لم يعد ظهور الهلال في أوروبا مجرد إعلان لبداية شعيرة دينية، بل غدا علامة على تحول أعمق في مزاج المدن العام. فالهلال في القارة العجوز لا يكتفي بتحديد زمن الصيام، بل يعلن دخول إيقاع مختلف إلى فضاء اعتاد الصرامة والسرعة، إيقاع أبطأ، أكثر التصاقا بالجسد وبالتجربة اليومية للناس. غير أن ما يميز رمضان عن غيره من المناسبات في أوروبا أنه لا يضيف حدثا إلى الزمن القائم، بل يربك منطقه من الداخل. فهو لا يقوم على الاحتفال ولا على الاستهلاك، بل على الامتناع والانتظار، وعلى إعادة تنظيم اليوم حول الغياب لا الحضور.
تفاوض غير معلن
مع تراكم حضور الجاليات المسلمة عبر العقود، لم يعد رمضان حدثا محصورا في المجال الخاص، بل تحول تدريجيا إلى زمن اجتماعي مرئي، يتسرب إلى الحياة العامة دون ضجيج.
في هذا المعنى، ترى جوسلين تشيساري الباحثة في مجال دراسات الإسلام والسياسة والعلمانية في كتابها "حين يلتقي الإسلام والديمقراطية: المسلمون في أوروبا والولايات المتحدة"، أن الإسلام في السياق الأوروبي لم يعد يعيش في نطاق المعتقد الفردي وحده، بل أصبح جزءا من الزمن اليومي المشترك، حيث تتحول الممارسات الدينية المتكررة إلى وقائع اجتماعية يلاحظها الجميع.
بعد إعلان الهيئات والمؤسسات الإسلامية عن ثبوت الهلال، لا تتهيأ الجاليات المسلمة وحدها لاستقبال الشهر، بل تدخل المدن الأوروبية نفسها في حالة استعداد نفسي وثقافي صامت. لا يعني ذلك أن المدينة "تشعر" باعتبارها كيانا حيا، بل أن سكانها يدخلون في عملية تفاوض غير معلنة مع زمن جديد، يعيد طرح أسئلة الجسد والتعب وحدود الاحتمال.






