الضربة القاضية... سباق إسرائيل لكسر النظام الإيراني

هامش التحرك بات أوسع مما كان عليه في أي وقت مضى

(البحرية الأميركية/أ.ف.ب)
(البحرية الأميركية/أ.ف.ب)
مقاتلة "إف-إيه-18-سوبر هورنت" تهبط على متن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" في بحر العرب، 30 يناير 2026

الضربة القاضية... سباق إسرائيل لكسر النظام الإيراني

تدخل إسرائيل والولايات المتحدة يومهما الثالث في أكثر حملة عسكرية تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، وهي عملية مشتركة تعلن صراحة أن هدفها تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية وإسقاط الجمهورية الإسلامية. ففي 28 فبراير/شباط 2026 أطلقت إسرائيل عملية "الأسد الزائر"، فيما دشنت الولايات المتحدة عملية "الغضب الملحمي"، ضمن ضربات منسقة أسفرت عن مقتل "المرشد الأعلى" آية الله علي خامنئي، وإطاحة الصف الأول من القيادة العسكرية الإيرانية، واستهداف منشآت نووية ومواقع للصواريخ الباليستية وبنى تحتية بحرية في أنحاء البلاد.

تمثل هذه العملية ذروة مسار استراتيجي امتد على مدى عامين، وبدأ بتدمير إسرائيل منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وتسارع إيقاعه خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025. ويستند هذا التحول الجذري من سياسة الاحتواء طويلة الأمد إلى المواجهة المباشرة إلى تقدير بأن النظام الإيراني بلغ أضعف حالاته منذ عقود، وأن شبكة وكلائه قد تآكلت، وأن هامش التحرك بات أوسع مما كان عليه في أي وقت مضى.

من حرب الظل إلى النصر الكامل

قاد التصعيد التدريجي إسرائيل إلى الابتعاد عن عقيدتها التي سبقت السابع من أكتوبر، والتي كانت تعرف بـ"المعركة بين الحروب" (بالعبرية: مابام)، نحو استراتيجية ترمي إلى كسب الحرب ذاتها. اعتمدت مقاربة الاحتواء السابقة على إضعاف الخصوم عبر ضربات محدودة ومتكررة، مع الحرص على البقاء دون عتبة الحرب الشاملة. وقامت فلسفتها الوقائية على تجنب انفجار إقليمي واسع عبر تقويض القدرات الإيرانية تدريجيا وحرمان طهران من أي مسار قد يفضي إلى تفوق إذا اندلع صراع أكبر. ومنذ السابع من أكتوبر مالت القيادة الإسرائيلية بصورة متزايدة إلى تبني نهج "النصر الكامل".

لم يكن هذا التحول وليد لحظة عابرة، بل أسهمت فيه حسابات إيرانية خاطئة. ففي غضون عامين تقريبا، تآكلت أعمدة الردع الإيراني تباعا. وكان "حزب الله" يشكّل الركيزة الأساسية في منظومة الدفاع المتقدم لطهران، إذ قدرت ترسانته قبل السابع من أكتوبر بنحو 150 ألف صاروخ وقذيفة، قادرة على إيقاع خسائر بشرية واسعة وإحداث اضطراب ممتد داخل إسرائيل. ورسخت عقود من الاستثمار الإيراني في هذه الذراع اللبنانية لإيران معادلةً ردعية واضحة مفادها أن أي استهداف مباشر لإيران سيقابل بوابل كثيف قد يرهق الدفاعات الجوية الإسرائيلية ويهدد القواعد الجوية المستخدمة في الطلعات بعيدة المدى ويستنزف الموارد الإسرائيلية بعيدا عن الساحة الإيرانية، وربما يدفع إسرائيل إلى عملية برية مكلفة في لبنان لوقف إطلاق النار.

لم يكن هذا التحول وليد لحظة عابرة، بل أسهمت فيه حسابات إيرانية خاطئة. ففي غضون عامين تقريبا، تآكلت أعمدة الردع الإيراني تباعا

وعززت قرارات طهران المتكررة بخوض اشتباك مباشر مع إسرائيل قناعة متنامية في تل أبيب بأن المواجهة تجاوزت حدود تحجيم الدفاعات الإيرانية المتقدمة واتجهت نحو هدف أوسع يتمثل في إضعاف الجمهورية الإسلامية ذاتها. وخلال سلسلة من المواجهات في عام 2024 انكشف، من حيث لا تقصد طهران، تفوق إسرائيلي ملحوظ، وتبلور مسار عملي رأى بعض الإسرائيليين أنه قد يفضي إلى انتصار.

