حرب إيران تشعل الأسواق وأسعار النفط والغاز

تصاعد التوتر في الخليج يهدد إمدادات الطاقة ويرفع أخطار التضخم مع تعطيل حركة الطيران والشحن البحري

"المجلة"
"المجلة"

حرب إيران تشعل الأسواق وأسعار النفط والغاز

بدأت الحرب على إيران التي كان العالم يترقبها، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي بعيد بدء الضربات الأميركية-الاسرائيلية على إيران صباح السبت الماضي بتوقيت الشرق الأوسط، السؤال الآن متى تنتهي؟ لا تزال السيناريوهات غير واضحة، لكن التداعيات الأمنية والاقتصادية تبدو هائلة، إذا طال زمن الحرب، ولم تتمكن إدارة الرئيس ترمب من السيطرة على توسعها.

على وقع الغارات والصواريخ، ترتفع مؤشرات الأخطار الاقتصادية باضطراد. وكلما زادت الفترة الزمنية لهذه الحرب، ارتفعت الأخطار الفعلية على الاقتصاد الإقليمي والعالمي. ولعل الأكثر تأثرا سيكون موضوع الطاقة من نفط وغاز وسلاسل الإمدادات المتعلقة بهما، وتخزينهما ونقلهما إلى مختلف دول العالم، والأسعار ومصيرها.

اضطراب حركة الطيران والملاحة البحرية

اضطربت حركة المطارات في الشرق الأوسط فأغلقت المجالات الجوية في معظم دول المنطقة نتيجة التطورات العسكرية. واضطرت شركات الطيران إما إلى الامتناع عن الاقلاع من وإلى بعض المطارات أو إلى تعديل رحلاتها. وأقفل مطار بن غوريون في إسرائيل حتى اليوم الاثنين على الأقل وأغلقت إيران مجالها الجوي حتى إشعار آخر. كما أغلق المجال الجوي في دول الخليج لا سيما تلك التي تعرضت للقصف من جانب إيران، وعلقت الرحلات في عشرات المطارات حتى إشعار آخر بعد استهدافها. وكذلك علقت قطر حركة النقل البحري في مياهها عقب الاعتداءات الإيرانية. وفي ألمانيا مثلا، أعلن اتحاد المطارات الألماني أن أكبر 8 مطارات في ألمانيا ألغت أكثر من 450 رحلة جوية حتى 5 مارس/آذار.

كل السيناريوهات تقود إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، لكن حجم الارتفاع يعتمد على طبيعة الضربات وطول مدة الحرب ومدى استهداف البنية التحتية للطاقة

وعلى إثر تصريحات متبادلة من الجانبين الأميركي والإيراني التي تشي باستمرار الحرب لأيام وربما اسابيع، تسود حال من القلق بين المواطنين في دول المنطقة كافة، وتشمل المخاوف انقطاع التموين الغذائي والدوائي وانقطاع المحروقات نتيجة الخطر المحدق بسلاسل التوريد حول المنطقة. وهذا ما ينطبق أيضا على مصير شحنات النفط والغاز في ظل تهديدات بإقفال مضيق هرمز من جانب إيران. وعمد عدد من شركات النفط الكبرى، إلى تعليق شحنات النفط والغاز عبر المضيق لدى بدء الحرب، لكن إيران ما لبثت أن أقفلت المضيق عبر استهداف السفن، وسط توصيات أميركية للسفن التجارية بالابتعاد عن منطقة الخليج. في حين رفع مرفأ بيروت مستوى الجهوزية لديه وفتح أبوابه ليلا ونهارا من دون توقف.

رويترز
ناقلة نفط استهدفها فصائل الحوثي قبالة سواحل الحديدة، في البحر الأحمر1 أكتوبر 2024

وعمدت شركات التأمين البحري الى إلغاء بعض وثائق التأمين أو رفع أسعارها بشكل كبير في الشرق الأوسط . ويتوقع الوسطاء البحريون ارتفاع أقساط التأمين على السفن بنسبة قد تصل إلى ما لا يقل عن 50 في المئة مع تصنيف المنطقة "منطقة حرب" . وقالت أيضا إن مالكي السفن يدرسون تغيير مساراتهم البحرية لتجنب المرور عبر مضيق هرمز، وتقليل الأخطار على الطواقم والبضائع. وهناك توقعات بارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق المضيق الذي يمر عبره 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، ومخاوف من استمرار التوترات في المنطقة.

الحرب تهز أسواق الطاقة

يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت باسم بواب، في حديث إلى "المجلة"، أن للحرب تداعيات مباشرة غير مسبوقة على منطقة الخليج والشرق الأوسط، ثم على الاقتصاد العالمي، موضحا أن تعطل بعض المطارات والموانئ وإغلاق مضيق هرمز يشل جزءا كبيرا من الحركة الاقتصادية في المنطقة، مما يكلف عشرات مليارات الدولارات يوميا. ويشير إلى أن الأسواق ستواجه موجة تضخم مع ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته، خصوصا أن نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز. ويتوقع أن ترتفع أسعار الذهب بنحو 10 في المئة، أي نحو 500 دولار للأونصة، فيما قد يزيد سعر برميل النفط نحو 10 دولارات على الأقل.

الحرب في الخليج ليست مجرد صراع إقليمي، بل حرب في قلب سوق الطاقة العالمي

وتؤكد خبيرة شؤون الطاقة لوري هاتايان في حديث إلى "المجلة" أن أسعار النفط كانت ترتفع بالفعل قبل الضربة العسكرية بسبب التوترات الجيوسياسية وترقب الأسواق لأي تصعيد، مع الحشد العسكري الذي كان يجري حتى خلال مرحلة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران.

