأفريقية انحصر في موضوعات مستلهمة من البيئة السوداء، بيئتهم بكل مفردات بنيتها الإنسانية وطقوسها المشطورة بين الماضي والحاضر وسلوك أفرادها في مختلف المناسبات، الحزينة والسارة، ومهنهم وهواياتهم في أوقات فراغهم وطرق تعبيرهم النضالية وحتى كسلهم وضجرهم وسلبيتهم، فإن كيري مارشال يكاد أن يكون الفنان الأكثر تنوعا وشمولا في محاولة نقل صور حياة السود في أميركا.

عمل لكيري جيمس مارشال

في هذا المعرض ينتقل بنا مارشال من مرسمه إلى الحياة العامة، من المراقص والحانات إلى شواطئ البحار، من الذكريات الشخصية إلى القصص المصورة، من الخيال العلمي إلى الشوارع المجاورة لبيته. رسم كل شيء غير أنه لم يكن معنيا بالتفاصيل الصغيرة إلا في ما ندر.        

حضور الرسام في لوحاته

يبدأ المعرض بمحترف الرسام. تلك بداية موفقة، حتى أن المنسقين اختاروا واحدة من لوحات ذلك الجزء الذي يحمل عنوان "الأكاديمية" ليزينوا بها الملصق الدعائي. ما فعله مارشال، أنه عبّر عن شغفه بالرسم من خلال الإفصاح بصريا عما يجري في مرسمه. تلك عملية معقدة تمتزج عناصر كثيرة من أجل تنفيذها والوصول بها إلى ضالتها النبيلة التي هي ليست أقل من انتاج عمل جمالي رفيع. تبدو لوحات هذا الجزء مستعارة من عالم غير أرضي، صاف ونقي وفيه من الرخاء النفسي ما يمكن أن يظلل حياة كاملة بنعمته. كل شيء مثير بغموضه ومدهش بأناقته. حتى فوضى الأصباغ على المناضد التي وضعت عليها الأنابيب، بدت تصنع مشهدا بصريا مريحا. تذكرت لوحة "وصيفات الشرف" للإسباني دييغيو فيلاسكيز (1599 ـ 1660). رسم فنان عصر الباروك نفسه داخل اللوحة التي كانت مخصصة للأميرة الصغيرة، كأنه رغب في أن يرسم لوحة داخل لوحة، وكان واضحا أن عملية الرسم كانت أنجزت في مرسمه حيث نرى لوحاته معلقة على الجدران. ذلك عالم حاول مارشال أن يقيم عالما على غراره. لا يمكننا التفكير في أفلام المخرج الأميركي ألفرد هيتشكوك من غير تذكر تلك المشاهد التي يظهر فيها هيتشكوك نفسه كأنه شخص عابر.

لا يقف مارشال بعيدا عن هيتشكوك، وفي سرهما يخبئنان النزعة ذاتها التي دفعت فيلاسكيز إلى أن يرغم العائلة المالكة على القبول بظهوره في اللوحة التي أعتبرت في ما بعد واحدة من أعظم ممتلكاتها وأغلاها ثمنا. يرسم مارشال صورة شخصية له وهو يرسم. في المقابل يرسم صورة لامرأة هي موديله وهي ترسم. هناك صورة يرسم فيها عملية تهيئة الموديل للرسم. يحضر مارشال بطريقة تشبه إلى حد ما الطريقة التي حضر من خلالها فيلاسكيز لوحته الشهيرة.

أحد اعمال مارشال

أفريقي بثقافة غربية

ينتقل المرء من لوحة إلى أخرى كأنه يسترجع حلميا وقائع حياة غاصة بالأحداث المرحة المستلهمة من عالم السينما لا الواقع. أحداث عاشها أناس حقيقيون، لكن في أزمان وأماكن متباعدة. وليس من العسير الانتباه إلى أن عين مارشال، على الرغم من اكتفائه بالبيئة السوداء، وأن خيال كائناته مرتبط بالتاريخ والثقافة السوداء، ظلت مصوبة في اتجاه تقاليد الرسم الغربي. كما أن هناك إشارات صغيرة تقودنا إلى منطقة تضيء عمق صلته بالثقافة الغربية الحديثة. من ذلك على سبيل المثل، لوحته التي رسمها عام 1980 بتقنية التمبرا البيضاء على الورق بعنوان "صورة الفنان كظل لنفسه السابقة". عنوان تلك اللوحة يشير إلى رواية جيمس جويس "صورة الفنان في شبابه"، وقد تذكر القبعة المائلة الى الخلف على رأس الشخصية بلوحة ويندهام لويس، "تايرو"، من عام 1921.

