السيد "نسيان" يلبي دعوة ضياء حموي إلى طاولته

حيث يتحول الغياب إلى حضور

ضياء حموي

السيد "نسيان" يلبي دعوة ضياء حموي إلى طاولته

في عالم يقيم ولائم سوريالية مرعبة ومفتوحة للجماهير، يوجه ضياء الحموي، المقيم في السويد، دعوة ورقية بخط ريشته إلى مدعو واحد يصعب التقاطه، فهو في كل مكان، وليس من اليسير لقاؤه لأنه من كل زمان. يلبي هذا المدعو العرض السخي، فيقيم الفنان معرضا له يحمل اسمه "غلومسكا" أي "نسيان" في اللغة السويدية وذلك في "صالة الفن" في مدينة فيستروس.

من دون أل التعريف

لا يضع الفنان ضياء الحموي "أل" التعريف لمفردة "نسيان"، فما يشكله في لوحاته هو مقتطفات من حياته اليومية العادية، من دون أن يشير إليها بوصفها نابعة من ذاكرة يغشاها الحزن، بل باعتبارها نتفا مضيئة بعبورها، ومفعمة بفرح ملون. ولا شك أن كلمة "نسيان" تأتي هنا بصيغة أخف من "النسيان"، أقل درامية، وتحمل إشارة إلى حلاوة العيش على هذه الأرض، حلاوة متاحة للجميع، ولا تتطلب من الفرد سوى الالتفات إليها وتثمين أهميتها في سياق حياته اليومية.

من الواضح أن الفنان جنح في هذه اللوحات، كما في أعماله السابقة، إلى أجواء صوفية تحمل بصمته الخاصة، إذ لم يكن الضوء خافتا ولا دراميا أو غيبيا، بل هو ناصع ورقراق. أما الألوان فلم تكن ترابية غامضة، بل عامرة بظلال شفافة رسمها الفنان في أعمال عديدة، مائية الروح، تميل إلى الأزرق والأخضر والبنفسجي، مما يحيلنا إلى مشاهد أزهار الخزامى وعطورها. وحول هذه الطمأنينة الهادئة المضيئة بألوانها، قال الفنان لـ"المجلة": "نشأت في بيئة صوفية. كان أبي صوفيا يأخذني إلى حلقات الذكر، وعلى الأرجح تأثرت بهذه الأجواء. فاللوحة بالنسبة إلي ليست مشهدا بصريا فقط، بل تظهير لحالة روحية ونفسية. والأمر ينطبق على لوحاتي التجريدية والتشكيلية على السواء. فالصمت بارز والسكون حاضر من ناحية بناء العمل ومن ناحية اختيار طريقة المعالجة الفنية".

الجمال موجود دائما، لكننا بحاجة إلى فتح أعيننا لنراه. وفي هذا الزمن المليء بالمآسي، تزداد ضرورة الانفتاح على اللحظات والتفاصيل الجمالية من حولنا

 

وأضاف: "أرى أن الجمال موجود في أشيائنا اليومية البسيطة، حتى في هيئة علبة سائل التنظيف، وفي كؤوس ومناشف المطبخ. أحيانا يكفي أن يتشكل الضوء في مكان ما أمامنا ليصبح مشهدا مؤثرا لجماله. الجمال موجود دائما، لكننا بحاجة إلى فتح أعيننا لنراه. وفي هذا الزمن المليء بالمآسي، تزداد ضرورة الانفتاح على اللحظات والتفاصيل الجمالية من حولنا". منطق الفنان هذا ينسحب على جميع أعماله، لا سيما تلك التي أنجزها خلال العشرين سنة الأخيرة. فكما رسم الحياة المرتجفة بتعبيرية في اللوحات التي ظهرت فيها عناصر طبيعية حية مثل مياه البحيرات والأزهار والأشجار المورقة والعصافير، برزت الحياة أيضا نابضة في طبيعته الصامتة، التي رسمها في معظم الأعمال المعروضة حاليا.

بهاء الأشياء العادية

أول ما يشعر به الناظر إلى لوحات ضياء الحموي، التي اتخذت من "الطبيعة الصامتة" موضوعا لها، هو الدهشة، تلك التي تفضي سريعا إلى مجموعة من الأفكار تبرز الاختلاف الجوهري بين ما جرت تسميته بلوحات الطبيعة الصامتة التقليدية، وبين أعمال الحموي التي تتناول الموضوع ذاته، ولكن من خلال منطق مغاير تماما: أكثر انفتاحا وجلاء وقربا من الفرح والأمل.

