هل يعوّض الغاز الجزائري وقف الامدادات من قطر؟

تعطل الملاحة في مضيق هرمز يدفع أوروبا للبحث عن بدائل سريعة لتعزيز أمن الطاقة

"المجلة"
"المجلة"

هل يعوّض الغاز الجزائري وقف الامدادات من قطر؟

تتكرر اليوم في أسواق الطاقة ما يشبه ظروف التصعيد الدولي التي شهدناها خلال اجتياح روسيا لأوكرانيا، مع تصاعد العمليات على كييف واستجابة المجتمع الدولي بفرض عقوبات اقتصادية مشددة. في تلك المرحلة، تحول الغاز الطبيعي إلى أحد أدوات الردع، إذ تحتل روسيا المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة الأميركية في إنتاج الغاز، بقدرة 690 مليار متر مكعب عام 2025.

وفي حين كان الغاز الروسي يغطي 40 في المئة من حاجات القارة العجوز، انخفض في السنوات الأخيرة الاعتماد عليه لكنه لا يزال يمثل نحو 13 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي في عام 2025، بقيمة تزيد على 15 مليار يورو (17.4 مليار دولار) سنويا، وفقا لمجلس الاتحاد الأوروبي.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بلاده قد تتوقف فورا عن إمداد أوروبا بالغاز بسبب القيود المفروضة عليها، وأشار إلى أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في رفع أسعار النفط والغاز عالميا، موضحا في 4 مارس/آذار الجاري أن ارتفاع أسعار النفط لا يرتبط فقط بحرب إيران، إنما يتأثر أيضا بالقيود المفروضة على صادرات النفط الروسي.

تصاعد الحرب في الشرق الأوسط قد يدفع دول الخليج إلى وقف إنتاج الطاقة خلال أسابيع ويؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارا للبرميل

وزير الطاقة القطري سعد شريده الكعبي

وعاد العالم اليوم ليشهد السيناريو ذاته لكن بتفاصيل مختلفة قليلا. فتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز ينذر بأزمة طاقة حادة تهدد من جديد القارة العجوز ودول عربية أخرى تشمل مصر والكويت والأردن والبحرين. ويستوجب ذلك البحث سريعا عن بدائل للتصدي لمشكلة الإمداد هذه.

صدمة طاقة جديدة تضرب أوروبا

لم تكد تندمل جراح أوروبا حتى نقلت رياح الشرق الأوسط  أخبارا قاسية عليها، يتمثل أولها  في إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي تتدفق عبره نحو 20 في المئة من إمدادات الخام العالمية. أما الثاني، الذي لم يكن في الحسبان، وشكل عنصر المفاجأة في الحرب المستعرة، فكان ضرب منشآت الغاز القطرية. على إثر ذلك، أعلنت شركة "قطر للطاقة" يوم الأربعاء الماضي حالة "القوة القاهرة" بعد وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال، مما يعني أنها أبلغت عملاءها رسميا بأن ظروفا خارجة عن إرادتها تمنعها من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية في توريد الغاز، بسبب هجمات عسكرية استهدفت منشآت في "رأس لفان" ⁠و"مسيعيد".

Shutterstock
صورة جوية لمحطة تخزين الغاز في جزيرة حالول القطرية،على بعد 80 كم شمال شرق الدوحة، قطر

بعد هذا الإعلان، شهدت أسواق الطاقة العالمية صدمة عنيفة بارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تقارب 50 في المئة في يوم واحد لتتخطى عتبة 46 يورو للميغاوات/ساعة. تعاني أوروبا من أزمة حادة في مخزونات الغاز الطبيعي بسبب موجات البرد التي دفعت بالسكان إلى رفع درجات الحرارة وهو ما أدى إلى استنزاف سريع لهذه المخزونات.

ويوم الجمعة الماضي، حذر وزير الطاقة القطري سعد شريده الكعبي من أن تصاعد الحرب في الشرق الأوسط قد يدفع دول الخليج إلى وقف إنتاج الطاقة خلال أسابيع ويرفع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارا للبرميل، مع احتمال تأخر عودة إمدادات قطر الطبيعية لأسابيع أو أشهر حتى لو توقفت الحرب فورا.