تكتظ لوحاته بعلاقات متفاوتة في درجة تأثير عناصرها بين ما هو متخيل وما هو واقعي

يتسم فن مارشال بالتناوب بين الخشونة والدقة والعفوية والغرابة والإيجاز. تكتظ لوحاته بعلاقات متفاوتة في درجة تأثير عناصرها بين ما هو متخيل، غير أنه غير طارئ على الحكاية الأفريقية، وما هو واقعي على الرغم من أنه حدث بطريقة عابرة. بعد ذلك، فإن فن مارشال لا تثقل عليه الذاكرة بقدر ما يتودد إلى أشباحها من أجل أن يتخففوا من أثقال معاناتهم ليبدو وجودهم في لوحاته مصدر سعادة له. مارشال فنان يحب الحياة، لذلك فإنه لا يريد أن يجرحها بذكريات الفقد وماض سبقته إليه السردية السوداء.

إحدى لوحات مارشال

ما يلفت الانتباه في هذا المعرض، أن الجزء الأكبر من اللوحات الكبيرة الحجم غير مشدودة على أطار خشبي بل ثبتت مباشرة على الحائط بحلقات معدنية. تقنية عرض تبدو غريبة، وهي بالتأكيد من اختراع الفنان وليس لمنسقي المعرض يد فيها. ولأن مارشال من وجهة نظر النقاد العالميين الذين تابعوا تجربته الفنية لاذع، فكاهي، مذهل، صعب، مفاجئ، عميق، وطموح للغاية، فقد يكون السبب في تلك التقنية يكمن في أنه أراد في أكبر معرض يقيمه خارج الولايات المتحدة أن يشد انتباه الجمهور حتى في طريقة العرض. للفنانين عادات غير متوقعة.

من لوحات مارشال

حياة رخاء كانت مستحيلة

قبل كيري جيمس مرشال، ندر أن نسمع بفنان أميركي من أصول أفريقية باشر الحياة العادية المباشرة بطريقة توحي بأن كل شيء طبيعي ومتوازن ومريح. فذكرى سنوات العبودية الطويلة والتمييز العنصري، غالبا ما تفسد كل شيء. بعكس الجميع، يميل مارشال إلى تصوير يوم مثالي يتنزه فيه السود ويمارسون رياضة الغولف ويلعبون الكروكيه ويتزلجون على الماء في البحيرة ويستمعون إلى أغنيات حديثة، كلماتها تطفو كشريط إخباري من أجهزة الراديو في ظهيرة مشمسة.

فسحة للتفكير في حياة بشر كافحوا من أجل أن يعيشوا حياة يحق لهم بأن يفخروا بها

إنها صورة حياة تبدو  مستحيلة تبعا لما ترسخ من ذكريات معتمة. وهنا ينبغي عدم الاستهانة بروح الدعابة في فن مارشال. في سلسلة مخصصة لرحلة العبور الأطلسية تظهر زلاقات مائية وأحواض سباحة وسفن عابرة للمحيطات وقوارب صغيرة، وامرأة على وشك الغطس. يمتلئ الماء بخرائط غارقة لأفريقيا وأسماك مرسومة بدقة ودعوة يغلب عليها التداعي الحر للنظر إلى حياة السود في أميركا باعتبارها سلسلة من الأحداث الشخصية التي لا تشوبها إلا المشكلات العادية.

لوحة لكيري جيمس مارشال

فن كيري جيمس مارشال ملهم من جهة قدرته على أن يهبنا فسحة للتفكير في حياة بشر كافحوا من أجل أن يعيشوا حياة يحق لهم بأن يفخروا بها.  

font change