لوحة لضياء الحموي

غالبا ما تبدو لوحة الطبيعة الصامتة التقليدية حزينة، إذ يوحي صمتها بالهجر أكثر مما بالهدوء. فغياب الحضور البشري يدفع المتلقي إلى قراءة المعنى فيما هو مفقود: زهرة ذابلة، أو شمعة منطفئة، تشير إلى حضور سابق وانسحاب لاحق، وهو ما يترجمه العقل البشري إلى شعور بالوحدة أو الفقد. كما تعمق الألوان الترابية والضوء الخافت هذا الإحساس، فتبطئ إدراكنا ويبدو المشهد ثقيلا أو كئيبا. ومع انعدام الحركة وغياب السرد، تتحول السكونية إلى توقف عاطفي ومساحة للتأمل، تنجرف بسهولة نحو الحنين أو الحزن، وكأن هذه الأعمال تهمس بأن اللحظة ستمر، وبأن هذه الحقيقة الهادئة تحمل وجعا رقيقا.

من لوحات الحموي

في المقابل، تتحدث لوحات الطبيعة الصامتة لدى ضياء الحموي عن أمور أخرى. فهي لا تنشغل بالفقد، بل تعبر عن الأمل والحيوية، ويتحول فيها السرد نحو البدايات، أو نحو انتظار ما سيحدث لاحقا من مفاجآت لا تحمل طابع المأساة، بل بهجة الأيام العادية، تلك التي ينتفي فيها الألم الجسدي والنفسي، من دون أن يكون الفرح حاضرا في الضرورة. فالضوء الذي يدخل إلى المشهد، ولا سيما ضوء الصباح، يشعر بالقدوم لا بالانحسار، بينما توحي الألوان الناصعة والصافية، كالأخضر والأحمر والأصفر المضيء، بالحياة. وغالبا ما تظهر تكوينات الأشياء في علاقاتها المتبادلة من خلال طريقة ترتيبها، لا بوصفها عناصر معزولة أو صامتة في ذاتها.

نرى الكؤوس وفناجين القهوة وأصص النبات، مزهرا أكان أم غير مزهر، تتقارب في ما بينها كأنها استخدمت للتو، أو هي على وشك أن تستخدم بعد قليل. الليمونة الصفراء لم تقطع بعد، لكنها توحي بأنها ستمنح بعض قطراتها لفنجان الشاي القريب منها. أما فنجان القهوة، فيبدو وكأنه "يجلس" على الطاولة إلى جانب كأس شفافة من الماء الصافي، كما جرت العادة. وإلى جانب هذين الاثنين تحضر كأس أخرى من الماء، من زجاج أخضر شفاف: هل هي لزائر طارئ؟ أم لضيف لم يصل بعد؟ في الحالتين، لا تشير الأشياء هنا إلى غياب مؤلم، بل إلى حضور محتمل، وإلى زمن مفتوح على ما لم يحدث بعد.

بينما تقول عناصر الـ"فانيتاس" في لوحات الطبيعة الصامتة إن كل شيء قد انتهى، تقول مفردات الطبيعة الصامتة في لوحات الحموي إن الحياة، رغم ذلك، ذات قيمة كبيرة

تسكن لوحات الفنان دينامية محببة تدفع الناظر إليها إلى الابتسام. ومن الأمثلة الأخرى على هذه الحياة النابضة في تفاصيلها، التي يمتد تأثيرها إلى كيفية نظرة الإنسان إلى مختلف مرافق حياته، اللوحة التي تحضر فيها مدقة الثوم، وإلى جانبها عناصرها الأليفة التي ستتعاون معها بعد لحظات لتكوين خلطة لذيذة. أما هذه العناصر فهي: كوز الثوم وقنينة الزيت وحبتا فلفل إحداهما حمراء والأخرى خضراء، إضافة إلى ليمونة صفراء، وقارورة ماء، وأخرى يرجح أن تكون للخل. كما يحضر غطاء الطاولة في هذه اللوحة، وفي لوحات أخرى، إما على هيئة موزاييك ملون وشفاف يتفاعل دوما مع مصدر الضوء، طبيعيا أكان أم اصطناعيا، أو كزخارف لنباتات أو عناصر هندسية بألوان ناصعة النقاء، تتكسر بفعل الضوء حينا، وتتمايل وترق حينا آخر. كذلك تحضر في لوحات الفنان مساحات مفتوحة، أو حواف مقصوصة، توحي بالاستمرار خارج إطار اللوحة. وهذا الإحساس بأن العالم يمتد إلى ما بعد القماش، يحول السكون من نهاية إلى وعد هادئ.

من أعمال الحموي

وبينما تقول عناصر الـ"فانيتاس" في لوحات الطبيعة الصامتة التقليدية، كالشمعة الذائبة أو الوردة الذابلة، أو الجمجمة البشرية أو الحيوانية، إن كل شيء قد انتهى أو هو في طريقه إلى الانتهاء، تقول مفردات الطبيعة الصامتة في لوحات الحموي إن الحياة، رغم ذلك، ذات قيمة كبيرة. هكذا يحدث هذا الانقلاب في المعنى. فالكوب الفارغ لا يوحي بالحزن، بل يشير إلى أنه استخدم للتو، أو أنه على وشك أن يملأ: حالة سكون لا حالة غياب. أما الكؤوس التي يرسمها الفنان فهي كلها شفافة ونظيفة، يمر عبرها الضوء ليؤكد أنها مغسولة، هوائية، وقابلة للتنفس. ومع غياب البقايا، يغيب الإحساس بالتحلل أو بالثقل المعنوي.

