الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج... تكلفة سياسية وخسائر اقتصادية

الأنظار إلى مضيق هرمز وترقّب لارتفاع النفط على الرغم من زيادة انتاج "أوبك بلس"

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
أعمدة الدخان قرب ميناء جبل علي بعد إعتداء إيراني جديد على دبي، 1 مارس 2026.

الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج... تكلفة سياسية وخسائر اقتصادية

بقيت الأوضاع السياسية والأمنية على صفيح ساخن منذ حرب يونيو/حزيران المنصرم بين اسرائيل وإيران التي شهدت تدخل الولايات المتحدة وقصفها بعض المنشآت النووية الإيرانية. وقد أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب اهتمامه بشن حرب على إيران لوقف برنامجها النووي ووضع حد لأنظمة الصواريخ الباليستية وضرورة وقف دعم النظام الإيراني للأذرع التابعة له في عدد من الدول العربية، لا سيما لبنان والعراق واليمن، بعد التظاهرات غير المسبوقة في مختلف المدن الإيرانية التي شارك فيها مئات الآلاف من الإيرانيين وما تبعها من قمع دموي من قبل سلطات النظام الإيراني للمتظاهرين وقتل الآلاف، ناهيك بالمعتقلين.

كرر الرئيس الأميركي مرارا أهمية إسقاط النظام الحاكم في طهران، وشجع ذلك فئات من المعارضة الإيرانية. وظلت دول الخليج حذرة وقلقة من التطورات المحتملة، لتسود حال من عدم اليقين في المنطقة. وقد انعكس هذا التوتر مباشرة على الأسواق المالية، إذ عانت من تقلبات واضحة فتراجعت بنحو 4 في المئة منذ بداية السنة الجارية، في حين ارتفعت مستويات الأخطار الاستثمارية بسبب الأوضاع الجيوسياسية.

تعاظم أخطار سوق النفط

كما هو معلوم، تشكل إمدادات النفط من منطقة الخليج التي تعبر مضيق هرمز، 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية. في طبيعة الحال، هناك حصار اقتصادي على إيران ومقاطعة للنفط الإيراني، إلا أن إيران نجحت في إيجاد طرق ووسائل لإيصال النفط إلى عملائها الأساسيين، وتحديدا الصين، والهند بدرجة ما.

يرى السيناريو المتشائم اليوم أن أي إغلاق للمضيق، حتى لو كان محدودا، قد يرفع أسعار النفط إلى نحو 130 دولارا للبرميل، وهو رقم بعيد الاحتمال لكنه يثير قلق المتداولين والمستثمرين

مع ذلك، يرى السيناريو المتشائم اليوم أن أي إغلاق للمضيق، حتى لو كان محدودا، قد يرفع أسعار النفط إلى نحو 130 دولارا للبرميل، وهو رقم بعيد الاحتمال لكنه يثير قلق المتداولين والمستثمرين.

"أوبك بلس" زاد الإنتاج 206 آلاف برميل

وفعليا، أدى التوتر إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات تزيد كثيرا على السعر الراهن الذي يدور حول 72 دولارا للبرميل عند اندلاع العمليات العسكرية. كما أن أسعار الغاز مهيأة للارتفاع أيضا، خصوصا أن قطر تعد من أكبر مصدري الغاز الطبيعي عالميا إلى مختلف الدول المستهلكة، مما يزيد الأخطار على أسواق الطاقة.

ولاستيعاب صدمة الحرب وتداعياتها، وافق تحالف "أوبك بلس" اليوم على زيادة إنتاج النفط بمقدار 206 آلاف برميل يومياً بدءاً من شهر أبريل/نيسان المقبل، وسط التهديدات بالتأثير على إمدادات النفط الخام.

وجاء القرار خلال اجتماع افتراضي اليوم للاعبين الرئيسيين في "أوبك بلس"، السعودية وروسيا والعراق والإمارات والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان، لمراجعة أوضاع الأسواق العالمية والتوقعات المستقبلية، وفق بيان صادر عن منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك".