وتشير إلى أن الأسعار ستتحدد منذ الأيام الأولى للحرب وفق تطورات الأوضاع في دول الخليج المصدرة للنفط والغاز، وخصوصا ما يتعلق باستخدام مضيق هرمز.

رويترز
ناقلة نفط عمانية يتصاعد منها الدخان بعد إصابتها بصاروخ، في بحر الخليج العربي 1 مارس 2026

وتوضح أن السعودية والإمارات قادرتان نسبيا على تصدير النفط عبر مسارات بديلة خارج المضيق، إلا أن أي تصعيد عسكري سيؤثر حتما في الأسواق. فاستهداف مصادر الطاقة في المنطقة، سواء من قبل الحوثيين أو غيرهم، قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع فوق المستوى الحالي البالغ نحو 72 دولارا للبرميل، حتى لو لم يغلق مضيق هرمز بالكامل. علما أن سعر البرنت لامس 80 دولارا مع اندلاع الحرب.

سيناريوهات محتملة لضبط السوق

وتطرح هاتايان سيناريوهات محتملة عدة. الأول أن تعلن الولايات المتحدة حصارا على النفط الإيراني، مما قد يخرج نحو مليوني برميل يوميا من السوق، على الرغم من أن جزءا من هذا النفط يصل إلى الأسواق بطرق غير مباشرة عبر الصين. وقد قررت "أوبك بلس" زيادة الإنتاج لتهدئة الأسواق والحد من ارتفاع الأسعار، وذلك في اجتماع دول "أوبك بلس" أمس، إذ اتفقت 8 دول في التحالف على زيادة إنتاج النفط بمقدار 206 آلاف برميل يوميا في أبريل/نيسان، كتأكيد لحرصها الحفاظ على "استقرار السوق".

أما السيناريو الثاني فيتعلق بضربات أميركية مباشرة على منشآت الطاقة الإيرانية، وهو احتمال مستبعد نسبيا، لأن واشنطن قد تتجنب تدمير الاقتصاد الإيراني بالكامل أو دفع البلاد نحو انهيار داخلي. بينما يتمثل السيناريو الثالث في ضربات محدودة تستهدف مصافي التكرير، مما قد يسبب اضطرابا داخليا في إيران نتيجة نقص الإمدادات.

الأرجح أن الحرب لن تطول لأكثر من عشرة أيام، لأن الاقتصادات العالمية لا تستطيع تحمل ارتفاعات كبيرة وطويلة الأجل في أسعار النفط والغاز

ربيع ياغي، خبير في الصناعة النفطية

وتضيف أن إيران قد توسع ردها عبر استهداف قواعد أو بنى تحتية للطاقة في المنطقة، أو حتى التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية. إلا أن طهران لا تستطيع إغلاقه لفترة طويلة.

وتؤكد هاتايان أن كل السيناريوهات تقود إلى ارتفاع أسعار النفط، لكن حجم الارتفاع يعتمد على طبيعة الضربات ومدى استهداف البنية التحتية للطاقة. فإذا طاولت المنشآت الحيوية، فقد تقفز الأسعار إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، مما سينعكس على أسعار السلع عالميا ويؤدي إلى اضطرابات في الأسواق، خصوصا في الاقتصادات الأكثر هشاشة.

رويترز
مرفأ بيروت، 15 يناير 2026

في المقابل، يرى خبير الصناعة النفطية المهندس ربيع ياغي، في حديث إلى "المجلة"، أن الحرب لن تطول لأكثر من عشرة أيام، لأن الاقتصادات العالمية لا تستطيع تحمل ارتفاعات كبيرة ومطولة في أسعار النفط والغاز، وهو عامل يأخذه صانعو القرار في الاعتبار. ويؤكد أن أسعار النفط سترتفع خلال فترة الحرب، لكن الارتفاع سيكون مؤقتا، متوقعا ألا يتجاوز سعر البرميل 85 دولارا قبل أن يعود إلى نحو 70 دولارا مع انتهاء التوترات وحرص الدول على استقرار الأسواق وحماية المستهلكين.

وتشير هاتايان إلى أن الشرق الأوسط يوفر نحو 30 في المئة من استهلاك النفط العالمي البالغ نحو 105 ملايين برميل يوميا، إضافة إلى نحو 20 في المئة من تجارة الغاز العالمية، الذي يبلغ استهلاكه نحو 4,17 تريليون متر مكعب سنويا، وفق بيانات "أوبك". لذا فإن أي تصعيد في المنطقة ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي والنمو.

توقع هبوط البورصات

وفي اليوم الأول لعمل البورصات العالمية اليوم، افتتحت المؤشرات الرئيسية في بورصة "وول ستريت" على انخفاض في وقت يتأهب فيه المستثمرون لصراع طويل الأمد في الشرق الأوسط يهدد بتعطيل طرق التجارة العالمية وإعادة إشعال ضغوط التضخم.

وانخفض المؤشر داو جونز الصناعي 183.5 نقطة، عند بدء التداول إلى 48794.42 نقطة. وتراجع المؤشر ستاندرد اند بوز 500 بواقع 54.5 نقطة، أو 0.79 بالمئة، إلى 6824.36 نقطة، بينما خسر المؤشر ناسداك المجمع 346.1 نقطة. وبحسب"رويترز" ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لأي تغييرات في توقعات السياسة النقدية الأميركية، بنحو 3 نقاط أساس خلال اليوم، لتصل إلى 3.406 في المئة مع تراجع الأسعار، بعد أن سجلت في وقت سابق أدنى مستوى لها منذ أغسطس/آب  2022. وسجل ارتفاع في سعر الذهب والدولار في ظل موجة إقبال على الملاذات الآمنة.

font change

مقالات ذات صلة