الأردن الذي يحاول أن لا يدخل حربا تمر فوقه

يتحرك اليوم داخل مساحة ضيقة بين الحذر والضرورة

الأردن الذي يحاول أن لا يدخل حربا تمر فوقه

استمع إلى المقال دقيقة

لم تعد صفارات الإنذار التي صارت تتكرر في كل مدن الأردن، مجرد صوت طارئ يمر عابرا في الهواء، بل ربما أصبحت جزءا من إيقاع الحياة اليومية، في بلد لم يدخل الحرب لكنه يسمع صداها فوق رأسه، يرفع الناس رؤوسهم قليلا نحو السماء، يتابعون الأخبار على هواتفهم، ثم قد يعودون إلى أعمالهم، وكأن شيئا لم يحدث، ومع ذلك فإن هذا الصوت المتكرر يخفي معركة أخرى تدور في مكان لا يراه أحد بسهولة، معركة إدارة الجغرافيا حين تصبح الدولة، واقفة في منتصف حريق إقليمي كبير.

الأردن في هذه اللحظة ليس لاعبا في الحرب بين إسرائيل وإيران، لكنه مع ذلك يدفع كلفة موقعه فيها، فالدولة تقول بوضوح إنها ليست طرفا في الصراع، وأن سيادتها الجوية والأرضية خط أحمر، لكن الواقع الإقليمي يجعل الحياد الكامل فكرة أقرب إلى النظرية منها إلى الممارسة، فالصواريخ التي تعبر السماء، لا تسأل عن حدود الدول، وربما تمر فوق أكثر من بلد قبل أن تصل إلى هدفها، كما أن الممرات العسكرية في الشرق الأوسط متشابكة إلى درجة تجعل أي تصعيد واسع يمر، بطريقة أو بأخرى، قرب الأردن، لذلك يتحرك القرار الأردني داخل معادلة دقيقة: أن يمنع تمدد النار إلى الداخل، وأن يحافظ في الوقت نفسه على صورة دولة لا تتبع محورا ولا تنسحب من معادلات الإقليم.

غير أن معضلة الأردن الحقيقية لا تُقرأ من السماء وحدها، بل من الخريطة كلها، فغربا تقف الضفة الغربية على حافة انفجار سياسي وأمني كبير، وربما تتآكل السلطة الفلسطينية تدريجيا بينما تتصاعد العمليات داخل المدن والمخيمات، وفي عمان يعرف صناع القرار جيدا أن أي انهيار واسع في الضفة لن يبقى هناك طويلا، لأن الأسئلة القديمة قد تعود فورا، أسئلة الحدود، وأسئلة الدولة الفلسطينية، وربما أيضا أسئلة الضغط الديموغرافي الذي قد يدفع موجات جديدة من الناس نحو الشرق، وهذه ليست مجرد مخاوف نظرية، بل سيناريوهات يجري التفكير فيها منذ سنوات طويلة.

أما شرقا فالصورة تبدو أكثر هدوءا في الظاهر، لكن الهدوء في العراق لا يعني بالضرورة الاستقرار الكامل، فالعراق ليس ساحة حرب مفتوحة اليوم، لكنه أيضا ليس فضاء سياديا مغلقا تماما، والميليشيات التي تتحرك ضمن المشهد الأمني هناك قد تتصرف أحيانا بوصفها جزءا من الصراع الإقليمي الأوسع، وبعضها ربما بدأ يذكر الأردن في بياناته أو خطاباته، وقد يكون ذلك مجرد ضغط سياسي أو رسالة إعلامية، وربما يكون جزءا من حرب نفسية، لكن مجرد إدخال الأردن في خطاب المواجهة يعني أن الحدود الشرقية لم تعد مجرد طريق تجارة وشاحنات، بل احتمال جبهة إذا اختل ميزان الحسابات.

وفي الشمال تبدو سوريا أكثر تعقيدا مما توحي به الخرائط الرسمية، فالجنوب السوري خلال السنوات الماضية تحول تدريجيا إلى مساحة مليئة بالمناطق الرمادية: شبكات تهريب، مجموعات مسلحة، نفوذ إيراني غير مباشر، وربما أيضا فراغات سيادية تركتها سنوات الحرب الطويلة. وقد تعامل الأردن مع هذه الجبهة عبر مزيج من الردع العسكري والعمليات الأمنية الدقيقة، لكن الحروب الإقليمية عادة ما تعيد تنشيط هذه المساحات، لأن اللاعبين الصغار، قد يتحركون دائما حين ينشغل اللاعبون الكبار بصراعاتهم الكبرى، لذلك تبقى الحدود الشمالية ملفا مفتوحا على احتمالات التوتر مهما بدا المشهد هادئا.