مع حرب إيران وتصاعد الطلب الأوروبي على الغاز، تتجه الأنظار نحو الجزائر، التي تعزز مكانتها كقوة مؤثرة في أسواق الطاقة

المؤكد حاليا أن مآسي هذه الحرب كثيرة، لكنها لا تخلو من مكاسب اقتصادية لدول أخرى. ويبرز هنا اسم الجزائر التي تعتبر قوة رئيسة في مجال إنتاج الطاقة. وكان رئيس الجمهورية الجزائري، عبد المجيد تبون، قال في فبراير/شباط الماضي إن الجزائر تواصل ترسيخ سيادتها في الطاقة وتعزيز مكانتها في الأسواق الدولية، مشددا على أن البلاد أصبحت اليوم سابع أكبر مصدر للغاز في العالم والمورد الثالث للسوق الأوروبية.

وبحسب بيانات حديثة، بلغ إنتاج الغاز الجزائري 101,84 مليار متر مكعب، ما يعادل 9,84 مليارات قدم مكعبة يوميا، مقارنة بنحو 104,49 مليار متر مكعب (10,08 مليارات قدم مكعبة يوميا) في عام 2024. وهي تحتل اليوم المرتبة الأولى أفريقيا والعاشرة عالميا في إنتاج الغاز الطبيعي (أكثر من 100 مليار متر مكعب سنويا). فالجزائر التي تحوز نحو 12,2 مليار برميل نفط، واحتياطات غاز تصل إلى 4,5 تريليونات متر مكعب، أمام فرصة لتعزز مكانتها كمورد موثوق به للطاقة (غاز ونفط) والظفر بأسواق جديدة.

ما هي قدرات الجزائر للإنتاج والتصدير؟

تتوزع هذه القدرة لإنتاج الغاز على أربع منشآت رئيسة أهمها مجمعا "GL1Z" و" GL2Z" في مدينة أرزيو في محافظة وهران (شمال غرب الجزائر على الساحل المتوسطي) بقدرات تصل إلى 7,9 و8,2 ملايين طن سنويا على التوالي، إضافة إلى وحدة إنتاج في مجمع GL3Z بسعة 4,7 ملايين طن سنويا، كما يضم مركب سكيكدة (شمال شرق الجزائر) وحدة إنتاج بطاقة 4,5 ملايين طن سنويا.

Shutterstock

وقد تم تبوؤ هذه المكانة بفضل تعزيز القدرات الإنتاجية والتصديرية سواء عبر خطي الأنابيب، إذ تحوز الجزائر شبكة ضخمة من خطوط النقل تمتد على مسافة تتجاوز 11,7 ألف كيلومتر تديرها شركة "سوناطراك" الجزائرية، وهما خط "ترانسميد" في اتجاه إيطاليا الذي تبلغ قدرته الاستيعابية نحو 30 إلى 33 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، و"ميدغاز" (MEDGAZ) الذي يعتبر مشروعا استراتيجيا بالنسبة للجزائر وإسبانيا كما هو الحال بالنسبة لبقية أوروبا. فمن ناحية، هو يسهم في تحسين أمن الإمداد نظرا لأنه يربط السوق الأوروبية مباشرة بمصدر إمدادات الغاز الجزائري، ومن جهة أخرى، تعتبر هذه الطريقة الأكثر اقتصادا لتزويد جنوب أوروبا الغاز الطبيعي وفقا لاستنتاجات المراقبين الدوليين وكذلك مرصد الطاقة المتوسطي أو "وود ماكنزي".

الجزائر تزود مصر بالغاز

ويرجح خبير الطاقة الجزائري بلمكي محمد المكي في حديثه إلى "المجلة"، توجه الجزائر نحو إمداد مصر بشحنات من الغاز الطبيعي المسال. وهو السيناريو نفسه الذي حدث خلال بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتوقف خط أنابيب ينقل الغاز إلى مصر. والمنتظر حاليا أن تزيد شركة النفط الجزائرية "سوناطراك" كميات الغاز الطبيعي المسال، لكن وفقا لقدرتها الإنتاجية.

وكانت منصة "الطاقة" المتخصصة اشارت قبل أيام قليلة إلى أن "سوناطراك" تعمل على رفع إنتاج الغاز المسال إلى أقصى طاقتها الممكنة مع احتمال إعادة توجيه بعض الكميات نحو دول عربية مثل مصر والكويت والأردن والبحرين لتغطية أي فجوة محتملة في الإمدادات.