وربما وجدت طهران في كثافة ردها وما أثاره من صدى إعلامي ما يبرر الاعتقاد بأنها خرجت من الجولة في موقع متقدم، غير أن القراءة المتأنية لنتائج الاشتباك الأول أظهرت صورة مغايرة. ففي أبريل/نيسان 2024 استهدفت إسرائيل منظومة دفاع جوي روسية الصنع قرب أصفهان على مقربة من موقع نووي. وبدا الأثر المادي للضربة محدودا، غير أن رسالتها كانت جلية إذ أكدت قدرة إسرائيل على بلوغ العمق الإيراني وتعطيل عقد دفاعية حساسة. وفي المقابل أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيرة نحو إسرائيل في عرض كثيف عكس حجم القدرة، لكنه لم يترجم إلى مكاسب حاسمة على الأرض.

وأخفقت الحزمة الهجومية الإيرانية في اللحظة الحاسمة. ففي ظل غياب الترسانة الضخمة لـ"حزب الله" كقوة مساندة، لم تحقق الصواريخ الإيرانية سوى إصابات محدودة في القواعد الجوية الإسرائيلية من دون أن تخرجها عن الخدمة. وحتى مع إطلاق عشرات الصواريخ، عجزت طهران عن تعطيل المدارج أو البنية القيادية والتحكم أو منظومات توليد الطلعات الجوية التي تستند إليها إسرائيل في استدامة حملتها.

رويترز
الدخان بتصاعد من مقر المرشد الايراني علي خامنئي بعد الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، في 28 فبراير

واكتسب هذا الإخفاق وزنا استراتيجيا واضحا، إذ إن تعطيل تلك القواعد كان سيقيد بصورة حادة قدرة إسرائيل على الرد، في حين دل استمرار عملها على أن سلاح الجو الإسرائيلي قادر على مواصلة القتال حتى إذا اتسعت المواجهة وتصاعدت الرشقات الإيرانية. ومنذ تلك اللحظة لم يعد احتمال انتصار عسكري إسرائيلي على إيران مجرد فرضية نظرية، بل أخذ يكتسب ملامح إمكانية عملية.

الحسم أو الإصابة المميتة

تأتي الضربات الأميركية-الإسرائيلية المشتركة في عام 2026 نتيجة مباشرة لتآكل الردع الإيراني بفعل سياسات طهران نفسها. وحتى بالمقارنة مع حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي، تبدو الصورة الاستراتيجية مختلفة إلى حد يصعب معه التعرف إليها. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالهدف اليوم واضح، إما القضاء على الجمهورية الإسلامية أو إلحاق ضرر دائم بها.

تطورت الأهداف الإسرائيلية بوضوح ملحوظ. فلم تستهدف الضربة الافتتاحية في هذه الجولة منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، التي تراجعت فاعليتها إلى حد كبير، بل وجهت نحو ما هو أشد أثرا، ضربة قاصمة تطال رأس النظام نفسه. وقد طالت الغارات حي باستور، أحد أكثر أحياء طهران تحصينا، واستهدفت "المرشد الأعلى" علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار القادة الأمنيين. وأفادت مصادر إسرائيلية بمقتل ما يصل إلى ثلاثين مسؤولا وقائدا إيرانيا، مع استمرار عمليات الاستهداف في مراحل لاحقة.

يراهن النظام، عبر تشتيت قواته، على الاحتفاظ بقدر كاف من القدرة القسرية لقمع أي اضطرابات قد تندلع خلال الحملة أو بعدها. غير أن اتساع نطاق تلك الاضطرابات يظل الرهان المركزي في حسابات كل من ترمب ونتنياهو

وفي المرحلة التالية ركزت الحملة على تعقب مخزونات الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنصاتها المتحركة، في سباق لتدميرها قبل إخفائها أو إطلاقها. وبالتوازي مع ذلك، عادت إسرائيل إلى توسيع نطاق استهداف بنية النظام. وعلى مدى أيام متتالية أصابت الضربات العمود التنظيمي لجهاز الأمن الداخلي الإيراني، بما في ذلك مركز قيادة الباسيج، ومقر شرطة طهران الكبرى، ومركز إقليمي أدار منه النظام حملة قمع أودت بحياة عشرات الآلاف من مواطنيه. وامتد الاستهداف إلى عقد أصغر، مثل مراكز الشرطة المحلية ونقاط تجمع الباسيج، ما دفع القوى الأمنية إلى إخلاء مواقعها الثابتة والانتشار في مواقع مؤقتة، في مؤشر واضح على اضطراب عملياتي ملموس.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدى وصولهما إلى نادي مارالاغو التابع لترمب في بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة في 29 ديسمبر 2025