القلق من الحرب في الأردن لا يظهر فقط في البيانات الاقتصادية، بل في مزاج السوق وفي السؤال البسيط الذي قد يتكرر في بيوت كثيرة، هل هذه حرب قصيرة أم بداية مرحلة أطول من الفوضى

وفي مثل هذه اللحظات لا تصل الحرب إلى الدول الصغيرة عبر الدبابات وحدها، بل عبر الاقتصاد أيضا، فكل حرب في الشرق الأوسط تتحول، عاجلا أم آجلا، إلى ضريبة غير معلنة على الدول المجاورة، وقد ترتفع أسعار الطاقة قليلا، وقد تتباطأ خطوط التجارة، وربما تتردد السياحة أو يتراجع الاستثمار حين يسمع المستثمر صوت الصواريخ في الأخبار، وفي الأردن حيث الاقتصاد يعمل أصلا ضمن هوامش ضيقة، يتحول أي تصعيد إقليمي إلى ضغط إضافي على الخزينة، وعلى حياة الناس اليومية، فالقلق هنا لا يظهر فقط في البيانات الاقتصادية، بل في مزاج السوق وفي السؤال البسيط الذي قد يتكرر في بيوت كثيرة، هل هذه حرب قصيرة أم بداية مرحلة أطول من الفوضى.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا المشهد الإقليمي الثقيل، فإن الدولة الأردنية تستمر في العمل داخل إيقاعها المؤسسي المعتاد، وكأنها تقول بطريقتها الخاصة إن الاستقرار ليس شعارا بل ممارسة يومية، فالمؤسسات تعمل، والوزارات تمضي في برامجها، والمشهد السياسي لا يزال يحمل تفاصيله التقليدية بين البرلمان والحكومة، وربما يلاحظ المتابع أن النقاشات البرلمانية أو السجالات السياسية لم تتوقف رغم صوت الصواريخ في الإقليم، بل إن حديثا غير موثق لكنه متداول في أوساط سياسية يشير إلى أن تعديلا حكوميا قد يكون مطروحا في توقيته الطبيعي داخل حكومة الدكتور جعفر حسان، وهو تعديل قد يهدف، كما يقول بعض المطلعين، إلى تخفيف حمولة وزراء ارتبطت أسماؤهم بحالات تأزيم سياسي أو لم ينسجموا مع المعايير الصارمة التي يعمل بها رئيس الوزراء في إدارة فريقه، حتى إن أحد السياسيين المخضرمين قال في مجلس خاص إن أهم ما يُسجل لحسان شخصيا أنه أعاد إنتاج المفهوم الاحترافي لمجلس الوزراء، لا بوصفه مجرد ساحة توازنات سياسية، بل كمؤسسة عمل لها ثقافة واضحة ومعايير أداء صارمة.

ثم يأتي الداخل، وهو الملف الذي تخافه الدول أكثر من أي جبهة أخرى، فالحروب الخارجية لا تدخل إلى المجتمعات عبر الصواريخ فقط، بل عبر الانقسام أيضا، وصور الحرب على الشاشات، والخطاب الإقليمي المتوتر، وربما الاستقطاب الحاد في وسائل التواصل، كلها عوامل قد تجعل المزاج العام أكثر احتقانا. ووفق تسريبات يجري تداولها في بعض الدوائر السياسية، فإن الاعتقالات الأخيرة التي طالت عددا من الشباب المرتبطين بـ"الحزب الشيوعي الأردني" قد تكون مرتبطة بشبهات علاقات مباشرة مع طهران، بحسب مصدر مطلع يقول إن التحقيقات الجارية تركز على طبيعة هذه الاتصالات وما إذا كانت تتجاوز النشاط السياسي التقليدي إلى مستوى ارتباط تنظيمي أو لوجستي، وهو إن ثبت، سيكون تطورا نوعيا مختلفا عن نمط التورط الذي اعتادت الدولة التعامل معه سابقا في سياق جماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة، ما يعني أن المشهد الداخلي ربما يكون قد دخل مرحلة أكثر تعقيدا مما يبدو على السطح.

السؤال الذي لا يمكن الهروب منه في النهاية، إذا كانت الجغرافيا تضع الأردن دائما قرب النار، فإلى أي مدى تستطيع الدولة أن تظل تدير الحروب حولها دون أن تجد نفسها يوما داخلها

لهذا كله يتحرك الأردن اليوم داخل مساحة ضيقة بين الحذر والضرورة، الحذر كي لا يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة، وربما الضرورة كي لا يظهر كفراغ يسمح للحرب بالتمدد إليه، إنها معادلة دولة تعرف حدود قوتها جيدا، لكنها تعرف أيضا أن أخطر ما في هذه المنطقة ليس الحرب نفسها، بل اللحظة التي قد يخطئ فيها أحد قراءة اتجاهها.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه في النهاية، إذا كانت الجغرافيا تضع الأردن دائما قرب النار، فإلى أي مدى تستطيع الدولة أن تظل تدير الحروب حولها دون أن تجد نفسها يوما داخلها.

font change