Shutterstock

وكان بنك "RBC" الكندي أعلن أن زيادة للإنتاج من تحالف "أوبك بلس" سيكون تأثيره محدودا، نظرا الى أن معظم الدول الأعضاء وصلت الى اقصى طاقتها الإنتاجية الفعلية باستثناء المملكة العربية السعودية.  

وتتعاظم المخاوف من أن تطال الردود الصاروخية أو المسيرات الإيرانية منظومة إنتاج النفط والغاز في عدد من دول الخليج بما يؤثر على البنية التحتية والمرافق الإنتاجية ويعطل الإمدادات. كذلك، يمكن أن تتعطل الملاحة في المنطقة بما يعرقل وصول الناقلات أو إبحارها في المياه الخليجية. لا شك أن النفط يظل محوريا في البنية الاقتصادية وأن توقف الإمدادات للدول المستهلكة لأمد غير محدد، سيؤثر على الأوضاع المالية لدول المنطقة كافة.

الاستثمار في المنطقة

وضعت دول الخليج استراتيجيات طموحة لإحداث تنوع اقتصادي وتعزيز دور القطاعات غير النفطية، وعدلت القوانين والأنظمة التي تحكم العمل الاقتصادي لتهيئة بيئة استثمار ملائم،ة ومن ثم جذب المستثمرين الأجانب. تصطدم هذه الطموحات الآن بالأوضاع الأمنية وحال الحرب مع إيران لا سيما مع إقدام إيران على الرد على الهجوم الجوي الأميركي الاسرائيلي بضرب قواعد في دول الخليج، بما يجعل هذه الدول مرتفعة الأخطار.

بذلت دول الخليج جهودا مضنية على مدى الشهور الماضية للوصول إلى حلول ديبلوماسية للخلافات بين إيران وأميركا والغرب عموما في شأن القضايا الرئيسة، وأكدت حرصها على تفادي الحرب وعملت على دفع الولايات المتحدة الى الحوار وتبني الحلول الديبلوماسية، وهي عارضت شن حرب على إيران.

تشير التوقعات إلى أن مؤشرات الأسواق المالية في دول الخليج قد تتراجع بمعدل يتراوح بين 3 و5 في المئة، مع ترقب وضوح اتجاهاتها خلال الأيام المقبلة بحسب تطورات الحرب

لكن إيران لم تقدر هذه المواقف ولم تتوان عن شن هجوم بالصواريخ والمسيرات على السعودية والبحرين وقطر والكويت ودولة الإمارات. لا بد لهذه الاعتداءات الإيرانية من أن تثير حنق حكومات وشعوب المنطقة وتعطل عمليات التقارب بين إيران ودول الخليج. وإذا ما استمر النظام الحاكم في مواقعه بعد الحرب، فستجد إيران أن دول الخليج لن تكون قادرة على التعامل الآمن معها وسوف تزيد اعتمادها على الولايات المتحدة والغرب عموما لحماية أمنها واستقرارها الاقتصادي والسياسي.

التأثيرات على الأسواق المالية الخليجية

وفي وقت علق التداول في السوق المالية الكويتيةـ أمس واليوم، إلى اشعار آخر، تشير التوقعات إلى أن مؤشرات الأسواق المالية في دول الخليج قد تتراجع بمعدل يتراوح بين 3 و5 في المئة، مع ترقب وضوح اتجاهاتها خلال الأسبوع الجاري مع بداية شهر مارس/آذار، بحسب تطورات الحرب. كان أداء الأسواق متراجعا منذ بداية السنة الجارية، ففي نهاية الأسبوع المنصرم، تراجع مؤشر السوق السعودية بنسبة 1,3 في المئة، كما تراجع مؤشر سوق دبي بنسبة 0,8 في المئة، أما سوق أبو ظبي فسجلت تراجعا بنسبة 0,4 في المئة، وكذلك السوق القطرية التي تراجعت بنسبة 1,9 في المئة، والكويتية بنسبة 0,86 في المئة. أما السيولة، فلم تكن مناسبة للحركة في هذه الأسواق، بما يدل الى محدودية إقدام المستثمرين على توظيف الأموال في أسهم حقوق الملكية والبحث عن أدوات أكثر استقرارا مثل الذهب والعقار.

