في كتابه عن مفهوم الأيديولوجيا الذي كان ظهر بعنوان "الأدلوجة"، وهو اللفظ الذي كان اقترحه تعريبا للمفهوم، أدرج عبد الله العروي أبا حامد الغزالي ضمن المفكرين الذين أرسوا أسس هذا المفهوم. لمس المفكر المغربي أن حجة الإسلام لم يكن يكفيه "الخطاب المنسجم" والحقيقة المنطقية كي يخوض حربا أيديولوجية ضد خصومه، لذا كان لزاما عليه أن يتخطى المعايير التي اعتمدت حتى ذلك الوقت في "نقد الخطاب"، فتناول أشكال الخطاب، لا من حيث دلالاتها وانسجامها المنطقي، وإنما من حيث مفعولاتها وما تخلفه من آثار.
وبالفعل، فقد أحس صاحب كتابي "تهافت الفلاسفة" و"فضائح الباطنية"، بقصور الحجاج المنطقي وعجزه عن إقناع الخصم. كما تبين أن الاقتصار على الوقوف عند معيار "الصلاحية المنطقية" للخطاب لا يجدي كبير نفع في هذا المجال، لذا عمد إلى تناول الخطاب من وجهة نظر مفعوله، أو كما يقول هو، "الآفات التي تتولد عنه". وهكذا، فعندما يستعرض في كتاب "المنقذ" أصناف الطالبين ويقوم بتحليل مختلف الطرق التي انتهجت في المعرفة، فإنه لا يعرض لهذه الطرق من حيث هي مناهج معرفة، وإنما يسألها، كما يقول، من وجهة "الآفات التي تتولد عنها".
ذلك أن هذه الطرق، في نظر حجة الإسلام، حتى وإن كانت تؤدي إلى معارف صادقة في ذاتها، فإن الآفات التي تتولد عنها قد تكون مخالفة فتقود إلى الضلال. إذ لا يكفي أن يكون الخطاب متماسكا كي يكون صادقا، بل يمكن الخطاب "الصادق" أن يولد الضلال. وهذا لا يصدق على الفلسفة وحدها، وإنما حتى على المعارف الرياضية التي قد تجر البعض "إلى أن يكفر بالتقليد المحض"، أو المنطق الذي ربما ينظر فيه "من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عن أصحابه من الكفريات مؤيد بمثل تلك البراهين". وهكذا فالضلال ليس بالضرورة أفكارا خاطئة، كما أن"الشبهة إذا انتشرت" فإنها تعمل عمل الحقيقة.
اقتصاد المعرفة
كأن صاحب "فضائح الباطنية" وضع أصبعه على ما ندعوه اليوم "الاقتصاد السياسي للمعرفة" و"مفعولات الحقيقة للخطاب" Les effets de vérité du discours، وكأنه أدرك أن الخطاب لا يتحدد فحسب بتماسكه المنطقي، وسلامة بنائه، وإنما بما يتولد عنه من مفعولات. بل نستطيع القول إن حجة الإسلام تبين العلاقة بين الخطاب ومفعول معين للسلطة، وأدرك أن المعرفة وحدها عاجزة عن هداية الضالين، وأن لا مفر من اقتران سلطة المعرفة بسلطان دنيوي. صحيح أنه لم يذهب إلى حد القول إن "في" الخطاب سلطة، لكنه سلم بأن الخطاب يستمد قوته ومفعوله من السلطة التي من ورائه، وبالتالي إن "للخطاب سلطة". فحياة الحقيقة وانتشار الأفكار وانتصارها لا يتوقفان على صدقهما المنطقي، وإنما على السلطة التي تروج لهما.