ويراهن النظام، عبر تشتيت قواته، على الاحتفاظ بقدر كاف من القدرة القسرية لقمع أي اضطرابات قد تندلع خلال الحملة أو بعدها. غير أن اتساع نطاق تلك الاضطرابات يظل الرهان المركزي في حسابات كل من ترمب ونتنياهو. فمن الصعب تصور خروج احتجاجات جماهيرية واسعة في ظل قصف جوي مستمر، إلا أن المظاهرات المتفرقة التي ظهرت بالفعل، بما في ذلك مشاهد لإيرانيين يحتفلون علنا بمقتل خامنئي، تعكس عمق سخط قد لا تكفي الحرب وحدها لإخماده.

كما تستهدف إسرائيل والولايات المتحدة عمدا مناطق نائية تقطنها أقليات، وهي مناطق يرجح أن يفقد النظام السيطرة عليها في مرحلة مبكرة، وأن تكون كلفة استعادتها سياسيا باهظة. فقد شكلت المناطق ذات الغالبية الكردية والأذرية والعربية بؤر توتر متكرر في السابق، وتضم جماعات مسلحة قد تجد في الفوضى فرصة سانحة للتحرك. ويظل خطر انزلاق إيران إلى حالة من فقدان السيطرة قائما على المدى الأبعد، غير أن نهج نتنياهو في سوريا يظهر استعداده لتحمل هذا النوع من المخاطر.

وماذا بعد؟

تدرك إسرائيل أن عامل الزمن يضغط بقوة. فالهجمات التي تطال دول الخليج، ولا سيما استهداف منشآت الطاقة ومحاولات إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي، تقضي بأن لا تمتد العملية الجارية إلى ما لا نهاية.

وعلى الرغم من الأداء الفعال للدفاعات الجوية الخليجية، وقدرة الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إضعاف ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية بدرجة كبيرة، لا تزال طهران تمتلك مخزونا ضخما من الطائرات المسيرة الانتحارية. ولتأمين نافذة زمنية تتيح إحداث خلخلة حقيقية في بنية النظام، يتعين على واشنطن وتل أبيب تحييد قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيرات في المدى القريب. وقد أظهرت الحملات السابقة ضد الحوثيين المدعومين من إيران أن كبح هجمات المسيرات مهمة بالغة التعقيد. ومع ذلك، فإن حجم القدرات التي توظفها إسرائيل والولايات المتحدة في هذه الحملة ونوعيتها غير مسبوقين. وسيقاس النجاح بمستوى الانخفاض الملموس في وتيرة إطلاق المسيرات، أما توقف الهجمات بالكامل فيظل احتمالا ضعيفا، حتى ضمن الإطار الزمني الذي أشار إليه الرئيس دونالد ترمب والمقدر بأربعة أسابيع.

وكالة أنباء غرب آسيا
جدارية تضم صوراً للمرشد الأعلى الإيراني السابق آية الله علي خامنئي وقائد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 آية الله روح الله الخميني، في أحد شوارع طهران، إيران، 26 فبراير/شباط 2026.

وبالنسبة إلى إسرائيل، يحتدم السباق لإلحاق جرح قاتل بالجمهورية الإسلامية قبل أن تتبدل المعادلات أو تفرض قيود سياسية على استمرار العمليات. ولن يفاجأ بهذا المسار من تابع عن كثب تطور الصراع الإيراني-الإسرائيلي.

وقد بدا الحساب الإسرائيلي بعد حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي واضحا. فأعادت تلك الحرب ضبط التوازن الاستراتيجي، مؤكدة تفوق إسرائيل ومقلصة في الوقت ذاته من قوة إيران. غير أن نتنياهو أدرك أن هذا التفوق لن يدوم من دون إرادة سياسية وقوة عسكرية تحافظان عليه. ومن خلال تبني عقيدة "النصر الكامل" بصورة صريحة في حملته الحالية، تراهن إسرائيل على مخاطرة كبيرة ذات عائد محتمل مرتفع، قوامها تثبيت نتائج هذه المواجهة وتحويلها إلى واقع طويل الأمد.

font change

مقالات ذات صلة