.أ.ف.ب
صورة نشرتها وكالة الأنباء الإيرانية لمحاكاة السيطرة على ناقلة نفط بالقرب من مضيق هرمز، 18 فبراير 2026

غني عن البيان أن تراجع الحرب أو الانتهاء منها خلال فترة وجيزة، يمثل أهمية جوهرية للحياة الاقتصادية في دول المنطقة. لكن كيف يتحقق السلام؟ هل هناك إمكان لوقف إطلاق النار وإنهاء العمليات القتالية قريبا؟هل سيتم تحييد القوى الموالية لإيران في لبنان والعراق واليمن وإنهاء أخطارها على استقرار دول الخليج؟ هل ستتوقف إيران عن الاستقطاب وتصدير الثورة ودعم القوى المناهضة لأنظمة الحكم في هذه الدول؟ الأهم من ذلك كله، هل سيعني وقف الحرب قيام نظام مدني مسالم يعمل على إصلاح العلاقات مع دول الخليج؟

ماذا يتوقع من الاقتصاد الإيراني؟

عندما تستقر الأوضاع الأمنية في إيران وينبثق نظام جديد يركز على تطوير الاقتصاد الوطني واستثمار الموارد على أسس عقلانية، ويعمل على رفع مستويات المعيشة، فإن ذلك قد يفتح الباب لتعزيز العلاقات التجارية مع دول الخليج. كما سيمكن من جذب الاستثمارات الخليجية في قطاعات حيوية مثل السياحة، والعقارات، والصناعات التحويلية، وربما يمتد إلى الزراعة، والنقل، والاتصالات.

تراجع الحرب أو الانتهاء منها خلال فترة وجيزة، يمثل أهمية للحياة الاقتصادية في دول المنطقة. لكن كيف يتحقق السلام؟ هل هناك إمكان لوقف إطلاق النار وإنهاء العمليات القتالية قريبا؟

يمكن إيران أن تتحول إلى وجهة استثمارية كبيرة تعزز القدرة على صناعة الثروة وتطوير مصادر الدخل غير النفطي، سواء داخل البلاد أو في دول الخليج المجاورة. ومع ذلك، يبقى هذا الاحتمال مرهونا بتحول جذري في التوجهات السياسية للنظام الحاكم في طهران.

.أ.ب
مبنى مدمر على إثر القصف الإسرائيلي على طهران، 28 فبراير 2026

وعلى الرغم من الإمكانات الكبيرة للسوق الإيرانية وحجم السكان، لم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 357 مليار دولار في عام 2025، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، فيما سجل معدل النمو صفرا تقريبا، في حين بلغ معدل التضخم مستويات قياسية تقارب 40 في المئة.

أما دول الخليج، فهي تحقق ناتجا إجماليا بنحو 2,3 تريليون دولار، ونجحت خلال السنوات المنصرمة في تعزيز جهود التنويع الاقتصادي، مع التركيز على تقوية دور القطاع الخاص وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي. إضافة إلى ذلك، تمتلك هذه الدول صناديق سيادية ضخمة تستثمر في أدوات مالية مباشرة ومسعرة حول العالم، وتقدر قيمة أصولها الإجمالية بنحو 4 تريليونات دولار. وإذا تحقق الأمن والاستقرار وبرز في إيران نظام مدني متصالح مع جيرانها، فإن دول الخليج، ولا سيما الصناديق السيادية والمستثمرون من القطاع الخاص، ستكون في موقع يسمح لها بتوظيف أموال كبيرة في الاقتصاد الإيراني، بما يعزز فرص التنمية ويرتقي بمستويات المعيشة في البلاد.

font change

مقالات ذات صلة