تعتمد مصر بدرجة عالية على الغاز الإسرائيلي لتغطية نحو 15 الى 20 في المئة من استهلاكها، بينما يشكل هذا الغاز مصدرا رئيسا لإمدادات الطاقة في الأردن، خصوصا لتشغيل محطات توليد الكهرباء.

ماذا عن أسعار الغاز للأسواق الأوروبية؟ 

يقول مدير معهد العلوم الاقتصادية والتجارية بالمركز الجامعي في مدينة إيليزي الجزائرية، شين خثير، في حديث الى "المجلة" إن "ما يحدث حاليا ليس مجرد أزمة أو عناوين صحافية عابرة، بل دليل على أننا أمام تحول جذري في توازنات أسواق الطاقة العالمية إذ ستدخل في مرحلة تبحث فيها الدول المستهلكة عن موردين جدد خارج منطقة الخليج من بينهم الجزائر التي تبرز كملاذ آمن في أسواق الطاقة العالمية التي دخلت نفقا مظلما من عدم اليقين".

ولعل السؤال الملح اليوم، هل سيتم تحديث أسعار البيع للشركاء الأوروبيين إذا كان هناك حاجة لكميات إضافية من الغاز الجزائري عبر الأنابيب أم أنه سيتم إبقاء الأسعار المعمول بها في العقود الطويلة الأمد؟

ما يحدث حاليا ليس مجرد أزمة عابرة، بل دليل على أننا أمام تحول جذري في توازنات أسواق الطاقة العالمية

شين خثير، مدير معهد العلوم الاقتصادية والتجارية بالمركز الجامعي في مدينة إيليزي الجزائرية

لا يستبعد خثير "دخول الأوروبيين على خط التفاوض مع شركة 'سوناطراك' للحصول على كميات إضافية من الغاز غير تلك المتفق عليها في العقود وعلى أساس الأسعار الحالية في السوق الدولية وليس تلك المنصوص عليها في العقود الطويلة الأجل". ويشرح أن "العملاء أصبحوا مستعدين لاقتناء كميات من الغاز بأسعار أعلى لأسباب ثلاثة هي: خسارة أكثر من ربع معروض الغاز المسال العالمي دفعة واحدة بسبب قصف منشآت الإنتاج في الدوحة والشلل المسجل في حركة الناقلات عبر مضيق هرمز بسبب إغلاقه من قبل طهران، يضاف إلى ذلك تلويح روسيا بوقف إمدادات الغاز إلى أوروبا، وربط هذا الاحتمال بسعي الاتحاد الأوروبي إلى حظر مشتريات الغاز الروسي بما في ذلك الغاز المسال".

سفينة حربية تبحر في مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات النفط والغاز العالمية، في 1 مارس 2026

كما من غير المستبعد، بل من المرجح، بحسب خثير، توجه الجزائر نحو الاستفادة من الأسعار المرتبطة بالأسواق الفورية (Spot Market)، واستغلال الغاز الطبيعي المسال لتلبية طلب عاجل من الدول العربية التي تبحث عن موردين موثوق بهم بعيدا من المضائق البحرية المهددة، مثل الكويت والأردن والبحرين ومصر.

وتضع رئيسة الفيديرالية الجزائرية للتنمية الاقتصادية والتعاون المشترك، سعاد رحاب، في تصريح لها اسم الجزائر كأحد البدائل الأكثر موثوقية لتعويض أي اضطراب في إمدادات الغاز المسال القادمة من منطقة الخليج. وهذا التطور قد يكرس الجزائر كشريك محوري في الطاقة، لا سيما في معادلة أمن الطاقة الأوروبي.

وستكون الجزائر، وفق رحاب، من بين الدول التي ستتأثر به بشكل مباشر، إيجابا وسلبا في آنٍ واحد، فبين "الاستفادة الاضطرارية" من ارتفاع أسعار الطاقة، وأخطار التضخم المستورد، واضطراب التجارة الدولية، تقف الجزائر أمام معادلة دقيقة تتطلب إدارة استراتيجية عالية الكفاءة.

font change

مقالات ذات صلة