حول منطق سيرته الفنية منذ البداية، أنها لم تكن يوما في خدمة تصوير المآسي: "منذ أن كنت في سوريا، وبالتحديد في حلب، كنت أعمل على اللوحات التي فيها شقائق النعمان والألوان الزاهية، تلك التي تحمل الفرح والحيوية. بالنسبة إلي، كانت اللوحة دائما مصدر بهجة، نوعا من النزهة التي تسعدني أثناء العمل عليها وبعد انتهائها. هناك فنانون يرسمون لوحات مليئة بالحزن والبؤس، ويقولون إنهم بذلك يفرغون شعورهم بالحزن أو يواسون أنفسهم. أنا لا أتصرف بهذه الطريقة. حتى لو شعرت بالحزن أو الأسى، وكلنا نشعر بذلك، فإنني لا أجسده في لوحاتي. أعمل على لوحة تحمل البهجة لتبهجني. لا أكرس حالة الحزن في أعمالي. وبالنسبة إلي، ليس من حق المشاهد أن يجبر الفنان على أن يعكس تعاسة أو مأساة حياته. كما يجب أن لا يدفع المشاهد ثمن حزن الفنان أو ألمه. بل أفضل أن أقدم البهجة لنفسي وللآخرين".

من هذا المنطلق يتحول الفراغ في ضياء الحموي إلى حضور. فالانعكاسات والانكسارات والبقع الضوئية تجعل الشيء نشطا، كأنه يقوم بفعل ما، وتبدو هذه الطاقة الهادئة حية ومنعشة. وعندما تقرن الأكواب الفارغة بضوء النهار، أو بمفرش أبيض ملون، أو بالزهور، أو بمساحات واسعة تحيط بها، فإنها تكتسب إحساسا بالانفتاح والتجدد بدلا من الفقد.

من لوحات ضياء الحموي

أما الظلال في لوحات الفنان، فهي أولا مرتع لغياب الحر، وهي ظلال طويلة تعزز قيمة الأشياء اليومية وسطوتها اللونية. وتشير معظم هذه الظلال الممتدة على الطاولات إلى انخفاض الشمس لا إلى حلول الظلام. فالشمس المنخفضة توحي بالصباح أو بآخر النهار، وهي لحظات ترتبط بالبدايات أو بالنهايات اللطيفة، لا بالكارثة. وحتى أغمق المناطق تبقى ضمن نطاق ضوئي محدد، فلا شيء ينهار إلى السواد التام. هكذا عملت الظلال كبنية لا كتهديد في لوحات الفنان: فهي تنظم الفضاء، وتثبت الأشياء، وتظهر ثقلها، وتخلق إيقاعا بصريا.

هكذا عملت الظلال كبنية لا كتهديد في لوحات الفنان: فهي تنظم الفضاء، وتثبت الأشياء، وتظهر ثقلها، وتخلق إيقاعا بصريا

من الواضح أن الفنان يستخدم في عدد من لوحاته، الضوء المباشر، مما يخفف حدة الدرامية، فالإضاءة القوية ذات المصدر الواحد تقلل الغموض، والغموض هو ما يحول الأشياء العادية إلى عناصر مقلقة، أما الوضوح فيجعلها صادقة. وحول عناصر الإضاءة المستخدمة في لوحاته، واحتمال الاستعانة بالصور الفوتوغرافية في بنائها، أجاب الفنان: "ألتقط مئات الصور الفوتوغرافية، وأستخدمها لاحقا في مرسمي، لكنني أعيد ترتيب عناصرها، فقد أنزع بعض العناصر وأضيف أخرى، وأغير ألوانها، وأبدل الخلفيات، إلى أن أرتب المشهد كاملا كما أشاء. وأحيانا أختار أكثر من صورة، وأدمجها بصريا بعضها مع بعض. وفي غالب الأحيان يكون اعتمادي على الصور الفوتوغرافية بهدف ضبط المنظور والظل والنور تشريحيا".

لوحة لضياء الحموي

أخذنا كلام الفنان هذا حول أعماله الجديدة إلى التفكير في الفارق الدقيق بين الضوء المباشر وغير المباشر. فالضوء المباشر يبدو غير حكمي، لا يضخم ولا يتهم، بل يكتفي بالقول: هذا موجود هنا. أما الأشياء الشفافة، على وجه الخصوص، فلا تستطيع إخفاء شيء، إذ نرى من خلالها، بما في ذلك تشوهاتها، وتقرأ هذه الرؤية بوصفها صراحة وانفتاحا لا هشاشة. 

font change

مقالات ذات صلة